تمثل رواية «الحبل» ط1 – 1973 تجربة أولى في كتابة الرواية القصيرة في مشروع إسماعيل فهد إسماعيل الروائي والقصصي، وكانت تمرينا أوليا للعالم الذي رسمه في رواياته، التي كتبها في البصرة بين عامي 1962-1965، وهذه المعلومة عن تاريخ كتابة الرواية سجلها إسماعيل في رواياته، حيث أشار في بداية رواية «الحبل» بملاحظتين خارجيتين، اعتقد أنهما قد كتبتا في الكويت في سبعينيات القرن العشرين، قبل طبع الرواية تنصان:
(1- تدور إحداث هذه الرواية عام 1962
2- من أجل زيادة الإيضاح ارتأينا أن يكتب السرد بحروف بارزة، أما الحوار والتداعي فقد كتب بحروف عادية). المؤلف
وقد أكد هاتين الملاحظتين في رسالته الخاصة لي بتاريخ 15/7/1970 يقول فيها ( آخر ما كتبت رواية (الحبل) وقصة طويلة هي (الحادثة67) لكن نشاطي هذه الأيام متجه إلى الشعر. لعله بسبب الأيام التي نعيشها).
واعتقد أن المقصود (بآخر ما كتبت ) هو إعادة كتابة هذه الرواية في الكويت، وهذا الأمر واضح من شكل الصفحة بالاستفادة من الشكل الطباعي الذي كرسه في روايته «كانت السماء زرقاء» وأشار إليه بالملاحظة الخارجية في بداية تلك الرواية… فأحداث هذه الرواية تدور في فترة بعيدة نسبيا عن وجوده في الكويت عام 1970 تاريخ رسالته لي، ولذا يكون سرد الحدث بتفاصيل المكان المشخص في الرواية بعيدا عن زمن الكتابة الذي ورد في رسالته وبهذه التفاصيل الدقيقة عن المكان أمر غير منطقي، ولذا افترض ان رواية «الحبل» كانت مشروعا لرواية حملها معه من البصرة وتفرغ لها في الكويت، وكتبها بالشكل الطباعي الذي كتب فيه «كانت السماء زرقاء» التي اطلعت عليها مخطوطة في البصرة عام 1965 وهي الرواية نفسها التي نشرها في بداية السبعينيات، ووفق ذلك نرى أن الملاحظتين قد أضيفتا إليها وكذلك الهوامش التوضيحية قبيل طبع الرواية في سبعينيات القرن العشرين، والملاحظتان تؤكدان صعوبة التلقي على قارئ لم يتعرف على رواية بعالمين، عالم داخلي وعالم خارجي، فكان ذلك توجيها مباشرا من الكاتب لقراءة روايته، ونلاحظ أن السرد المكتوب بحروف بارزة (غامقة) يمثل عالم الخارج، الذي تراه عين الشخصية، وهو ينحسر تدريجيا منذ الصفحات الأولى لصالح عالم الباطن الذي يمثله الحوار مع الذات والتداعي الذي يصور أعماق الشخصية وهي تقدم على خوض تجربة غريبة عن عالمه: (سيقولون.. مخمور لا يملك قواه العقلية، خاصة أنه من غير المعقول أن يقدم إنسان له ماض سياسي معين، على ارتكاب سرقة عادية.. كأي لص عادي محترف. هذا أمر بعيد عن التصديق العادي).
يصبح هذا النسق الكتابي أحد السمات الأساسية في معظم الكتابة الروائية في الفترة البصرية لدى إسماعيل فهد إسماعيل، عدا الطبعة الأولى من مجموعته الأولى «البقعة الداكنة» التي كتبت في وقت سابق أقرب إلى نهاية الخمسينيات، ونشرت في منتصف ستينيات القرن العشرين، فهي تجربته الأولى في الكتابة، وكانت أقرب إلى السرد القصصي الخمسيني في القصة العراقية القصيرة.. حيث التداعي جزء أساسي من السرد والعالم الخارجي واضح ومشخص عبر عين الشخصية، التي تحاور ذاتها وتلاحظ صعوبة تواصلها مع الآخرين!
