سطوة الصورة على سحر اللغة


بعد متابعة مسلسلات شهر رمضان في السنوات الأخيرة، بتُّ ألحظ بشكل متزايد تداخل التقنيات والبناء الفني في كلا الحقلين: حقل الرواية وحقل الدراما. لا شك في أن كتابة السيناريو تختلف عن كتابة الرواية، فلكل فن منهما أدواته ولغته؛ الأول يعتمد على الحوار واللغة المباشرة بينما تعتمد الرواية على لغة تتوزع بين الوصف وسرد الحدث والحوار، لكن الدراما ليست مجرد سيناريو، فهي تتشكّل من عناصر كثيرة أهمّها الأداء المقنع للممثلين والتصوير والملابس وبيئة الحدث في الزمن الذي يحيل إليه العمل.
الدراما الرمضانية تحوّلت إلى موسم يعجّ بعشرات المسلسلات وعشرات الوجوه الجديدة، ما يجعلها عرضة للتقاطع والتكرار، خاصة في الإطار الدرامي العام، ولكن لا يتكرّر هذا الأمر في الدراما العربية فقط، بل في الدراما العالمية أيضا؛ فهي مادة للترفيه والتسلية (Entertainment) في المقام الأول وتُمرّر من خلالها وجهات النظر والمعرفة والتاريخ وتعمل على اقتناص لحظة إنسانية، أو لا إنسانية وتسلّط الضوء عليها. باتت الدراما العربية صناعة رائجة ومطلوبة ويعمل فيها عشرات الآلاف في القطاعات كافة، وربما في وقت قريب تجد مكانها الصحيح في الدراما العالمية.
ندرك تماما أن العلاقة تاريخية بين الرواية والدراما، وأنّ هناك أعمالا روائيّة ناجحة تحوّلت إلى الشاشة الكبيرة، أو الصغيرة وتكرّست كجزء من التراث المحلي والعالمي والإنساني، لكن المُلاحظ في التباس هذه العلاقة هو سطوة العمل السينمائي على الروائي، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث الجميع عن الأداء المبهر لفيفيان لي التي جسّدت دور سكارلت أوهاروا في «ذهب مع الريح» وينسون أو يتناسون الأداء المبهر لمارغريت ميتشل، التي شكّلت هذه الشخصية بأبعادها النفسية والحسيّة، لطالما أزعجني هذا النكران والجحود، لاسيما وأنّ أيقونيّة العمل السينمائي باتت أكبر بكثير من أيقونيّة العمل الروائي. هناك أمثلة كثيرة لن أخوض فيها حفاظا على المساحة المتاحة.
في أحد المسلسلات ولا أرغب في ذكر اسمه، لأنني أتحدث عن فعل متكرّر وليس عابرا، كانت كل حلقة تبدأ بمشهد قصير- قبل الشارة- يخبرنا بما حدث في الزمن السابق لزمن الحدث الحالي، مشهد مكثف وفيه غموض مقصود. تقنية الفلاش باك موجودة في الرواية، وفي الدراما منذ زمن بعيد، لكن أن تُكرّس بهذا الشكل المقصود في كثير من الأعمال الدرامية فهذا أمر غير مسبوق. كما أنّ اقتران الشخصية الدرامية بعبارة ما أو حركة ما يظل يكرّرها طوال الوقت، من الأمور المقتبسة من الأعمال الروائيّة، كذلك الأمر بالنسبة للشخصيّات المأزومة والدموية التي تصارع للعودة إلى نقطة التوازن.

الفن البصري والفن الروائي

بين المتعة المجانية والمتعة المرهقة التي تحتاج جهدا ووقتا وإعمالا للعقل والذهن فارق كبير. بطبيعة الحال ليس المقصود هنا الانتقاص من الفن السابع، فمشهدية الطبيعة من جبال وأنهار وغابات وسهوب وثلوج في كثير من الأفلام متعة حقيقية، تبعث في النفس شعورا مباغتا بالغبطة والحبور. لكن متعة اللغة في الرواية الجيدة لا تضاهيها أي متعة في الدراما: لا ممثلة جميلة ولا ممثل متمكن وخفيف الدم. وعندما واجهتُ من حولي بهذا الانطباع ابتسموا وشكوا من الملل الذي يشعرون به عندما يطيل الروائي في سرد لا يفضي إلى شي واضح، مجرد كلام مسترسل قد تنطبق عليه صفة الثرثرة أحيانا. قابلت ابتسامتهم بضحكة خفيفة وقلت: الروائي ليس مقيّدا بعدد محدد من الصفحات، يتوقف حين يشعر بأنّه أنهى العمل، لكن الدراما الرمضانية مرتبطة بالرقم ثلاثين، كما نعرف لذلك أشعر بالانزعاج عندما أرى تقصّد التأخير والتسويف فقط لمجرد تحقيق عدد محدد من الدقائق في كل حلقة.

هل هذا الأمر (التأثر بتقنيات الرواية) تطور طبيعي؟ أم نتيجة لتحوّل كتّاب الرواية إلى السيناريو لأسباب نعرفها جيدا؟ وربما هناك أسباب أخرى لها علاقة بالانتشار؛ فالرواية الجيدة يقرؤها بضعة آلاف، بينما الدراما الجيدة يتابعها ملايين في العالم العربي، في زمن التفوق التكنولوجي الذي يتيح للمهتمين الوصول والسرعة والوضوح.

سبب تفوق الدراما على الرواية

في ظل غياب المحرر الأدبي الحقيقي لدينا، فإن الرواية الجيدة تعتمد على شخص واحد فقط هو الروائي الجاد والموهوب، فمعظم دور النشر لا تقدم رأيا مهنيّا بالرواية، بل تكتفي باسم المؤلف المعروف لتسويق العمل، وغالبية دور النشر تتقاضى مقابلا ماديّا من المؤلف لنشر كتابه. لكنْ في الدراما هناك عشرون أو ثلاثون شخصا موهوبا يعملون على إنجاح العمل، على رأسهم السينارست والمخرج وفنانو الصف الأول. في الزمن الماضي قالوا: رب صورة خير من ألف كلمة، وفي هذا الزمن بتنا نقول: ربّ فيديو قصير خير من ألف ألف كلمة.

تفاوت الرؤية بين الروائي والمخرج

وهذا أمر اعتيادي، وقلما يأتي العمل البصري مطابقا للعمل المكتوب، لاعتبارات كثيرة منها طول العمل الروائي خاصة الكلاسيكي، الذي لا يمكن تحويله إلى السينما في ساعة أو ساعتين، فتحذف بعض الشخصيات الثانوية أحيانا لاختصار بعض المشاهد، ومنها أيضا التخلّص من البطء الذي لا يناسب اللغة البصرية، التي تحتاج باستمرار إلى ضخ جرعة من التشويق لإنجاح الفيلم. هناك جوانب اقتصادية يجب مراعاتها وأخذها بعين الاعتبار، فالفيلم في أحد وجوهه منتج اقتصادي من المفترض أن يحقق أرباحا للمنتج الذي استثمر ماله في هذا العمل. وهناك أيضا رؤية إخراجية للعمل تركز على النواحي الجمالية التي تبرع فيها ولا تتأتى في العمل الروائي. ونرى هذا الأمر بشكل واضح عند مقارنة فيلم «الحرب والسلام» بنسختيه الأمريكية والسوفييتية. الأولى صدرت عام 1956 من إخراج كينغ بيدور وبطولة أودري هيبورن وهنري فوندا، والأخرى عام 1967 من إخراج سيرجي بوندارتشوك. مدة الفيلم الأمريكي حوالي ثلاث ساعات، أما السوفييتي قرابة السبع ساعات. ولعل الملاحظة الأخيرة تشي لنا بالكثير، ومن المعروف أنّ النسخة التي ترجمها سامي الدروبي من «الحرب والسلام» في أربعة أجزاء تصل إلى (2500) صفحة، والمقصود هنا أنّ النسخة السوفييتية من الفيلم كانت أكثر وفاء للتفاصيل التاريخية والقتالية للحرب وقسوتها ومآسيها، بينما العمل الأمريكي تخفّف من الواقعيّة ومن بعض الحوادث وركّز على العلاقة الرومانسية بين ناتاشا وبيير. وهنا يظهر تفاوت الرؤية بين مخرج وآخر، بناء على اعتبارات كثيرة أهمها النواحي المادية الممكن استثمارها في العمل؛ فقد عمل بوندارتشوك وطواقمه الفنية والتمثيليّة أربع سنوات وأُنفق مبالغ طائلة على الإنتاج، بالإضافة إلى عوامل أخرى مهمة مثل الحرب الباردة التي بدأت بالغليان بين المعسكرين.
ولا يختلف هذا الأمر في أبعاده المطروحة عن الدراما المأخوذة، أو المقتبسة عن روايات عربية، فهناك تفاوت في جودة العمل الدرامي مقارنة بالرواية. لكن التساؤل المهم هنا: ماذا أخذت الرواية من الدراما؟ لا أحاول هنا طرح أسئلة هدفها إثبات وجهة نظر معينة دون أخرى، لكن هو سؤال مفتوح للنقاش، وأنا سأكون أول المناقشين وأقول: القطع السينمائي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *