شيعة لبنان في سوريا: حسن الوفادة حدّ أخلاقي


ثمة سيدة لبنانية، شيعية، اشتهرت على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها تفاخرت ذات يوم، صوتاً وصورة، بأن ابنها (المقاتل في صفوف «حزب الله» داخل سوريا، نصرة لنظام بشار الأسد، والقتيل لاحقاً في الزبداني) قتل 17 سورياً. فهل يصحّ، من باب الحساب والثأر والعقاب، ردّها على أعقابها إذا التجأت إلى سوريا، نحو القصير مثلاً أو مناطق القلمون أو حتى البقعة ذاتها التي شهدت إجهاز الابن على السوريين الضحايا أولئك؟
الإجابة، في يقين هذه السطور، هي أنه لا يصحّ إلا استقبالها بصدور رحبة، وإحسان وفادتها، وكفكفة دموعها، وتضميد جراحها المادية والمعنوية؛ لأسباب وطنية سورية، وأخلاقية إنسانية، بين أشقاء في الشقاء وأياً كانت مباذل السياسة الرخيصة ماضياً وحاضراً. وليس هذا لأنّ السيدة لا تتحمل قسطاً من المسؤولية عن إذكاء شحن مذهبي، أو التزام بـ«تكليف شرعي» صدر عن قيادات «حزب الله»، إذْ كلّ هذا وسواه قد يكون وارداً في قليل أو كثير؛ بل، في الجوهر ربما، لأنّ السيدة وابنها ليسا خارج معادلة التنوّع في صفة الضحية، طبقاً لمنعرجات صدام الولاءات هنا وهناك، خاصة تلك العابرة والطيّارة والمؤقتة.
ثمة، إلى هذا، حال تعيشه حاضنة «حزب الله» اليوم، متحوّلة جوهرياً هنا أيضاً: لجهة اعتماد دولة الاحتلال الإسرائيلي جريمة حرب موصوفة عمادها التهديد بتشريد أكثر من مليون آدمي لبناني من قرى الجنوب وضاحية بيروت، هم جموع أنصار الحزب وحشوده. وهذا مقابل عجز شبه تامّ عن ملاقاة هذه الكوارث حتى في الحدود الدنيا، سواء من جانب الدولة اللبنانية أوّلاَ، أو أجهزة الحزب ذاتها التي انقطعت عنها صنابير «المال الطاهر» الإيراني، ولم يعد «القرض الحسن» قادراً على استضافة السيدة اللبنانية المتفاخرة بابنها؛ الذي قاتل في سوريا بدفع من حسن نصر الله وتصريحاته النارية الشهيرة (كيف تُنسى أقواله: «إذا احتاجت المعركة أن أذهب أنا وكلّ حزب الله إلى سوريا، سنذهب إلى سوريا»، والهياج الهستيري الذي قوبل به من جمهوره المنصت في احتشاد عيتا الشعب، صيف 2013؟).
حال حاضنة الحزب الراهنة لا تنفصل، أيضاً، عن الفوارق الشاسعة في الشخصية القيادية بين نصر الله، «السيّد» في إهاب قائد عقائدي رفيع الكاريزما، محنك سياسياً وتكتيكياً وخطابياً؛ وبين نعيم قاسم، رجل الظلّ الذي تولى القيادة من باب التزكية، وتعجز بلاغته عن التمييز بين وطيس سياسي محتدم محلياً وإقليمياً ودولياً ومعركة كربلائية أقرب إلى الهلوسة اللفظية منها إلى أيّ مفهوم معاصر ملموس. فكيف إذا ضُخّت في قلب هذه الفوارق حقائق ما تشهده إيران اليوم من حرب أمريكية ــ إسرائيلية وحشية وهمجية، أجهزت منذ ساعاتها الأولى على المرشد الأعلى والوليّ الفقيه نفسه!
ولقد مضى وانقضى ذلك الزمن الذي شهد تصريحات أخرى من نصر الله، تقول: «نحن حزب الله. الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري»؛ ومشروع الحزب هو «أن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان، ونائبه بالحقّ الوليّ الفقيه الإمام الخميني».
لكنّ هذه الحاضنة، كما تمثّل بعضَ شرائحها السيدةُ اللبنانية أمّ المقاتل سفاح الـ17 سورياً، ليست بالضرورة اختزال خيارات نصر الله أو قاسم أو أيّ من قيادات الحزب السابقة واللاحقة والراهنة؛ فهي ضحية، في مقام أوّل يستتبع مقامات أخرى لا يغيب عنها انقياد عاطفي ومذهبي، أو أداء لفرائض تكليف شرعي غائم وغامض وملتبس، أو حتى إحساس عفوي تبسيطي بوفاء لفكرة المقاومة…
لا ذنب لها، إذن، وفي الأصل ما من جريرة فعلية أو افتراضية تبرر إغلاق أبواب سوريا في وجهها؛ وحسن وفادتها، استطراداً، حدّ أدنى أخلاقي لا يقبل قسمة ثأرية أو تجزئة عقابية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *