خاص/المدى
مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع الأحمال على منظومة الطاقة، تعود أزمة الكهرباء في العراق إلى واجهة النقاش مجدداً، في ظل استمرار الانقطاعات رغم إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على هذا القطاع خلال السنوات الماضية.
أكد الخبير الاقتصادي محمد الكبيسي، خلال حديث لـ(المدى) أن أزمة الكهرباء في العراق لا ترتبط فقط بنقص الإنتاج، بل تعكس خللاً هيكلياً في إدارة قطاع الطاقة على المستويات المالية والإدارية والتخطيطية، مبيناً أن المشكلة تراكمت على مدى سنوات طويلة نتيجة غياب الخطط الإستراتيجية بعيدة المدى، وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية، فضلاً عن الاعتماد المستمر على الحلول المؤقتة بدلاً من تنفيذ مشاريع قادرة على تحقيق استقرار دائم في منظومة الطاقة.
وقال الكبيسي إن استمرار العجز في توفير الطاقة الكهربائية ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني، إذ يؤدي إلى ارتفاع كلف الإنتاج في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، كما يدفع المواطنين إلى الاعتماد بشكل كبير على المولدات الأهلية التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود وتفرض أعباء مالية إضافية على الأسر العراقية.
وأضاف أن معالجة هذه الأزمة تتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة تبدأ بإصلاح إدارة قطاع الكهرباء وتعزيز الشفافية في العقود والمشاريع، إلى جانب إعادة تقييم الخطط الاستثمارية في مجال الطاقة بما يضمن تنفيذ مشاريع إنتاجية حقيقية قادرة على تقليص الفجوة بين العرض والطلب.
وأشار الكبيسي إلى أن من بين الحلول المهمة أيضاً تطوير البنية التحتية لشبكات النقل والتوزيع، والعمل على استثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق بكميات كبيرة في الحقول النفطية، وهو مورد يمكن أن يسهم بشكل كبير في تشغيل محطات توليد الكهرباء وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كما شدد على أهمية التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، موضحاً أن العراق يمتلك مقومات طبيعية مناسبة لهذا النوع من المشاريع، وأن تنويع مصادر الطاقة يمكن أن يسهم في تعزيز استقرار منظومة الكهرباء وتقليل الضغوط على الشبكة الوطنية مستقبلاً.
من جانبه، أكد المختص في شؤون الطاقة أحمد عسكر، أن استمرار أزمة الكهرباء في العراق رغم إنفاق عشرات المليارات من الدولارات خلال السنوات الماضية يمثل إخفاقاً واضحاً في إدارة أحد أهم الملفات الخدمية في البلاد، مشيراً إلى أن الحكومات المتعاقبة لم تتمكن حتى الآن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن حلول مؤقتة عبر الاستيراد من دول الجوار.
وقال عسكر في حديث تابعته(المدى) إن ملف الكهرباء يعد من أكثر الملفات التي استنزفت المال العام منذ عام 2003، إذ تشير تقديرات وتقارير اقتصادية إلى أن العراق أنفق ما بين 70 و100 مليار دولار على مشاريع إنتاج ونقل الطاقة، من دون أن ينعكس ذلك بصورة ملموسة على واقع الخدمة المقدمة للمواطنين.
وأضاف أن حجم الإنفاق الكبير لم يقابله تخطيط إستراتيجي واضح لتطوير قطاع الطاقة، إذ بقيت العديد من المشاريع متلكئة أو غير مكتملة نتيجة سوء الإدارة ووجود شبهات فساد، فضلاً عن التعاقدات غير المدروسة وضعف البنية التحتية لشبكات النقل والتوزيع، الأمر الذي أدى إلى استمرار العجز الكبير بين حجم الإنتاج والطلب المتزايد على الكهرباء.
وأوضح المختص في شؤون الطاقة أن العراق ينتج حالياً نحو 28 ألف ميغاواط من الكهرباء، في حين أن الحاجة الفعلية في أوقات الذروة قد تصل إلى نحو 50 ألف ميغاواط، ما يعني وجود فجوة كبيرة في تلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وأشار إلى أن الحكومة اتجهت، بدلاً من معالجة جذور المشكلة عبر تطوير حقول الغاز المحلية وبناء منظومة طاقة متكاملة، إلى الاعتماد على الاستيراد من الخارج، ولا سيما من إيران التي تزود العراق بالغاز المستخدم لتشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى البحث عن مشاريع ربط كهربائي مع بعض دول الخليج ودول أخرى في المنطقة.
وبيّن أن هذا التوجه قد يسهم في تقليل ساعات الانقطاع مؤقتاً، لكنه لا يمثل حلاً جذرياً للأزمة، بل قد يكرس حالة الاعتماد على الخارج في قطاع حيوي واستراتيجي يمس الأمن الاقتصادي للبلاد.
وأكد عسكر أن الحل الجذري يكمن في إصلاح إدارة قطاع الكهرباء ومكافحة الفساد، إلى جانب استثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق بكميات كبيرة في الحقول النفطية، فضلاً عن تطوير مشاريع الطاقة المتجددة، موضحاً أن العراق يمتلك الإمكانات المالية والطبيعية التي تؤهله لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الكفوءة.
وفي وقت سابق أعلنت وزارة الكهرباء أن مشروع الربط الكهربائي العراقي ـ الخليجي سيدخل الخدمة قريباً بطاقة 500 ميغاواط كمرحلة أولى، مشيرة إلى أن الربط مع تركيا أصبح جاهزاً للعمل مع ذروة الأحمال خلال فصل الصيف.