يعيش سعيد في حي شعبي، يسكنه أبناء الطبقة العاملة. هو في الأربعين من عمره. غالباً يوصف بالغافل، ليس لأنه ليس ذكياً، بل لأنه يُفضّل تجاهل التفاصيل الصغيرة إذ يرى أنها غير مهمة.
يخرج كل صباح إلى عمله في مكتبة الحي، يقضي وقته بين الكتب، دون أن تعنيه الهمسات من حوله أو النظرات الفضولية. يبتسم ابتسامة عريضة في وجه الجميع، حتى لو حامت سحابة هموم في سمائه.
في أحد الأيام، وهو يمشي في طريقه إلى العمل، توقف عند بائع الفواكه؛ ليشتري كيلو من العنب، لم ينتبه لسقوط محفظته من جيبه عندما أخرج بعض النقود ليحاسب. غادر وسارت خلفه امرأة مسنة، أشارت إليه مراراً، لكنه لم يعرها اهتماماً، ولم تستطع اللحاق به. وصل سعيد إلى المكتبة، وعندما أدرك فقدان محفظته استمرّ في يومه كأن شيئاً لم يحدث، متمسكاً بإيمانه بأن الأمور ستُحل بطريقتها الخاصة. لكن الأمور لم تُحل بطريقتها في هذه المرة. وتزامن فقدان محفظته مع سلسلة من الأحداث الغريبة: أحد زبائنه الدائمين انتظر دون جدوى أن يعيد اليه كتاباً مهماً. وآخرون لاحظوا أن الكتب موضوعة بشكل عشوائي. ثم بدأ الجميع يتهامسون عن غفلة سعيد المعتادة، حتى وصل الأمر إلى صاحب المكتبة الذي أكد ضرورة الانتباه أكثر.
وفي ساعة متأخرة من الليل، بينما كان سعيد يغلق باب المكتبة، اقتربت منه تلك المرأة المسنة، وناولته محفظته وهي مبتسمة، وقالت له بصوت منخفض وثابت: «ليست كل الأمور تُحل بالانتظار، في بعض الأحيان يحتاج المرء إلى الانتباه». ابتسم سعيد ابتسامة عريضة، ورد عليها قائلاً: «ربما أنتِ محقة».
في الأيام التالية، حاول سعيد أن يلتزم بنصيحة المرأة المسنة. فبدأ ينتبه لما حوله أكثر، لكنه لم يستطع التخلي عن طبيعته الغافلة بالكامل. وفي إحدى المرات، بينما كان ينظم الكتب على رفوف المكتبة، لاحظ شابة تدخل المكتبة لأول مرة، كانت تبحث عن كتاب نادر، لكنه لم يكن متوفراً في المكتبة. وبدلاً من الانشغال بمحاولة مساعدتها، كما يفعل عمال المكتبات، اكتفى سعيد بإخبارها أن الكتاب ربما سيأتي إلى المكتبة في يوم ما. بعد أن غادرت الشابة، شعر بشيء غريب. إذ لاحظ أنه كان هناك شيء في عينيها يوحي بأنها كانت تحتاج إلى أكثر من كتاب. قرر سعيد أن ينظر في الأمر لكنه عاد إلى حالته المعتادة، معتقداً أن الأمر ليس مهماً بما يكفي. وفي اليوم التالي عاد إلى المكتبة المفتوحة، ووجد على مكتبه الخشبي رسالة نصية قصيرة مكتوبة بعناية: «أشكرك على هدوئك. وجدت في حديثك البسيط عزاء لي. سأعود مرة أخرى». طوى سعيد الرسالة ووضعها داخل كتاب ملقى على مكتبه، وظل يفكر في تلك الرسالة طوال اليوم. ثم سأل نفسه: هل من الممكن أن غفلتي عن بعض الأمور قد تكون أحياناً هي ما يجعل بعض الناس يجدون في سلوكي راحة غير متوقعة؟.
في الأسابيع التالية، بدأ الناس يتوافدون على المكتبة بشكل كبير. يبدو أن هدوء سعيد وغفلته جعلا المكان مريحاً للجميع.
اكتشف سعيد أن ترك الأمور تجري بطبيعتها ليس دائماً أمراً سيئاً، بل ربما يجلب معه لحظات من الدفء والتواصل غير المتوقع. ومع ذلك، ظل سعيد محتاراً: هل عليه أن يتغير ليصبح أكثر وعياً بما يجري من حوله أم أن غفلته هي جزء من جاذبيته، وجزء مما يجعل حياته مختلفة عن حياة الآخرين؟.
في نهاية اليوم، جلس سعيد وحيداً في المكتبة بعد أن أغلقها، وراح يتأمل حياته. لم يكن متأكداً من الإجابة، لكنه شعر بشيء جديد: ربما كانت الغفلة نوعاً آخر من الحكمة.