القاهرة- “القدس العربي”: “لقد اكتشفتُ أن مصر في الثلاثينيات والأربعينيات كانت أكثر تحرراً فكرياً ونشاطاً ثقافياً مما هي عليه الآن في الثمانينيات، وقتها لم تكن بها هيئة للطاقة الذرية، ولم تكن تصنع الصاروخ، بل كانت مستعمرة يحكمها التاج البريطاني والمندوب السامي لجلالة الملكة، مع ذلك كانت مصر جزءاً من الحيوية الثقافية العلمية، كان كبار كتاب وفناني العالم يحرصون على زيارتها، وكانت تربط بعضهم علاقات مع كبار كتابنا وفنانينا، كانت مصر تموج بحركات ثقافية حية من اتجاهات مختلفة، كانت تلك الحركات جزءاً من الحيوية الثقافية العالمية”. (السريالية في مصر)
رحل مساء أمس الجمعة 27 مارس 2026 الكاتب الصحافي والناقد التشكيلي المصري سمير غريب، احد أهم أصوات الثقافة المصرية الرفيعة، سواء من خلال مؤلفاته الهامة والمؤثرة والمختلفة عن السائد، إضافة إلى توليه العديد من المناصب الهامة في وزارة الثقافة المصرية قبل ثورة يناير 2011. ورغم أن معظم مؤلفات الرجل اهتمت بالحركة التشكيلية وتاريخها مصرياً وعالمياً، إلا أنه لم يغفل السياق الاجتماعي والسياسي لهذه الحركات وفنانيها، وهو ما يُذكّر بالنهضة الفكرية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وما كانت تنظره مصر أو تنويه فكراً وثقافة قبل انقلاب يوليو 1952. إلا أن هناك بعض المؤلفات الأخرى تناول غريب من خلالها عدة موضوعات ترتبط بالجماليات وتربية الذوق وأسس وقواعد النقد الفني والأدبي كذلك، إضافة إلى سيرة شخصيات ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالثقافة المصرية وأثرت فيها، وكأنه يكتشف هذه الشخصيات من جديد، ربما أهمهم السيريالين المصريين، وشخصية محمود حسين، كما في آخر مؤلفاته (محمود حسين كما عرفته). في هذا التقرير نحاول الاقتراب من سيرة الرجل كإضاءة بسيطة لمسيرة حافلة.
لمحة من الطفولة
نلتقط هذا المشهد لسمير غريب من كتابه (خلود المحبة) ــ وهو عنوان الكتاب الذي أصدره غريب عام 2019 ــ الذي يتذكّر فيه مشهد مسيرة المحمل المصري، فيقول .. “من أهم الأحداث التي كنت أنتظرها في شرفة منزلي، مع أسرتي وبعض جيراني، كان مرور موكب (المحمل) صباح كل عيد فطر. يبدأ بفرقة موسيقى عسكرية، أعتقد أنها كانت تتبع البوليس، ثم الطرق الصوفية بأعلامها، يتقدم كل فرقة شيخ على صهوة حصان، أو بغل. ثم يحمل جمل مميز مقاما عليه قطعة من كسوة الكعبة، حيث كانت منفلوط محطة رئيسية للحجاج القادمين من شمال أفريقيا. ثم عدة جمال يحمل كل منها مقاما لأحد مشايخ منفلوط الصالحين . وبعدها يأتي الشعب راكبا جمالا كثيرة مهللين مكبرين ومغنين”.
السريالية في مصر
يعد هذا الكتب من أهم ما أنتجه سمير غريب، فهو بحث رفيع تطرق فيه من خلال جماعة فنية تم تناسيها عمداً إلى الكثير من المشكلات التي تعاني منها الثقافة المصرية. ويذكر في حديث متأخر عن كتابه الأول هذا .. “في منتصف 1986 صدرت الطبعة الأولى من كتابي (السريالية في مصر) في طباعة متواضعة، غلافاً وإخراجاً وورقاً، وصور بالأبيض والأسود، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة. لكنه أحدث تأثيراً كبيراً، بمنتهى التواضع. وبقي حتى الآن الكتاب الوحيد باللغة العربية عن الحركة السريالية في مصر وجماعتها (الفن والحرية). نظم أتيليه القاهرة ندوة مساء 15 نوفمبر 1986 حول الكتاب، أدارتها الشاعرة ملك عبدالعزيز وشارك وتحدث فيها أنور كامل أحد مؤسسي حركة الفن والحرية السريالية، والدكتور لويس عوض، والفنان والكاتب عز الدين نجيب وغيرهم … أستطيع القول إجمالًا: إن صدور الكتاب تسبب في حركة جديدة لإعادة اكتشاف جماعة (الفن والحرية) السريالية المصرية، ورد الاعتبار لها والاحتفاء بها من جهة، وتشجيع المبدعين الشباب على ولوج عالم السريالية وإعادة تشكيله وإبداعه من جهة ثالثة”.
الثقافة المصرية
ويرى غريب ويفند أسباب تراجع أو غياب الثقافة المصرية، فيقول .. “ليس لدينا مفكرون أو مثقفون، فمصر فى النصف الأول من القرن العشرين، كانت أكثر تقدما من الناحية الفكرية والثقافية من النصف الأول من القرن الواحد والعشرين، فكل الإبداع فى الأدب والفنون بأشكالها المختلفة، انطلق خلال الحقبة الملكية، ثم حدث التراجع فى الفترة الناصرية عند التوجه الفكرى نحو الاشتراكية، فتسبب ذلك فى مصادرة لحرية الفكر، وأصبح هناك توجيه للفكر فى اتجاه معين، وبعد عبد الناصر، جاء السادات بفكر مختلف، استخدم فيه الجماعات الدينية، لتحجيم الناصريين، وكان مقتله المفاجئ رسالة تشير إلى سيطرة تلك الجماعات، وجاء مبارك الذى بدأ بداية رائعة بالإفراج عن سجناء الرأى، لكن نظامه أصابته الشيخوخة فى النهاية، وجميعهم لم يستوعب أن التقدم يحدث بالديمقراطية”.
وزارة الثقافة
ويقول غريب من خلال حواره في القدس العربي في 23/1/2015 بشأن سياسات وزارة الثقافة وقتها ــ الأمر أسوأ الآن بكثير ــ وزارة الثقافة لا تمتلك سياسة حتى نتكلم عنها! كانت وزارة الثقافة خلال حُكم مبارك قائمة على الاهتمام بالكم وليس الكيف، ذلك لإرضاء القيادة السياسية وضمان بقاء الوزير في منصبه، فكم من المباني من قصور وبيوت الثقافة والمكتبات تم تشييدها وافتتاحها، دون الاهتمام بالعنصر البشري أو ما تقدمه هذه المنشآت أو ما يحدث داخلها؟! لذلك شاهدنا ظاهرة سرقة الأعمال الفنية من المتاحف، كما كانت الآثار وقتها ضمن مسؤليات وزارة الثقافة، فشهدت تلك الفترة القدر الأكبر من سرقة الآثار وتهريبها خارج مصر. إضافة إلى تخلي الدولة عن الإنتاج السينمائي وصناعة السينما بشكل عام، وشهدنا سرقة الأفلام وبيع الأصول. وبعد مبارك وحتى الآن توالى 6 وزراء خلال 4 سنوات، وهو أمر لم يحدث منذ إنشاء وزارة الثقافة! فكيف يمكن السؤال عن سياسة تتبعها هذه الوزارة.
البحث عن مُنقذ
وفي حوار آخر وبخصوص إنقاذ الثقافة المصرية، يقول ساخراً .. “الثقافة المصرية لا تحتاج إلى إنقاذ، لأنها ليست موجودة أصلاً … إننا نعاني من انهيار ثقافي، وهو انهيار حدث منذ فترة طويلة. ولا أرى أى مستقبل بدون أن تكون الثقافة هي قاطرة التقدم، اجعلوا الثقافة هي التي تقود، وهو ما يلزم معه أن تكون هناك سياسة دولة فى الشأن الثقافي، وليس مجرد وزير ثقافة، فوزارة الثقافة إذا عملت في مجال المؤسسات البيروقراطية التي تسيطر على البلد فلن تفعل شيئاً، ولا تستطيع أن تحقق أي نتيجة. لا بد أن تكون الثقافة موجودة بداية من رئيس الدولة إلى أصغر عامل فيها، وعندما تقرر الدولة ذلك فلا بد أن تتعاون مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، وقتها ووقتها فقط قد يكون هناك إنقاذ.. هذا إذا كان هناك من يريد الانقاذ”.
الحركة التشكيلية المصرية
وعن رأيه في الفن التشكيلي المصري والحركة التشكيلية بوجه عام، يذكر في حواره مع القدس العربي السابق ذكره .. “هناك حالة من الرواج بالفعل، لكنها مقتصرة على القاهرة والإسكندرية، وليس في القاهرة كلها، بل في حي (الزمالك) فقط، الذي يجمع الأغلبية من قاعات العرض الخاصة في مصر، وعدد من متاحف الدولة وقاعاتها، وأنا أدعوه (رواج حي الزمالك التشكيلي). بخلاف ذلك وداخل هذه القاعات هناك شباب من الفنانين لافتي النظر بتجاربهم الفنية وإبداعاتهم الجديدة، خاصة بعد أن تم حفظ أعمال الأسماء الكبيرة في المتاحف، فأصبح لا جديد عندها”.
خلود المحبة
ونختتم أيضاً بكتاب خلود المحبة، والذي يعبّر عنوانه عن رحلة الرجل الإبداعية والثقافية، والذي يقول في مقدمته .. “يمكن اعتبار هذا الكتاب نتفاً من سيرة ذاتية ومدخلاً وثائقياً بما فيه من معلومات وصور فوتوغرافية وصور لخطابات شخصية تنشر للمرة الأولى … حرصت على أن تكون موضوعاته مرآة صافية لمعنى خلود المحبة، استعدت فيه وجوها أحببتها، رحلت أو أطال الله عمرها، استمتعت بها أو تعلمت منها، استرجعت تجارب عشتها فى حياتى أو شاهدتها، نشرت فيه للمرة الأولى نصوصاً شاعرية (ولا أدعى الشعر) وقصتين قصيرتين (ولست قاصا) … المهم أن كل نصوص كتابي هنا تعبر عن محبتي لأشخاصها وأماكنها. وهل هناك أجمل وأنقى من المحبة؟ وهل هناك أكثر خلوداً من خلود المحبة؟”.
بيبلوغرافيا
ولد سمير غريب عام 1954 في مدينة منفلوط التابعة لمحافظة أسيوط بجنوب مصر. تخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1975. بدأ العمل الصحافي في جريدة (الأخبار) واستمر بها حوالي 13 عام، حصل خلالها على دبلوم من المعهد الدولي للصحافة في بودابست عام 1978. كما أقام في باريس مدة 4 سنوات عمل خلالها في مجلة (المستقبل) الأسبوعية، وحصل على دبلوم المعهد الدولي للصحافة عام 1985.
شغل عدة مناصب هامة ومؤثرة في وزارة الثقافة المصرية، منها .. مستشاراً صحافياً ثم مستشاراً فنياً لوزير الثقافة في الفترة ما بين 1987 و1999، خلالها أسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى مسؤوليته بين عامي 1990 و1999. كما تولى رئاسة مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية بين عامي 1999 و2002، بعدها أصبح مديراً للأكاديمية المصرية للفنون بروما بين عامي 2002 و2004، ليعود إلى مصر ويؤسس أحد أهم الأجهزة التنظيمية في الدولة، وهو الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، الذي ترأس مجلس إدارته منذ عام 2004 وحتى قيام ثورة يناير 2011.
إضافة إلى عدة مناصب أخرى، منها أول مصري يرأس الاتحاد العربي للوثائق، وعضوية .. المجلس القومي للثقافة والإعلام، المجمع العلمي المصري، مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر، كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، المجلس المصري للعلاقات الخارجية، كذك عضو مؤسس للجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي، حيث شغل منصب سكرتيرها العام ورئيسها الأسبق. وكان يكتب بجريدة “الأخبار” المصرية مقالاً أسبوعياً تحت عنوان (نظرة إلى المستقبل)، إضافة إلى مقالات ودراسات في الفن التشكيلي في دوريات عربية، أهمها جريدة (الحياة) اللندنية.
الإصدارات
أصدر سمير غريب العديد من المؤلفات الرفيعة، التي أثرت الثقافة المصرية، والتي تعتبر توثيقاً لمرحلة النهضة الثقافية والفكرية في مصر، ولعل أهمها كتاب “السريالية في مصر” 1986، ثم توالت المؤلفات والأبحاث في تاريخ الفن ونقده، منها .. “راية الخيال” 1993، “نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلى” 1997، “فى تأريخ الفنون الجميلة” 1998، “حيوية مصر” 1998، “الهجرة المستحيلة” 1999، “من كتابات زمن الحرية” 2001، “كتابات الزمن الآخر” 2002، “كتاب الفن” 2003، “ما الفن التشكيلي” و”خلود المحبة” 2019، “معارك العمران” 2020، “الجمال المضاد” 2021، و”محمود حسين كما عرفته” 2025.