في رواية «الحبل» يكون زمن الحدث ساعات قصيرة تمتد من الساعة الواحدة (كانت الساعة قد جاوزت الواحدة أو تكاد) إلى الفجر (نور الفجر يضفي على الطرقات والأشجار والبنايات روحا متفتحة). يجتاز خلالها أمكنة مشخصة في ذلك الزمن، وفق طريق متعرج (ريثما وصل مبنى البريد المركزي مارا بالشوارع الخلفية لسوق الصيادلة أما الآن … مبنى محافظة المدينة على يمينه عبر النهر). ويكون الحاضر في الرواية مشخصا باللون الغامق الذي يمثل الأمكنة التي يمر بها وصولا إلى بيت الضابط، وهي أمكنة لا تشكل ثقلا في الرواية، فهي عبارة عن مسميات ترد عبر عين السارد الملتصق بالشخصية وهي تهمنا الآن لأنها أحد الأدلة الواضحة على علاقتها بمؤلف الرواية، حيث رأى وتشبع في هذه الأماكن التي أصبحت أليفة لديه، أما الزمن الروائي فيها فهو الأثر الشكلي المهم الذي أنجزه الروائي في فترة زمنية، لم يكن هذا الإنجاز مألوفا في الكتابة الروائية العربية، فقد سرد خلال هذه الشكل الجديد في زمن قصير، حياة تمتد من الطفولة إلى حاضر السرد، عابرا الفترة الزمنية الطويلة تلك، بتقنيات قصيرة تتخللها ومضات تتداعى فيها الذاكرة، عبر منتجة الحدث بالعلاقة مع دالة مكانية أو شخصية أو شيء، فهو ينتقل عبر الذاكرة من حاضر السرد (أمامنا نصف ساعة على الأقل ريثما تصل المنزل الذي تنوي سرقته) وهذه العبارة تعيده إلى سن العاشرة (عربة ليست نصف جنزير.. لكنها نصف لوري تلك التي ركبتها ذات شتاء المطر يهطل بغزارة… وأنت في سن العاشرة). ليتذكر تعنيف والده له وهو يكتشف أن ابنه يسرق (آخر زمان.. حرامي يا ابن العاهرة.. حرامي ولا ترتدع! ولكن انتظر! ركض خلفي في باحة المنزل. رماني بإناء معدني. الإناء صدم ساقي بقوة. أحسست بعظمة ساقي تنفجر. صرخت بأعلى صوتي.. واي! ..واي..! أمي تبكي…
ـ مات الطفل!
وجهها ما زال مبللا بالماء، كانت توا قد غسلت وجهها كي تزيل آثار دماء في كفي).
لقد تميزت الفترة العراقية في إنجاز الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، بالحوار الداخلي مع الذات دون وجود الآخر الصديق، أو المعادي وبسبب هذه النزعة الواضحة في رواياته الأولى، انحسر الحوار لصالح المنولوج الداخلي والتداعي الحر في عالم معاد، فجاءت رواياته الأولى بشخصية واحدة تحاور أشخاصا منضوين تحت سطوة الذاكرة، ليس لهم قدرة على الارتفاع إلى شخصيات محورية كما في الروايات الواقعية الكلاسيكية، ووفق ذلك جاءت معظم الشخوص الرئيسية في رواياته الأولى، من دون أسماء، دلالة على تجريد الشخصية من صفاتها ودفعها إلى عالم إنساني شامل يطرح تساؤلات وعذابات عامة لا علاقة لها بعالم خاص!! وقد استمرت هذه النزعة الفردية المجردة في تجاهل ظهور الآخر الفاعل إلى السنوات الأولى في الكويت حين كتب روايته «الحادثة 67 أو قصته الطويلة كما وصفها في رسالته التي أشرنا لها، لكنه انعطف إلى الآخر في حوارات إيجابية مثمرة في بناء شخصيات حية من الواقع المعيش في الكويت، حين تعرف على عالمه الجديد في الكويت، وهو يضج بالتناقضات والهويات المختلفة والصراعات الخفية، كل ذلك أنتج روايات أخرى بإشكال ملائمة لهذا المنحى، تميزت بالجدية ومعانقة الآخر والتعبير عن هموم اجتماعية ونفسية ووجودية…
وفي رواية «الحبل» يرد اسم الكويت في الرواية ملاذا آمنا له من عسف السلطة في بلاده: «لماذا لا تذهب إلى الكويت يقال العمل متوفر هناك»، وطرق أبواب مديرية الجوازات والسفر» لكن دائرة السفر أعطته صفة (سياسي خطر.. يمنع من السفر إلى الخارج) ويعلق ساخرا (إن كنت خطرا فابعدوني) أخيرا يتحدى ذلك ويتفق مع أحد المهربين (سآخذك إلى الكويت من دون جواز سفر) لتكون الرحلة إلى الكويت شبيهة برحلة الفلسطينيين في رواية غسان كنفاني «رجال تحت الشمس» : (اللون الرصاصي هيمن على البصرة. وأعقب ذلك يومان من السير على الأقدام وسط صحراء مترامية. نعلي تمزقت ربطتها بخرق من القماش.. كنا خليطا عجيبا، خمسة عراقيين، فلسطينيا واحدا، وعشرة من الإيرانيين)، (زميلي الإيراني سلفني دينارا، اشتريت، بتوجيه منه – جاروفا، وعملت معهم في حفر مجاري شوارع الكويت)، الأجرة كانت دينارا واحدا (لقاء 14 ساعة عمل في اليوم الواحد).
أما البصرة فهي المكان الأليف الذي يحمل له حبا خاصا لكنها قبيل تقريره السفر إلى الكويت (مدينة يهيمن عليها اللون الرصاصي) ولكنه يستشرف مستقبلها واصفا إياها (ولكنها تنام (الليل بصمت متحفز علها تصبح على ثورة جديدة) فهي المدينة التي أحبها (البصرة.. علام لا أحبها إلا إذا فارقتها؟).
لقد كتبت هذه الرواية ـ كما نرى – عام 1962 أو بعد سنوات قليلة لا تتجاوز عام 1965، وهو عام كتابة روايته “كانت السماء زرقاء” الذي أكده في مطلع صفحات روايته تلك بـ(بملاحظة مهمة) التي تقول (كتبت هذه الرواية عام 1965 بعد أن تعرضت قوى الخير للإبادة. أما وقد عرف المسار فمعذرة يا جواد السحب الداكنة)، وهي أيضا ملاحظة متأخرة عن تاريخ كتابة الرواية، حيث كتبت في الكويت قبل نشر الرواية بدليل إشارة الروائي إلى (جواد السحب الداكنة) وهي رواية للروائي عبد الجليل المياح صدرت عام 1968، وقد تعرض كاتبها للإعدام في ثمانينيات القرن العشرين، أما رواية “المستنقعات الضوئية” فقد كتبت بين عام 1962 وعام 1965 وهي تجربة روائية ناضجة في كتابة الرواية القصيرة استطاع الروائي أن يرسخ أسلوبه الجديد برصد العوالم الداخلية لأعماق إبطاله على حساب العالم الخارجي، التي كانت الروايات العربية والعراقية تجسده في متونها، وقد أوضحنا ذلك في السيرة الروائية التي تجسد التجربة الروائية الناضجة التي أنجزها إسماعيل فهد إسماعيل في مسقط رأسه البصرة، قبل مغادرته إلى الكويت عام 1966 حاملا معه مشروعا روائيا متكاملا، رفدته الحياة في الكويت بإمكانات مادية سخية، وحرية نسبية وعالم جديد ضاج بشخوص من مختلف الجنسيات وأوضاع طبقية وإنسانية تدعو للتأمل والحيرة في المصائر والحياة الباذخة لدى فئات، وحياة متدنية لا تكاد سد احتياجات الإنسان الأساسية، وسط هذا التجمع الهجين المتعدد الأعراف والهويات خاض إسماعيل تجربته الروائية الجديدة، وتناول شخوصا ومصائر من قاع المجتمع الكويتي ونشط في الدفاع عن المهمشين والضائعين، وهم يبحثون عن هوية في مجتمع هجين. وأصبح صوتا إنسانيا تحت لافتة عريضة ينشرها أينما حل تنص: (الفعل الكتابي وظيفة إنسانية بالأساس)
كاتب عراقي