سينما الموقف وكشف تناقضات الديمقراطية الغربية


القاهرة ـ «القدس العربي»: تؤدي السينما التسجيلية في الوقت الحالي دوراً جوهرياً كأداة لتفكيك الواقع ومواجهة الروايات المضللة التي حاولت القوى المهيمنة احتكارها زمناً طويلاً. ومع تزايد الصراعات الأخلاقية التي تهز أركان النظام الدولي، تظهر الحاجة إلى أعمال فنية تخرج عن الرصد التقليدي لتعمق النظر في جوهر التحولات القيمية والسياسية. وفي هذا الإطار، يبرز فيلم «لأنها فلسطين» للمخرجة والمنتجة دينا أبو زيد، ليقدم قراءة سينمائية وفكرية دقيقة تمنح المشاهد فرصة معاينة التغيرات الجذرية في الضمير الإنساني خلال القرن الحادي والعشرين، موضحا كيف صارت القضية الفلسطينية بوصلة أخلاقية تُقاس بها نزاهة المبادئ حول العالم.

الفن كفعل معرفي مقاوم

يعتمد الفيلم رؤية تجعل الفن وسيلة لحماية الحقيقة من محاولات التزييف المنظم للذاكرة الجماعية، مبتعداً عن القشور ليختار الغوص في أعماق التكوينات النفسية والسياسية لما يمكن أن نطلق عليه مثلث «التضامن والقمع والوعي». المخرجة دينا أبو زيد، صاغت لغة تعبيرية تدمج الرصانة البحثية بالحس الإنساني، محولة العمل الفني إلى أداة نضالية استطاعت وضع المشاهد في قلب الحراك الطلابي في الولايات المتحدة الأمريكية المناهض لحرب الإبادة في غزة.
ومن خلال التركيز على قصص طالبات خضن تجربة المواجهة المباشرة، يبرز الفيلم الحركة الطلابية كجبهة أمامية للاشتباك مع منظومات الإسكات، حيث غدت الحكايات انعكاسا لصراع أوسع بين قيم التحرر وأدوات القهر الاستعمارية.
سقوط الأقنعة
وانكشاف القمع الأكاديمي

هذا الاشتباك المعرفي يقودنا مباشرة إلى رصد الاستجابة العنيفة للمؤسسات الجامعية والأمنية الأمريكية تجاه الطلاب المعتصمين، فالمشاهد التي تظهر دخول قوات الشرطة إلى جامعات عريقة مثل «كولومبيا» و«نيويورك»، تمثل إعلاناً صريحاً عن نهاية الشعارات الليبرالية التي طالما نادت بحرية التعبير. كشف الفيلم أن «الأمان الأكاديمي» في هذه الحصون صار مشروطاً بالسكوت عن الجرائم، وأن ساحات العلم غدت ثكنات عسكرية فور مساس الحوار بالمصالح السياسية الداعمة للاحتلال. هذا التناقض الصارخ يوضح أن الديمقراطية في تلك المجتمعات تقف عاجزة أمام سطوة المانحين، وبذلك يغدو الفيلم سجلاً تاريخياً يوثق الانتهاكات ويؤكد خضوع الجامعات لإملاءات القوى التي تتربح من المجمع الصناعي العسكري.

ضريبة الموقف:
انتهاكات تتجاوز أسوار الجامعة

تتجسد قسوة هذه التبعية المؤسسية في سلسلة الانتهاكات الممنهجة التي وثقها العمل ضد الطلاب، حيث تحولت فضاءات التعلم إلى مسارح للقمع الجسدي والمعنوي. لم تكتفِ الإدارات الجامعية بفتح الأبواب لقوات الأمن لفض المخيمات بالقوة المفرطة واستخدام أدوات الترهيب، لكنها امتدت لتطال البنية المعيشية والأكاديمية للمتظاهرين؛ فشملت قرارات تعسفية بالفصل وصولاً إلى الحظر من دخول المكتبات وحضور الامتحانات النهائية. كما تعرض النشطاء لحملات ملاحقة رقمية منظمة تهدف إلى وضع أسمائهم في قوائم سوداء تمنع توظيفهم مستقبلاً، بالتوازي مع تهديد الطلاب الأجانب بإلغاء تأشيراتهم وترحيلهم القسري. هذه الإجراءات العقابية لم تهدف فقط لفض اعتصام، بل سعت إلى كسر إرادة جيل كامل وجعل ثمن التضامن مع فلسطين كلفة وجودية تمس المستقبل الشخصي والمهني، مما عرّى الطبيعة القمعية لمنظومات تدعي حماية الفكر الحر بينما تمارس أقصى درجات التضييق على الضمير الحي.

امتداد النضال: من فيتنام إلى غزة

هذا الثمن الباهظ الذي يدفعه طلاب اليوم يستحضر مقارنة تاريخية حتمية مع انتفاضة الجامعات ضد حرب فيتنام عام 1968. ورغم تشابه المشاهد في قمع الطلاب واحتلال الميادين الأكاديمية، مع وجود تحول جوهري في طبيعة الوعي؛ فحراك فيتنام انطلق أساساً من رفض الطلاب إرسالهم للموت في حرب خارجية، بينما يوضح الفيلم أن حراك فلسطين يرتكز على «المسؤولية الأخلاقية» المطلقة ورفض التواطؤ في إبادة شعب آخر. هذا الانتقال من «المصلحة الذاتية» إلى «الوعي الكوني» يمنح الحراك الحالي تفردا تاريخيا، حيث أصبح الطالب الأمريكي يرى في كفاحه من أجل غزة معركة لاستعادة إنسانيته المختطفة من قبل نظام يدعم الفصل العنصري، وهو ما يفسر حدة الانتهاكات التي تهدف لإخماد هذا الوعي العابر للحدود.

أصوات يهودية تحطم احتكار الرواية

هذا الوعي الكوني يكتمل بتقديم ثلاث شخصيات يهودية يعلنّ رفضهن المطلق للممارسات الصهيونية، وهو ما يمثل رداً قاطعاً على محاولات حصر القضية في إطار ديني أو عرقي. وجود اليهود داخل الحراك التضامني يفند الادعاءات التي تستخدم تهمة «معاداة السامية» كدرع لحماية السياسات القمعية، ويكتسب هذا الحضور ثقلاً أخلاقياً كبيراً بوجود ناجية من أهوال الهولوكوست تختار بوعي تشبيه ما يقع في غزة بما عاينته من فظائع في الماضي. هذا الموقف يضع الضمير العالمي أمام مرآة كاشفة، ويؤكد أن القيم الإنسانية وحدة واحدة، وأن الألم البشري ينعدم فيه التمييز أمام الظلم المنظم، مبيناً أن العدالة تظل المطلب الأسمى الذي يجمع الأحرار مهما اختلفت مشاربهم.

فلسطين كمركزية عالمية للعدالة

بناءً على هذه الشهادات، يعالج الفيلم عودة القضية الفلسطينية كأهم قضية تحرر وطني، مدفوعة بوعي جيل جديد يرفض السرديات الجاهزة في الإعلام التقليدي. إن اتساع الاحتجاجات لتشمل مئات الجامعات يبرهن على فشل محاولات تغييب الحق الفلسطيني طوال العقود الماضية، يعود هذا الزخم إلى تدفق المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي حطمت احتكار الرواية الصهيونية. ومع تحول معاناة الإنسان في غزة إلى حدث يشهده طالب نيويورك فور وقوعه، تخرج القضية من إطارها الجغرافي لتصبح محوراً لحركة عدالة كونية شاملة، يربط فيها الطلاب بين كفاحهم من أجل فلسطين ومعاركهم المحلية ضد التمييز والتهميش.

جماليات المشرط وتشخيص أزمة النظام الدولي

تعتمد دينا أبو زيد أسلوب السينما المباشرة لتعزيز هذه الرؤية، فتتبع الكاميرا شخوص العمل في لحظاتهم الإنسانية، مما يمنح العمل مصداقية بعيدة عن المبالغات. يؤدي المونتاج دور المشرط الذي يفضح التناقضات؛ فنرى لوحة ترفع شعار الحرية وحقوق الإنسان، وفي لقطة موازية نرى الطالب يقتاد بالأصفاد، هذا التوظيف الذكي يذهب بالفيلم بعيداً ليشخص أزمة النظام الدولي، حيث أضحت فلسطين المختبر الذي يمتحن صدق القوى الكبرى في ادعاءاتها حول حقوق الإنسان. يمثل الحراك الطلابي صعوداً للفاعلين غير الرسميين الذين يمارسون دبلوماسية شعبية تؤثر في مراكز القرار، مؤكدين أن الضغط الاقتصادي وسحب الاستثمارات هما اللغة التي تفهمها المؤسسات الرأسمالية الداعمة للاحتلال. بهذه الرؤية وهذا التناول يمثل الفيلم دعوة مفتوحة لكل إنسان حر للانحياز لقيم الحق والكرامة، مؤكداً أن التاريخ يكتبه الصادقون الذين امتلكوا جرأة التصدي للظلم رغم التكاليف الباهظة. وتنجح دينا أبو زيد في التأكيد على أن فلسطين تظل المبتدأ والخبر في كل حديث عن العدالة، وأن سرد الحقيقة هو الكفيل بهدم جدران التمييز الأيديولوجي، لتبقى الحقيقة هي المنتصر الأخير في معركة الوجود والإنسانية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *