الجزائر ـ “القدس العربي”:
استعادت جمعية لجزائريين ناشطة بفرنسا، مقتنيات تعود لدولة الأمير عبد القادر الجزائري، بعد شرائها في المزاد العلني، وذلك في تظاهرة شهدت حضور المؤرخ الفرنسي المختص في الجزائر بنجامين ستورا. ويعد ملف الكنوز التاريخية التي نهبها الاستعمار الفرنسي، أحد أبرز ما تطالب الدولة الجزائرية باستعادته.
وبمدينة ستان الفرنسية، عرضت الجمعية الفرنسية-الجزائرية للتجديد (FFA) مقتنيات تاريخية متمثلة في سيوف وأسلحة تعود لرفاق الأمير عبد القادر خلال إفطار رمضاني نظمته بحضور منتخبين فرنسيين وجزائريين وشخصيات دبلوماسية وفاعلين في المجتمع المدني وأصدقاء الجزائر، في خطوة اعتبرتها الجمعية استعادة لجزء من الذاكرة والتراث المرتبط بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.
وتعود قصة استعادة هذه المقتنيات إلى مبادرة قامت بها المواطنة الفرنسية-الجزائرية كلثوم درغال التي حرصت على اقتنائها خلال عدة مزادات علنية أقيمت في فرنسا، قبل أن تقوم بتسليمها للجمعية الفرنسية-الجزائرية للتجديد. وقد تم تعيين درغال سفيرة للجمعية تقديراً لالتزامها ومساهمتها في هذا المسعى المرتبط بالحفاظ على الذاكرة والتراث.
وجمع هذا الحدث منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية وآخرين فرنسيين، إلى جانب سفراء وشخصيات من المجتمع المدني وأعضاء الجمعية. وتميز اللقاء بحضور المؤرخ المتخصص في تاريخ الجزائر بنجامين ستورا، الذي كان ضيف الشرف في المناسبة وتسلم لقب “سفير السلام” تقديراً لالتزامه وأعماله البحثية حول تاريخ الجزائر.
وفي كلمتها خلال المناسبة، شددت رئيسة الجمعية كريمة خاتم، إلى جانب الأعضاء الشرفيين عز الدين طيبي وعبد الله بنوارت وأوليفييه ساريبيروس، وهم رؤساء بلديات، إضافة إلى السيناتور أحمد لعويدج، على أهمية تحويل الإرث التاريخي إلى مسؤولية مواطِنة تسهم في بناء علاقة متينة ومستقرة بين الجزائر وفرنسا.
وأكد المتدخلون أن البلدين يرتبطان بتاريخ مؤلم لكنه غير قابل للفصل، معتبرين أن هذا التاريخ يمكن أن يشكل قاعدة لبناء علاقة جديدة أكثر هدوءاً وتوازناً وموجّهة نحو المستقبل. كما شددوا على أن الحفاظ على الذاكرة يعد واجباً أخلاقياً وواجباً تجاه الأجيال، وأنه تعبير عن الوفاء لأولئك الذين عانوا في الماضي.
وحضر اللقاء أيضاً سفير سيشل جاك بيلي والنائب الفرنسي كارلوس مارتنس بيلونغو، وهما من أصدقاء الجزائر، إضافة إلى عدد من الفاعلين في المجالين الجمعوي والفني، من بينهم محمد كاكي المعروف بأعماله المسرحية التي تتناول الذاكرة التاريخية، خاصة أحداث 17 أكتوبر 1961 ومجازر 8 ماي 1945.
وفي تدوينة له، أوضح المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ الجزائر بنجامين ستورا أن هذه الأسلحة، التي تعود إلى الأمير عبد القادر، تم اقتناؤها من قبل الجمعية الفرنسية-الجزائرية للتجديد قبل عرضها خلال المناسبة، مؤكداً أنه لا يملك معلومات حول قيمة المبلغ الذي دُفع مقابل اقتنائها. كما لفت إلى أن هذه المقتنيات ستُعاد قريباً إلى الجزائر، في إطار مسار استرجاع هذا الجزء من التراث المرتبط بتاريخ الأمير عبد القادر.
وكان البرلمان الفرنسي قد صادق نهاية كانون الثاني/جانفي الماضي على مشروع قانون يفتح المجال أمام استرجاع الممتلكات الثقافية التي وصلت إلى فرنسا نتيجة عمليات استيلاء غير مشروعة، خاصة خلال الحقبة الاستعمارية، في خطوة تشريعية قد تمهد لإعادة عدد من المقتنيات الجزائرية ذات الرمزية التاريخية الكبيرة.
ويقضي المشروع، الذي اعتمده مجلس الشيوخ في قراءة أولى ضمن إجراء تشريعي معجل قبل إحالته إلى الجمعية الوطنية، بوضع إطار قانوني دائم يسمح بإخراج بعض الممتلكات الثقافية من الملك العمومي الفرنسي وإعادتها إلى دولها الأصلية إذا ثبت أو رجّحت الأدلة أنها انتُزعت بطرق غير مشروعة، مثل النهب أو المصادرة أو الإكراه خلال الفترات الاستعمارية أو النزاعات المسلحة.
ويستهدف القانون تعديل قانون التراث الفرنسي عبر استحداث آلية استثنائية تتيح إعادة هذه المقتنيات عندما تمثل عناصر أساسية من التراث الوطني للدول المطالبة بها، مع تحديد شروط دقيقة لقبول طلبات الاسترجاع، من بينها أن يكون الممتلك قد نشأ في أراضي الدولة المطالبة وأن يكون قد استُولي عليه بين سنتي 1815 و1972.
ويفتح هذا الإطار القانوني الباب أمام الجزائر للمطالبة باسترجاع عدد من القطع التاريخية البارزة التي تحتفظ بها فرنسا منذ الحقبة الاستعمارية، وفي مقدمتها مدفع “بابا مرزوق”، أحد أشهر رموز القوة العسكرية للجزائر في العهد العثماني، والذي استولت عليه القوات الفرنسية بعد احتلال الجزائر سنة 1830 ونقلته إلى ميناء بريست حيث لا يزال معروضا إلى اليوم.
كما يشمل الملف الجزائري متعلقات شخصية للأمير عبد القادر، قائد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، مثل سيفه وبرنوسه وعدد من مقتنياته الخاصة، إضافة إلى أسلحة وأعلام ووثائق تاريخية تعود إلى عاصمته “الزمالة”، وهي قطع موزعة حاليا بين متحف الجيش في باريس ومتاحف ومؤسسات ثقافية أخرى.
وتطالب الجزائر أيضا باستكمال استرجاع جماجم ورفات قادة المقاومة الشعبية التي نقلت إلى فرنسا خلال القرن التاسع عشر وحُفظ جزء منها في متحف الإنسان بباريس، رغم إعادة دفعة منها سنة 2020، فضلا عن مطالب باسترجاع وثائق ومخطوطات وأرشيفات تاريخية تعتبرها الجزائر جزءا من ذاكرتها الوطنية.