رحيل الأكاديمي والناقد المصري «أحمد درويش»…حالة تصالح بين التراث ومناهج النقد الحديث


القاهرة ـ «القدس العربي» : لم يكن الناقد والأكاديمي أحمد درويش (15 مايو/أيار 1943 ــ 4 مارس/آذار 2026) أستاذ النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة، مجرد ناقد حبيس أروقة الجامعة والأبحاث الأكاديمية، ولكنه كان مُشاركاً فعالاً في الحركة الثقافية المصرية والعربية، كذلك التواصل عبر المقالات المتابعة للقضايا الأدبية والعامة، والمؤتمرات والندوات التي تناقش قضايا النقد واللغة. إضافة إلى مؤلفاته المتنوعة ما بين التأليف والترجمة، التي أغنت المكتبة العربية والحركة الثقافية بشكل عام، مما كان له أكبر الأثر في تطور الدراسات الأدبية، أو على الأقل اتساع الرؤية النقدية والجمالية للنصوص الأدبية.
ورغم أن درويش حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، إلا أنه لم يستهن بالتراث العربي، بل حاول من خلال مناهج النقد الحديثة أن يتواصل مع هذا التراث أكثر، ويحاول التحاور معه بأساليب ومناهج جديدة. هنا استعادة لبعض آراء الناقد الراحل، سواء من حواراته أو مقالاته في الصحف والدوريات..

البلاغة

نبدأ من البلاغة العربية، التي يراها أحمد درويش أنها كانت الأقل نصيباً من التجديد أو الفهم، مقارنة بفروع الدراسات الأدبية والنقدية الأخرى. وبدلاً من الهجوم على البلاغة القديمة، يجب إحياء الأسس وبذل الجهد من الدارسين. كما أشار إلى أننا نستطيع أن نستمد أصول البلاغة الحقيقية من اللغة المعاصرة الجيدة، بل ومن اللغة العامية الجيدة، بمعنى استخراج قيم بلاغية من التعبيرات العامية، مستشهداً في ذلك بدراسات يحيى حقي. وأن إحياء البلاغة هو السبيل الوحيد لإحياء نقد عربي جاد حي، ولإحياء أدب عربي جاد حي، ما عدا ذلك فهي شكليات تقال لملء الوقت، ويستعاض عن ذلك بالهجوم على البلاغة القديمة.

نقاد هذا الزمان

يُشير درويش إلى لغة النقاد وكيفية تعاملهم مع النصوص، فيشكو من الغموض الذي يحيط هذه الكتابات، والحرص على سرد الأسماء الأجنبية التي تحدثت في الموضوع، وسرد المصطلحات. ويذكر قائلاً.. «أحياناً أجد نفسي عاجزاً عن فهم بعض النصوص النقدية، بعد قراءتها مرة أو مرتين، وفي هذه الحالة أتوقف عن اتهام نفسي بعدم الفهم، وأتهم الآخرين الذين لا يصلون لطريقة لتوضيح أفكارهم، فالفكرة الأكثر وضوحاً هي الأكثر عمقا والأكثر سلامة… إن كثيرا من الدراسات النقدية تبتعد فيها الدراسة النظرية عن النصوص، والرأي عندي أن الدرس النقدي يرتبط بالنص، وأننا بحاجة إلى دراسات تطبيقية أكثر من حاجتنا للدراسات النظرية التي كثيرا ما يثبت أنها منقولة عن الآخرين، وإضافتنا لها متواضعة جداً».

النقد

ومن النقاد إلى النقد نفسه، الذي يراه درويش ضحية أصحابه، ويؤكد مدى الحاجة إلى رد الاعتبار إلى المُتلقي، ففي المعالجات النقدية لا نجد سوى الناقد وهو يتحدث إلى نفسه حول المنابع التي استقى منها نظرياته، ويغفل المتلقي الذي كان عنصرا أساسيا في عملية الإبداع النقدي عند جيل الرواد وما تبعهم من أجيال وضعت المتلقي نصب أعينها. فقد هيئ للناقد أن عنصر اللغة غير مهم، وأن الحكاية هي المهمة، وكانت النتيجة هي زيادة الفجوة بين القارئ والنص فقد أصبح لا يفهم النص ولا الناقد. ويقول «نحن فى حاجة إلى أن ننعش المشهد النقدى بدءا من إنعاش اللغة، وإنعاش النصوص، والمحاورة الجادة مع ما يقدم إلينا وتخلى النقاد عن روح المجاملة وروح الشللية وتدريب الناس كيف يشاركون فى الحياة العامة والخاصة، انطلاقا من إنعاش روح نقدية جادة مثقفة تعمل على تقدم الأمة».

قضايا حول تراث شوقي الروائي

لا يعرف الكثيرون أن أمير الشعراء أحمد شوقي كانت له تجارب روائية، قبل تجاربه المسرحية، فقد كتب شوقي عدة روايات، (عذراء الهند) 1897، (لادياس) 1899، و(دل وتيمان) في العام نفسه. وقد قدّم أحمد درويش لهذه الأعمال وضمّن مقدمته عدة قضايا من وجة نظر الأدب المقارن ومناهجه، منها.. دور أحمد شوقي في نشأة الرواية العربية، تنبّه شوقي إلى أهمية عنصر الرواية في الشعر القديم، واستشهاده بكبار الشعراء الفرنسيين الذين كتبوا الرواية، كفيكتور هوغو وألفريد دي موسيه. كذلك فكرة أن شوقي قد مهّد للرواية التاريخية في مصر.

أكثر مما نظن

كما كان لدرويش العديد من الآراء اللافتة عن مجايليه .. ففي مؤتمر بعنوان (عشرينيات القرن العشرين علامات فارقة وإنجازات مضيئة)، أقامه المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، يقول درويش .. مثلما كان يوجد طه حسين في عشرينيات القرن العشرين كان هناك الكثير من الأسماء والأفكار المتقابلة والمعارضة، ولكن المشكلة أننا لا نلقي الضوء عليها ولم نرصد كل الآراء التي تشكّلت، خاصة في تلك الفترة شديدة الحساسية، فترة نهاية الحرب العالمية الأولى، وقيام الثورة المصرية قبلها مباشرة، ثم تقسمّت الأمة العربية إلى دول وحدود.

الحداثة

ونختتم بعبارات من حوار الناقد الراحل أحمد درويش، وكان بمناسبة صدور كتابه «النص والتلقي.. حوار مع نقد الحداثة»، فيقول.. نظرتنا للحداثة ولدت بمعزل عن الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأتها في الغرب. مثلاً مذاهب العبث والدادية والسريالية التي ولدت تاريخيا أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية، منطلقة من الصدمة الكبرى التى حلّت في نفوس شعوب بلغت بالعلم والعقل مداه، وقادها هذا المدى الى عصر الصناعات الضخمة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وحتى منتصفه، تلك الأسلحة الفتاكة التي دمرت العالم، فكان رد الفعل عند هذه الشعوب كراهية مؤقتة للعقل والتنظير ورغبة في العلو عليها والرجوع إلى العفوية والسريالية والدادية ومسرح العبث واللامعقول. فهل تنطبق هذه الظروف العقلية والثقافية على شعوب ما زال ثلاثة أرباعها من الأميين، ولا يزال حظها من العلم والإنتاج شبه معدوم؟!

بيبلوغرافيا

(أحمد إبراهيم درويش محمد) مواليد 15 مايو 1943. حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة عام 1967. ماجستير الدراسات البلاغية والنقدية، جامعة القاهرة عام 1972. دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية، تخصص نقد أدبي وأدب مقارن، جامعة السوربون، فرنسا عام 1982.
تدرج في مسيرته الأكاديمية، وشغل عدة مناصب منها.. أستاذ البلاغة والنقد الأدبي المقارن في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة عام 1993. عميد كلية الآداب في جامعة السلطان قابوس في الفترة من عام 1996 حتى 1999. ثم مستشار رئاسة الجامعة نفسها حتى 2001. وكيل كلية دار العلوم في جامعة القاهرة عام 2004. إضافة إلى وظائف أخرى، منها.. مُحاضر في أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة، مُحاضر في معهد إعداد الإذاعة والتلفزيون، وعضو لجان اختبار المذيعين، محاضر في الجامعة الأمريكية في القاهرة، مشرف على مركز تدريس اللغة العربية للأجانب، في المركز الثقافي المصري في باريس، من عام 1977 حتى عام 1982.

المؤلفات

«العربية لغة بسيطة» 1982. «مدخل إلى الدراسات البلاغية» 1983. «بناء لغة الشعر» (ترجمة) 1993. «اللغة العليا.. النظرية الشعرية» (ترجمة) 1995. «في النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة» 1996. «الأدب المقارن.. النظرية والتطبيق» 1996. «التراث النقدي.. قضايا ونصوص» 1998. «النص البلاغي في التراث العربي والأوروبي» 1998. «تقنيات الفن القصصي عبر الراوي والحاكي» 1998. «فن التراجم والسير الذاتية» (ترجمة) 1999. «إنقاذ اللغة من أيدي النحاة» 1999. «نظرية الأدب المقارن وتجلياتها في الأدب العربي» 2002. «الاستشراق الفرنسي والأدب العربي» 2002. كذلك عدة مؤلفات مُشتركة، منها.. «ثلاثة ألحان مصرية» (ديوان شعر) 1970. «نافذة في جدار الصمت» (ديوان شعر) 1975. «علي مبارك رائد التحديث المصري» 1993. «السجل التاريخي للخليج وعُمان وأواسط الجزيرة العربية» (عضو لجنة مراجعة الترجمة في جامعة السلطان قابوس) 1995. «الموسوعة الميسرة للتراث العُماني» (الإشراف على اللجنة العلمية للموسوعة) 1996. «ندوة أبي العلاء المعري» (المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في سوريا) 1997.

الجوائز ..

جائزة المجلس الأعلى للفنون والآداب في مصر في الشعر 1965، 1966، 1967. جائزة مؤسسة اليماني الثقافية عن أفضل كتاب في نقد الشعر «الكلمة والمجهر» 1996. جائزة وزارة الثقافة المصرية عن أفضل كتاب مترجم في النقد الأدبي «اللغة العليا» 1998. جائزة الإبداع في نقد الشعر (مؤسسة البابطين)2004 . جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2008. جائزة النيل 2025.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *