قد يبدو الحديث عن سوريا بلغةٍ فلسفية، لدى البعض، أمراً غريباً أو بعيداً عن طبيعة الواقع السياسي الملموس الذي نعيشه اليوم. فالأحداث متسارعة، والملفات ثقيلة، والناس مشغولة بالأمن والمعيشة وإعادة البناء. لكن شيئاً من التبسيط يكشف أن المقاربة الفلسفية ليست ترفاً فكرياً بقدر كونها، أحياناً، زاوية نظرٍ إضافية قد تساعدنا على فهم أعمق لما نعيشه اليوم بوصفه تجربة جماعية غير عادية في تاريخ مجتمع خرج من حرب طويلة ويحاول أن يعيد بناء نفسه.
وتُظهر قراءةٌ فلسفيةٌ للواقع السوري الراهن أن أفكار الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر تتيح مدخلاً تفسيرياً لافتاً لفهم هذه اللحظة التاريخية. فهايدغر لم يكتب عن سوريا بالطبع، لكنه اشتغل على أسئلة إنسانية عامة تتعلق بكيف تعيش المجتمعات لحظات الخطر، وكيف تنتقل من النجاة إلى الاستقرار، ومن القلق إلى المعنى. وهي أسئلة تبدو، على نحوٍ ملحوظ، قريبةً من التجربة السورية بعد سنوات الحرب والتحول.
ونحن إذا نظرنا إلى التجربة السورية خلال سنوات الحرب، فإننا نجد مجتمعاً لم يكن يعيش حياةً طبيعية بالمعنى العميق للكلمة. صحيح أن الناس استمروا في العمل والزواج والدراسة، لكن نمط الوجود العام كان محكوماً بالخطر الدائم واللايقين والخوف. وهذا ما يسميه هايدغر نمطاً من “الوجود تحت التهديد”، حيث يصبح الهدف الأول للإنسان هو البقاء، وليس العيش بمعناه الكامل.
في هذا النوع من الظروف، لا “يسكن” الإنسان وطنه فعلاً، وإنما يقيم فيه مؤقتاً كأنه في محطة نجاة. فالسكن، في المعنى الهايدغري، لا يعني مجرد الإقامة الجغرافية، لأنه، في الحقيقة، الشعور بأن العالم قابل للعيش، وأن المستقبل ممكن، وأن الحياة ليست مؤجلة دائماً إلى ما بعد الخطر.
وما حدث في سوريا خلال السنة الأخيرة – بصرف النظر عن اختلاف القراءات السياسية- هو خروجٌ تدريجي من نمط النجاة الخالصة إلى طورٍ جديد لم يستقر بعد. فالبلاد لم تعد في حالة انهيار شامل، لكنها أيضاً لم تصل إلى استقرار كامل. وهنا يمكن فهم اللحظة السورية الراهنة بوصفها مرحلة انتقال بين وضعين: بين النجاة والسكن.
النجاة تعني أن الخطر الأكبر قد تراجع. أما السكن فيعني أن الناس بدأوا يشعرون بأن الدولة قابلة للحياة، وأن المجتمع يمكن أن يُعاد بناؤه، وأن المستقبل ليس مجرد أملٍ نظري. وهذا هو التحدي الحقيقي لأي مجتمع يخرج من حرب: ليس فقط إنهاء العنف، وإنما إعادة جعل العيش ممكناً.
هنا تطرح أفكار هايدغر سؤالاً مهماً: ماذا يحدث للمجتمعات بعد أن تنجو؟
يلفت الرجل نظرنا إلى أن النجاة قد تُخفي وهماً خطيراً يتمثل في الاعتقاد بأن تجاوز الخطر يعني أن الأمور عادت إلى طبيعتها تلقائياً. بينما الحقيقة أن النجاة ليست نهاية الأزمة، لأنها قد تكون أحياناً بداية مرحلة أصعب: مرحلة إعادة بناء المعنى.
وفي الحالة السورية، يظهر هذا بوضوح في التوتر القائم بين ثلاثة عناصر: ذاكرة الألم التي لم تهدأ بعد، ومشروع الدولة الذي يتشكل، وتوقعات المجتمع التي تتسارع. فكثير من السوريين يشعرون أن الخطر الوجودي تراجع، لكنهم لم يصلوا بعد إلى الشعور الكامل بالاستقرار. وهذا ما يجعل المزاج العام متذبذباً بين الأمل والقلق.
هذا هو التحدي الحقيقي لأي مجتمع يخرج من حرب: ليس فقط إنهاء العنف، وإنما إعادة جعل العيش ممكناً
ثمة أيضاً، في فلسفة هايدغر، فكرةٌ مهمة سماها “السقوط في اليومي”، أي أن المجتمعات قد تنشغل بعد الأزمات بالتفاصيل الإجرائية والإدارية، وتفقد السؤال الأعمق: ما معنى ما نفعله؟ وما نوع العالم الذي نبنيه؟ وهذا خطر معروف في كل الدول الخارجة من الحرب، حيث يتحول الاهتمام إلى إدارة الخدمات والبنية التحتية فقط، بينما تبقى الجروح الوجودية والاجتماعية بلا معالجة كافية.
ولهذا فإن التحدي السوري اليوم ليس تقنياً فقط، لأنه، في الحقيقة، وجودي أيضاً. بمعنى أنه ليس مجرد إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وإنما إعادة بناء شعور الانتماء والعدالة والمعنى. فالناس تحتاج إلى الأمن والوظائف، لكنها تحتاج، أيضاً، لتشعر بأن الدولة تمثلها، وأن المجتمع يعترف بآلامها، وأن المستقبل ليس نسخةً مكررة من الماضي.
في هذا السياق، لا تعود قضايا مثل العدالة، والاعتراف بالضحايا، وجبر الخواطر، وإعادة بناء الثقة، مسائل أخلاقية هامشية، وإنما شروطاً أساسية لما يسميه هايدغر “السكن في العالم”. أي أن يشعر الإنسان أن عالمه ليس عدائياً أو غريباً عنه، وأنه فضاءٌ يمكن أن يعيش فيه بكرامة واستقرار.
ومن زاوية أخرى، تساعدنا القراءة الفلسفية على فهم أن التوترات الحالية في سوريا ليست كلها علامات فشل، لأنها قد تكون سمات طبيعية لمرحلة انتقال عميقة. فالشعوب، مثل الأفراد، لا تعود إلى التوازن بعد الصدمات الكبرى دفعة واحدة.. إنها تمر بمرحلة طويلة بين النجاة والاستقرار، بين الخوف الذي مضى والطمأنينة التي لم تكتمل بعد.
لهذا يمكن القول إن سوريا اليوم تقف في عتبة تاريخية دقيقة: فقد خرجت من طور الخطر الوجودي، لكنها لم تدخل بعد طور السكن الكامل. وهي تحاول أن تتحول من مجتمعٍ كان همه البقاء، إلى مجتمعٍ يسعى إلى بناء عالمه واختياره.
وهكذا، فإن السؤال السوري اليوم يتجاوز الوقوف عند شكل الدولة أو كفاءة الإدارة، ويمسّ شيئاً أعمق بكثير: هل سيشعر السوري، بعد كل ما جرى، أن هذا العالم عاد قابلاً للسكن؟
لقد تعلّم السوريون طويلاً كيف ينجون.. لكنهم لم يستعيدوا بعد، بالكامل، القدرة على أن يعيشوا بلا خوفٍ كامن، وبلا ذاكرةٍ مثقلة، وبلا شعورٍ بأن الأرض تحت أقدامهم مؤقتة.
ومن هنا تبدو مهمة المرحلة الراهنة – للدولة والمجتمع معاً – مزدوجةً، وتتمثل في إعادة البناء، وإعادة الطمأنينة الوجودية: أن يصبح الوطن مرةً أخرى مكاناً يمكن أن يُعاش، لا مجرد مكانٍ تمّ النجاة فيه.
وإذا كان هايدغر يرى أن جوهر الإنسان هو أن يسكن العالم، فإن التحدي السوري الأعمق هو أن يتحول الوطن من فضاء نجاةٍ قاسية، إلى بيت.
بيتٍ لا يضطرُّ أهلَهُ إلى اختبار انتمائهم فيه كل يوم، ولا إلى تذكّر سقوطهم في الخطر كي يثبتوا أنهم نجوا.
وحين يشعر السوري، بهدوءٍ عميق، أن بلاده لم تعد مجرد مكانٍ نجا فيه، وإنما باتت مكاناً يسكنه.. فعندها فقط نكون قد انتقلنا حقاً، ليس فقط سياسياً، وإنما وجودياً أيضاً، من زمن النجاة.. إلى زمن السكن.
٭ كاتب سوري