شغف القراءة والتقييم


منذ سنوات كان أحد المرضى، وكان تجاوز الستين في ذلك الوقت، ويحمل في جسده النحيل عددا لا بأس به من الأمراض المزمنة، مثل ضغط الدم، ومرض السكر، وزيادة الدهون، والتهاب الجيوب الأنفية، وخللا في وظائف الكلى، يزورنا باستمرار، إما للتزود من أدويته حين تقترب من انتهائها عنده، وإما للمتابعة الروتينية، وربما تغيير علاج أو زيادة، أو حذف علاج آخر، أو حتى استشارة ودية للاطمئنان.
هذا الرجل لم يكن مريضا عاديا، كان شغوفا بالقراءة، وكنت أراه في صالات الانتظار، يجلس مسترخيا، يقرأ كتابا باستغراق شديد، ولا ينهض إلا حين يأتي دوره لمقابلة الطبيب/ وقد تملكني الفضول أن أعرف نوع قراءاته، ووجدتها في كل شيء يمكن أن يخطر على البال، كان يقرأ القصص، والشعر والنقد الأدبي، والفلسفة والتاريخ، وحتى نظريات الأبراج وحظك اليوم، ويمكن في أوقات استراحة من القراءة أن يحل الكلمات المتقاطعة، ويبحث عن الكلمة الضائعة، وكانت مسابقة روتينية للتسلية، تجدها في الصحف والمجلات.
ولأنني من الذين أحبوا القراءة أيضا، نشأت عليها بحكم قانون والدي الذي تحدثت عنه من قبل، بإلزامنا بقراءة كتاب كل أسبوع، تعمقت صداقتي بالرجل. كنت أتابعه مريضا وقارئا في الوقت نفسه، وأهداني من مكتبته عددا من الكتب في الدين والفلسفة، والأدب، قرأت بعضها، ونسيت البعض الآخر تائها وسط كتبي. وحين رحل بعد ذلك نتيجة ازدياد معاناته، افتقدت وجوده المميز في صالات الانتظار، وصوته الهادئ الرزين، وشكواه الصحية التي كان يحكيها وكأنه يقرأ شعرا.
منذ أيام كنت أنبش مكتبتي التي تحوي عناوين لا يمكن حصرها، وكونتها على مر السنين، بحثا عن كتاب تاريخي، أود الرجوع إليه في موضوع إبداعي، وعثرت على مجموعة قصصية قديمة، بتوقيع الكاتب الأمريكي جاك لندن، وتذكرت أنها من هدايا ذلك القارئ الشغوف. لكني لم أتذكر أنني قرأتها، ولا أذكر إن كنت قرأت لجاك لندن من قبل أم لا؟ وهو كاتب مهم، ولد في القرن التاسع عشر، ومات في أوائل القرن العشرين، وله تجربة حياتية متنوعة، وعددا من الروايات والقصص.
اسم المجموعة «تحت سماء الجليد»، وهي تكاد تكون بقصصها كلها ميدانا للحياة الوعرة في الأماكن الجليدية، وكيف يكافح الإنسان ليعيش هناك، عن أهمية أن تكون محاربا وصيادا، وشريرا أيضا في الدفاع عن بيئتك القاحلة، وفي غزو جيرانك من القبائل الأخرى، والاستيلاء على حصصها من اللحم والطحين والماء إن وجد، وهكذا الحياة.
القصص ليست كلها ممتعة، أو جاذبة للقراءة، لكنها بالضبط قصص اليوم مع فارق أكثر من قرن. الناس تقضي وقتها في التجهز ليصبحوا أشرارا مستقبليين، المحاربون، يبدأون انشغالهم بالحرب وهم رضعا في المهد، وينمو معهم الانشغال، ليكبروا غزاة، يسافرون ويغزون ويعودون بالغنائم. النساء في الغالب سبايا، أو محظيات يتنقلن من مجتمع لمجتمع بعادية شديدة، ويأتي دور الرجل الأبيض، أو المستعمر الذي يغزو تلك الجهات مزودا بالسلاح الناري، ويسيطر على منابع الرزق، ويصبح بؤرة جذب للشباب المحليين الذين ينبهرون به، ويندمجون معه، ويتعلمون لغته  التي جاء بها، وبعضهم يعمل معه في وظائف هامشية، لكنها تشكل نقلة نوعية في حياته.
كما قلت، إن المجموعة كلاسيكية، ورتيبة جدا، وكل قصة تحكي موقفا أو تتابع شخصية، مع وجود بيئة قاسية لم تتغير أبدا، وبالطبع أراد الكاتب أن تكون وحدة واحدة، للتوثيق لمجتمع ما، هو مجتمع حياة البرد والجليد، ولا شيء آخر.
بعد انتهائي من القراءة، ذهبت إلى موقع القراءة المعروف «غود زيدز»، لأرى ماذا يقول القراء عن هذه المجموعة، وكانت دهشتي شديدة حين وجدت تقييما عاليا جدا، من كل القراء الذين أدلوا بدلوهم تقريبا. ووجود كلمات مثل: رائع، ومدهش، تتردد كثيرا، بينما أعمال حديثة، وقوية وفيها كثير من الشجن والجمال الحقيقي أمثال روايات ماركيز، ويوكيو ميشيما، ونجيب محفوظ، لم تحظ بهذا التقييم، تلك أعمال قيمها البعض جيدا، وقلل البعض من شأنها، وهكذا.
ما تبادر إلى ذهني أو ما أيقنت أنه حقيقي فعلا، إن معظم القراء، لا يحبون أن ينقلهم أحد من جلساتهم الهادئة، برفقة مفردات يألفونها، وصفحات لا تزعج أذهانهم، وتجرهم إلى التأمل والتفكير، إلى ما يظنونه ومتاهات سردية، مزعجة، أي لا يألفون التجريب سريعا وربما يحتاجون لزمن حتى يألفوه. وبالرغم  من أن أعمال ماركيز ويوسا وكونديرا وغيرهم من  الكتاب الكبار الراحلين، أصبحت الآن كلاسيكية، وسط زخم الكتابة الجديدة، واللعب بالتاريخ والجغرافيا، واللغة، إلا أنها ما تزال حديثة في نظر الكثيرين، وستحتاج لذلك الزمن الذي ذكرته حتى يجمع الناس عليها، وتطالع معظم التعليقات عليها مزينة بكلمات مثل: رائع.. مدهش.
أخيرا أترحم على ذلك القارئ الشغوف، الذي لم أشاهد أحدا يحتل مكانه في صالات انتظار المستشفى، منذ أن رحل، ربما لأن أبناء جيله الذين تربوا وسط القراءة من دون وجود وسائل ترفيه أخرى، قد تواوا أيضا، أو أن القراءة اتخذت منحى آخر.
وأولئك الذين يعبثون بهواتفهم النقالة في كل مكان، ربما يقرأون عليها من تلك التطبيقات الجديدة، التي تتيح لك القراءة من الهاتف، وقد جربت تلك الطريقة، ولم تعجبني، فأنا كلاسيكي أيضا، من ناحية القراءة، وما زلت أؤمن بوجود كتاب ورقي، ليصل بالمتعة إلى ذروتها.
*كاتب من السودان



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *