سيل من الكتابات والشهادات عن مرحلته.. رحيل الرئيس الأسبق زروال يعيد استحضار فترة التسعينيات الأليمة في الجزائر


الجزائر ـ “القدس العربي”:

أثار إعلان وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال سيلا من الكتابات في الأوساط السياسية والإعلامية؛ فقد تسابق كثيرون إلى استحضار محطات من مساره، كل من زاويته، بين الإشادة بزهده وابتعاده عن السلطة، وبين الدعوة إلى قراءة متوازنة لتجربته بعيدا عن العاطفة أو التبسيط.

في مقدمة هذه المواقف، قدّم الوزير والسفير السابق عبد العزيز رحابي شهادة مطولة في حق الراحل، رسم فيها ملامح رجل دولة، قائلا إنه كان “الوطني الذي لا يقبل المساومة”، وصاحب رؤية قائمة على الالتزام الصادق والاستقامة الأخلاقية. وتوقف رحابي عند قرار زروال الترشح للانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1995، في ظرف وصفه بالاستثنائي، حيث كانت البلاد تواجه أزمة أمنية وسياسية خانقة، في وقت كان فيه كثيرون يبتعدون عن تحمل المسؤولية، معتبرا أن تلك الخطوة جاءت استجابة لنداء الواجب الوطني.

ورأى سفير الجزائر السابق في إسبانيا أن تنظيم الانتخابات في تلك المرحلة شكّل محطة رئيسية في مسار استعادة الاستقرار، رغم الضغوط الخارجية وتصاعد العنف، مبرزا أن زروال نجح لاحقا، من خلال دستور 1996، في إدراج تحديد العهدات الرئاسية، في سابقة اعتبرها خطوة نحو ترسيخ التداول على السلطة والحد من ممارسات الحكم المطلق. كما استعاد موقفه خلال الحراك الشعبي سنة 2019، مؤكدا أنه رفض عرضا لقيادة مرحلة انتقالية، معتبرا أن ذلك العرض كان يهدف إلى منح مهلة سياسية للنظام القائم آنذاك، وأن بيانه في أبريل/ نيسان من السنة نفسها ساهم في ترجيح كفة الحل السياسي السلمي.

ومن خلال تجربته الشخصية، أشار رحابي الذي عمل تحت سلطة زروال في عدة مناصب، أنه ظل بعد تنحيه محافظا على نفس القناعات، بعيدا عن الأضواء، كما كان خلال فترة حكمه قريبا من المواطنين، منفتحا على المعارضة والنقابات والصحافة، التي كان يعتبرها سلطة مضادة ضرورية لتحقيق التوازن. كما تطرق إلى دعمه لإصلاحات في قطاع الإعلام، من بينها مشاريع قوانين تتعلق بالإشهار وسبر الآراء، وفتح المجال أمام التعددية الإعلامية.

من خلال تجربته الشخصية، أشار رحابي الذي عمل تحت سلطة زروال في عدة مناصب، أنه “ظل بعد تنحيه محافظا على نفس القناعات، بعيدا عن الأضواء، كما كان خلال فترة حكمه قريبا من المواطنين، منفتحا على المعارضة والنقابات والصحافة، التي كان يعتبرها سلطة مضادة ضرورية”

وإذا كان رحابي قد ركز على البعد السياسي والمؤسساتي في تجربة زروال، فإن مدير جريدة “الخبر” السابق علي جري تناول زاوية أخرى، مرتبطة بعلاقة الرجل بالإعلام، معتبرا أن فترة حكمه شهدت واحدة من أكثر مراحل الصحافة الجزائرية جرأة وحيوية، رغم الظروف الأمنية الصعبة. وأشار إلى أن الصحافة في تلك المرحلة لم تكن مجرد صدى للسلطة، بل مارست النقد وطرحت الأسئلة، وحافظت على حضورها داخل المجتمع، رغم المخاطر الكبيرة التي كانت تحيط بها.

وأوضح جري أن هذا الحضور لم يكن دون كلفة، حيث دفعت الصحافة خلال تلك السنوات ثمنا باهظا، لكنها استمرت في أداء دورها، في وقت كان فيه الصمت خيارا صعبا. وربط ذلك برؤية سياسية أوسع، اعتبر أنها سادت خلال عهد زروال، حيث لم يُنظر إلى حرية الصحافة كتهديد، بل كعامل توازن واستقرار، مشيرا إلى إجراءات تم اتخاذها آنذاك لتنظيم القطاع وتحريره، قبل أن تتراجع هذه الديناميكية لاحقا.

في المقابل هناك من استعاد الدور الذي لعبته صحف حينها ـ بتحريك من جناح عكسري وأمني نافذ في السلطة حينها ـ في دفع الرئيس زروال للاستقالة، عبر استهداف محيطه بحملات أخذت أبعادا شخصية حتى، وفي مقدمها مستشار الرئيس زروال و مدير المخابرات الجزائرية السابق الجنرال الراحل محمد بتشين.

ومن زاوية سياسية، عبّر جيلالي سفيان عن حزنه لرحيل زروال، مستحضرا لقاءاته به في منزله بباتنة، حيث قال إنه لمس فيه تواضعا ونزاهة وصدقا في الالتزام. وأكد أن الراحل ظل بعيدا عن مظاهر السلطة، متمسكا بقيم الانضباط والوفاء لقناعاته، معتبرا أن قراره الانسحاب من الحكم بعد استقرار الدولة يجسد تصورا خاصا للمسؤولية، يقوم على الخدمة ثم معرفة متى يحين وقت الرحيل.

بدوره، ركز رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، عثمان معزوز، على السياق العام الذي تولى فيه زروال الحكم، مبرزا أنه ارتبط بفترة اتسمت بالعنف والإرهاب والانقسامات السياسية العميقة، ما جعل قيادته للبلاد تتم في ظروف استثنائية. وأشار إلى أن تلك المرحلة، رغم صعوبتها، تظل محل نقاش وتقييم متباينين، وأن حصيلتها لا تزال موضوع تفكير في الذاكرة الجماعية.

وفي منحى يستحضر البعد الإنساني، قدّم الوزير السابق، ومستشار الرئيس الراحل هواري بومدين، محي الدين عميمور شهادة مطولة، استعاد فيها مواقف وصفها بالدالة على شخصية زروال، من بينها رفضه لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك في إطار غير علني، وتمسكه بما اعتبره كرامة الدولة، إلى جانب إطلاقه قانون الرحمة، الذي رأى فيه أساسا لما عرف لاحقا بالمصالحة الوطنية. كما روى تفاصيل لقاء شخصي جمعه به، أبرز فيه بساطة الرجل وحرصه على كسر الحواجز البروتوكولية، واهتمامه بالنشاط الثقافي والفكري.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *