«صحاب الأرض»… يعيد صياغة الوعي الجمعي وينتصر للحق الفلسطيني


القاهرة ـ «القدس العربي»: يمثل مسلسل «صحاب الأرض» الذي عرض في رمضان 2026 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الإنتاج الثقافي العربي المعاصر، متجاوزاً حدود العمل الدرامي، ليتحول إلى وثيقة بصرية وتاريخية ترصد حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. هذا العمل، الذي أنتجته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، يجسد ذروة استثمار القوة الناعمة المصرية في صياغة الوعي الجمعي وإعادة الاعتبار للحقوق التاريخية. يحمل مسلسل «صحاب الأرض» قيمة فنية تنبع من قدرته على نقل ما يجري في غزة من نطاق الأرقام إلى مساحة التجربة الإنسانية، حيث تتحول الإحصاءات إلى وجوه وحكايات وتفاصيل يومية تكشف حجم الألم وقوة التماسك، في سياق حرب خلّفت أكثر من ثلاثين ألف شهيد، وفق ما وثقته تقارير منظمة الصحة العالمية وهيومن رايتس ووتش حتى شباط/فبراير 2026، يقدّم العمل معالجة درامية تستند إلى وقائع ميدانية، ليؤكد حضور الفن كوسيلة لحفظ الذاكرة ومواجهة محاولات طمسها.

يتحرك المسلسل داخل لحظة تاريخية ممتدة، حيث تركت الحرب آثارا عميقة على البشر والمكان، وهو ما ينعكس في بناء درامي يركز على تفاصيل الحياة تحت القصف والحصار، ويعيد تقديم الرواية الفلسطينية من زاوية إنسانية قريبة من الناس. وقد أثار العمل هجومًا مباشرًا من وسائل الإعلام في تل أبيب، حيث شنّت قنوات عبرية هجوما شديدا على العمل في مؤشر يكشف حجم القلق من تأثيره، خاصة مع قدرته على الوصول إلى جمهور واسع وتقديم سرد إنساني يناقض الرواية الإسرائيلية السائدة.

البناء السردي…
القصة ووحدة الجغرافيا والمصير

اعتمد مسلسل «صحاب الأرض» على نص درامي محكم وضعه المؤلف عمار صبري، مع تطوير دقيق للسيناريو والحوار من توقيع محمد هشام عبية، ليخرج العمل برواية متماسكة تتميز بالترابط والصدق بعيدًا عن الخطابية المباشرة. واستند المؤلف في بناء الحكاية إلى تحقيقات صحافية وأفلام وثائقية، لضمان أعلى درجات الواقعية في الأحداث. نجح النص الدرامي في تجاوز حدود الفصل الجغرافي التي يفرضها الاحتلال، من خلال عرض معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية بالتوازي مع غزة، مؤكدًا على وحدة المصير وانصهار الجغرافيا في ملحمة البقاء. كما وضع المسلسل أحداث أكتوبر ضمن سياقها التاريخي الصحيح، معتبرًا أنها نتاج عدوان متواصل منذ عقود. مؤكدا أن الفلسطينيين يواجهون سلسلة من الحروب منذ النكبة، في استهداف تاريخي ممتد عبر أجيال، ما ينفي السردية الصهيونية التي تحصر الأزمة في لحظة زمنية محددة، رغم أن الجرح الفلسطيني مفتوح منذ سنوات طويلة. بدأ المسلسل بمشهد قصف منزل شقيق «ناصر» (إياد نصار)، لتبرز اللحظة الأولى من المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون، ثم دخول الطبيبة «سلمى» (منة شلبي) إلى القطاع ضمن بعثة إغاثة طبية مصرية عبر معبر رفح، الشريان الحيوي الوحيد للإمدادات الإنسانية. في المستشفى الميداني، تواجه «سلمى» نقصًا حادًا في الأدوية والأجهزة، إلى جانب انقطاع متكرر للكهرباء، ما يجبر الأطباء على العمل بضوء البطاريات، وهو واقع وثقته تقارير منظمة الصحة العالمية في شباط/فبراير 2026، مع إغلاق معظم المستشفيات نتيجة النقص أو الاستهداف المباشر. مع استمرار الأحداث يسلط المسلسل الضوء على الانتهاكات اليومية، مثل قصف المستشفيات، والاعتقالات التعسفية، والتضييق الاقتصادي الذي يحول الفلسطينيين إلى رهائن. كما رصد تجاوزات الاحتلال في الضفة واعتداءات المستوطنين، وصوّر ذعر العائلات الفلسطينية أمام دبابات الجيش التي تجتاح الأحياء. وتبرز شخصية «كارما» (تارا عبود) لتجسد معاناة أهل الضفة، حيث تعيش مع شقيقتيها وجدتها في قلق دائم. ويجبرون على ترك منزلهم نتيجة الاجتياح الصهيوني قبل أن تعتقلها قوات الاحتلال. ويظهر دور المقاومة الشعبية في الضفة من خلال شخصية الشاب الذي يندفع لحماية «كارما» من اعتداء أحد المستوطنين، ما يوضح أن القمع يشمل كافة الفلسطينيين، وأن معاناة الضفة تماثل في بشاعتها ما يحدث في غزة. ونجح العمل في تسليط الضوء على استهداف الكوادر الطبية والمرافق الصحية في انتهاك صارخ للقوانين الدولية. ويبرز العمل تمسك الفلسطينيين بالحياة كشكل من أشكال المقاومة؛ فرغم القصف والدمار، يقيمون أفراحًا بسيطة، يتزوجون، ويستقبلون مواليد، كما في مشهد «الفلافل بالفول ولا بالحمص»، حيث يفتح «ناصر» نقاشًا عفويًا مع «سلمى» داخل بناية مدمرة، في محاولة للتمسك بالحياة اليومية. هذا المشهد يجمع الضحك بالألم، ويعكس صمود الفلسطينيين، حيث يتمسكون بالحياة كوسيلة للمقاومة، وهو واقع وثقته تقارير الأمم المتحدة حول زيادة الولادات في غزة رغم الحرب.

الشخصيات والأداء التمثيلي:
تجسيد الوجع والصلابة

يُعتبر أداء الممثلين في «صحاب الأرض» العمود الفقري لنجاح المسلسل، حيث تحول الممثلون إلي شخصيات حقيقية تجسد الواقع المؤلم، فقدّم إياد نصار واحدًا من أكثر أدواره نضجًا وعمقًا، في شخصية ناصر المواطن الغزّاوي البسيط، صاحب المطعم الذي يجد نفسه في مواجهة قاسية مع فقدان عائلته وتهديم منزله، من دون أن يفقد إنسانيته. هذا الأداء كان حالة معايشة كاملة، انعكست فيها خبراته الشخصية وخلفيته الفلسطينية، ما أضفى على الشخصية صدقًا نادرًا وواقعية شديدة التأثير. وتتجلى قوة إياد نصار كممثل في قدرته على التعبير عن المشاعر المركّبة بدون إفراط أو مباشرة، فهو لا يقدّم الغضب بوصفه انفجارًا لحظيًا، بل يجعله تيارًا داخليًا مستمرًا يسري في كل تفاصيل الشخصية. يظهر هذا الغضب المكبوت في صمته الثقيل وفي نظراته الحادة وفي طريقته المقتضبة في الكلام وانفجار الغضب في المواقف الذي يشعر فيها بالعجز. وفي المقابل، يكشف عن وجه آخر للشخصية، لا يقل قوة، وهو الحنان الإنساني. تتبدى هذه الرهافة في تعامله مع ابن شقيقه المصاب «يونس»، ومع «سلمى»، حيث يخلق لحظات دافئة وسط الركام، يخفف بها وطأة الخوف. هذا التوازن بين القسوة والحنان هو ما يمنح الأداء ثراءه ويؤكد براعة إياد في بناء شخصية متعددة الأبعاد والتماهي معها. وقد انعكس هذا التماهي أيضًا في الكيمياء الفنية الواضحة بينه وبين منة شلبي، إذ تحولت علاقتهما على الشاشة إلى تجسيد حي للتلاحم الإنساني والشعبي بين مصر وفلسطين. وقد شهد العمل حضوراً قويا للنجمة منة شلبي، الطبيبة المصرية التي تركت حياتها المستقرة لتنضم لقافلة إغاثة طبية مصرية متجهة نحو جحيم الحصار. قدمت أداءً اتسم بالنضج الفني العالي، مركزة على التعبيرات الصامتة ولغة العيون لنقل حجم الصدمة الإنسانية التي واجهتها فور دخولها المستشفى وبدء تعاملها مع تدفق المصابين. أبدعت منة وتحولت إلى طبيبة حقيقية، تحاكي في أدائها تلك النماذج التي زارت غزة فعلياً وشاهدت ما يفوق الخيال. نظرات الدهشة والصدمة المكتومة في عينيها تماثل بدقة تلك النظرات التي وصفها الأطباء الفلسطينيون في عيون المتطوعين فور دخولهم المستشفيات تحت القصف. ابتعد أداؤها عن الدموع المفتعلة أو الصراخ الزائد؛ فنحن أمام وجه يتقلب من الترقب إلى الانهيار في ثوانٍ معدودة من دون رفع الصوت، مما يعزز المصداقية. أما الفنان الفلسطيني كامل الباشا فجسد بصدق شخصية «العم إبراهيم»، الذي يعاني من الزهايمر أو النسيان الجزئي، إبراهيم يمثل الذاكرة الوطنية التي تأبى الانكسار؛ فبينما يغيب وعيه عن تفاصيل يومه وأسماء أبنائه، تظل إحداثيات أرضه وتفاصيل بيته محفورة في وجدانه بقوة مذهلة؛ فهو يرفض التخلي عن داره متمسكاً بالبقاء وسط الركام ورافضاً كل محاولات الاقتلاع والنزوح، مؤكداً أن الأرض تسكن الروح والجينات والوجدان قبل العقل. اعتمد في أدائه على النظرة الثابتة واللحية البيضاء والتجاعيد التي تحكي سنين الثبات. مشهد وقوفه أعزل أمام العدو (مع سلاح موجه نحوه) يلخص عزة نفس لا تنكسر، مما جعله شهادة حية على رفض الاستسلام لأكثر من 80 سنة.
تارا عبود في دور كارما رسمت ملامح الوجع في الضفة، عبر أداؤها عن البراءة المكسورة: خوف، بكاء، ولكن مع إصرار طفولي على البقاء. تطورها من شابة خائفة إلى المساعدة في تهريب أحد المقاومين يظهر الصمود الذي يحمله الشباب، وهو ما تجلى في مشهد التحقيق معها. أما آدم بكري، فقد نجح في خطف الأنظار بدور الصحافي مجد والمراسل الذي ينقل الحقيقة للعالم، وأعاد مشهد استشهاده للأذهان وقائع استشهاد كثير من الصحافيين مثل صالح جعفراوي وأنس وعشرات الصحافيين. يصارع مجد بين الأمل واليأس، وأداؤه يجمع الغضب الشبابي بالطيبة. وظهر عصام السقا في دور السائق سمير الذي واجه تعنت المستوطنين عند المعبر برسالة رمزية قوية عبر استخدام «الكلاكس»، موجهاً صفعة معنوية للإعلام العبري ومجسداً غضب عمال الإغاثة المصريين وتضحياتهم في سبيل إيصال المساعدات والأجهزة الطبية الحيوية. بالإضافة إلى محمد يوسف/أوزو وسارة يوسف، وديانا رحمة، ويزن عيد، وكيرا يغنم، ومحمد جمال عيد وروان الغابة الذين أضافوا تنوعاً خدم الحكاية وجعل المجتمع الفلسطيني يبدو حياً، مؤكدين أن الفلسطينيين غاضبون من الظلم لكنهم متمسكون بالحياة والأرض.

الإخراج والرؤية البصرية
والعناصر الفنية

نجح بيتر ميمي في خلق واقعية مذهلة، معتمدا على بناء ديكورات كاملة تحاكي أحياء غزة المدمرة ومستشفياتها مثل المعمداني والشفاء، ما منح العمل هوية بصرية متفردة.. وساهم مدير التصوير حسين عسر في تعزيز هذه الهوية البصرية عبر كادرات تعتمد الإضاءة الخافتة والألوان الشاحبة، مستلهماً مصادر النور من الواقع المرير مثل كشافات «الليد» وألواح الطاقة الشمسية لتعكس حالة انقطاع الكهرباء، الديكورات الضخمة أيضا لعبت دورا كبيرا بإشراف المهندس علي حسام وتنفيذ سيد وصفي في مدينة الإنتاج الإعلامي والحزام الأخضر، محاكية الواقع بدقة متناهية لنقل إحساس الاختناق والضيق الوجودي. ولعب المونتير أحمد حمدي دوراً جوهرياً في صياغة الإيقاع الدرامي المتوتر. واكتملت اللوحة بالموسيقى التصويرية للموسيقار التونسي أمين بوحافة، التي مزجت بين الآلات الوترية الحزينة وأصوات القصف الواقعي وصوت الطائرات المسيرة لتضع المتلقي في قلب الحدث، كما اعتمد صناع العمل تقنيات متطورة في مجال المؤثرات البصرية والماكياج، حيث نفذوا جروحاً وإصابات تحاكي الواقع بدقة متناهية، ما جعل المسلسل يبدو كأنه صُور في قلب غزة المحاصرة. واهتم مصممو الملابس وتفاصيل الغرافيك بإظهار حالة الاستنزاف اليومي. لينتهي المسلسل بحلقة أخيرة توازن بين الخسارة والألم والأمل، في تأكيد على أن الفن يمتلك القدرة على تخليد التضحيات وتحقيق العدالة الرمزية للضحايا، وان الذاكرة الفلسطينية عصية على المحو، وأصحاب الأرض هم الباقون.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *