طرابلس – «القدس العربي»: تتعمق الانقسامات داخل المشهد السياسي الليبي، سواء في غرب البلاد بين حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي، أو في شرقها داخل مجلس النواب ذاته، في وقت تتقاطع فيه هذه الخلافات مع جدل اقتصادي واسع بشأن فرض ضرائب على السلع المستوردة، وتحركات أممية لإعادة إحياء المسار السياسي عبر خريطة طريق جديدة، وبين هذا وذاك يبقى المواطن الليبي عالقًا بين صراع الصلاحيات وتنازع الشرعيات، في مرحلة تتطلب أعلى درجات التوافق والمسؤولية الوطنية.
في الغرب الليبي، وجَّه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خطابًا إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، اعتبر فيه أن الحكومة تُعد حكومة تصريف أعمال، مشددًا على أن أي تعديل وزاري يجب أن يستند إلى توافق وطني واسع وأطر قانونية واضحة، مع تشاور ملزم بشأن حقيبتي الدفاع والخارجية باعتبارهما من أولويات المرحلة الراهنة، وأكد المنفي في خطابه المؤرخ في 19 شباط/فبراير 2026 أن عزم الحكومة إجراء تعديل يشمل إقالة وزراء يُعد مخالفة في ظل تمتعهم بثقة السلطات التشريعية المستمدة وفق مرجعية الاتفاق السياسي الليبي، موضحًا أن تشكيل الحكومات أو تعديل بنيتها يخضع حصريًا للمرجعيات الدستورية الحاكمة وعلى رأسها الاتفاق السياسي وملاحقه المضمنة في الإعلان الدستوري وتعديلاته، ومشيرًا إلى أن الحكومات تفقد شرعيتها وتتحول إلى تصريف أعمال في حالتي سحب الثقة أو حدوث شغور واسع في التشكيلة الوزارية وفق النسب المنصوص عليها، وختم بالتأكيد على أن معالجة الشغور الناتج عن استقالات طوعية تتطلب توافقًا وطنيًا وأطرًا قانونية صحيحة وتشاورًا ملزمًا بشأن الحقائب السيادية.
في المقابل، مضت حكومة الوحدة الوطنية في إجراء تعديل وزاري، حيث كلف رئيسها سالم مصطفى العالم وزيرًا للثقافة والتنمية المعرفية خلفًا لمبروكة توغي، كما كلف محمد عبدالسلام القريو وزيرًا للتربية والتعليم الذي باشر مهامه رسميًا، في خطوة تعكس تمسك الحكومة بصلاحياتها التنفيذية واستمرارها في أداء مهامها باعتبارها السلطة التنفيذية المعترف بها دوليًا، في ظل رفضها لأي إجراءات أحادية تمس السياسة المالية أو النقدية خارج الأطر القانونية، وهو ما يضع العلاقة بين الحكومة والمجلس الرئاسي أمام اختبار سياسي ودستوري جديد عنوانه تفسير الصلاحيات وحدودها.
أما في الشرق، فقد برز انقسام واضح داخل مجلس النواب ذاته على خلفية الجدل المتعلق بفرض ضريبة على السلع المستوردة، إذ كشف عضو المجلس عن مدينة بنغازي عصام الجهاني أن رئاسة المجلس لم توافق على عقد جلسة لمناقشة الأوضاع الاقتصادية وملف إلغاء الضريبة، مؤكدًا أن النواب سيلتقون رغم ذلك لعقد الجلسة حتى ولو في ساحة موقف سيارات المجلس، في تعبير لافت عن حجم التوتر داخل المؤسسة التشريعية، لا سيما مع غياب إعلان رسمي عن جلسات خلال شهر رمضان.
الجدل تصاعد بعد تداول قرار منسوب إلى رئاسة مجلس النواب بشأن فرض ضريبة على السلع المستوردة ضمن عمليات بيع النقد الأجنبي أو الاعتمادات، وسط غموض حول نسبتها وأسسها القانونية، مقابل نفي 107 نواب صدور أي قرار رسمي أو نافذ بهذا الشأن، مؤكدين أن المجلس لم يعتمد أي تشريع يتعلق بفرض ضرائب جديدة خلال جلسة مكتملة النصاب ووفق الإجراءات الدستورية، كما أعلنت لجنة الاقتصاد والاستثمار إقالة رئيسها بدر النحيب مطالبة بإحالته للتحقيق بسبب مخاطبات منفردة تتعلق بفرض الضريبة دون الرجوع إلى أعضاء اللجنة، ما عمّق صورة الانقسام داخل المجلس وأثار تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار.
وفي تطور لاحق، اختتم عدد من أعضاء مجلس النواب اجتماعًا في مدينة بنغازي بتوافق على ستة بنود رئيسية، تضمنت التأكيد على بطلان أي قرار يتعلق بفرض ضرائب دون صدوره عن السلطة التشريعية وفق الأطر الصحيحة، والدعوة إلى توحيد الإنفاق العام ضمن ميزانية واحدة تخضع لرقابة تشريعية موحدة، مع التشديد على أن المصارف التجارية المرخصة هي القنوات الرسمية الوحيدة لتوزيع النقد الأجنبي وفق السياسة المعتمدة، ورفض أي إجراءات لاعتماد شركات صرافة كموزعين للنقد الأجنبي خارج الإطار المصرفي الرسمي، كما
أكد المجتمعون ضرورة معالجة اختلالات الثقة بالمصارف عبر أدوات الإصلاح المؤسسي لا بنقل الاختصاص إلى كيانات خاصة، وقرروا الشروع في تعديل اللائحة الداخلية للمجلس بما يضمن وضوح الصلاحيات وآليات عقد الجلسات وتعزيز الانضباط والشفافية، في ظل غياب رئيس المجلس عقيلة صالح عن الاجتماع، ما أضفى بعدًا سياسيًا إضافيًا على المشهد.
وفي سياق متصل، أعلن عضو مجلس النواب صالح افحيمة عقد جلسة يتصدر جدول أعمالها مناقشة سحب قرار رئيس المجلس بشأن فرض ضريبة على بعض السلع، في ظل استمرار الجدل المجتمعي والاقتصادي حول تداعيات أي أعباء مالية إضافية على المواطنين، خاصة مع تحذيرات من موجة غلاء جديدة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل بعض أوساط المجلس لحساسية المرحلة وضرورة تجنب قرارات قد تزيد من الضغوط المعيشية.
على المسار السياسي الأوسع، التقى عضو المجلس الرئاسي عبدالله اللافي بالممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة رئيسة بعثة الدعم في ليبيا هانا تيتيه، مؤكدًا أن نجاعة أي مقاربة سياسية تتطلب رؤية سيادية واضحة تراعي تعقيدات المشهد الليبي وتوازناته، وتُعلي من مبدأ الملكية الوطنية للعملية السياسية مع ضمان انخراط مسؤول وجاد لكافة الفاعلين، مشددًا على أن الجهود الأممية يجب أن تكون عامل دعم وإسناد في إطار شراكة تحترم الإرادة الليبية، وصولًا إلى حل سياسي متوازن يحفظ وحدة الدولة ويضع البلاد على سكة الاستقرار.
وبحسب ما عُرض خلال اللقاء، فإن البعثة الأممية تعتزم تشكيل مجموعة مصغرة لإنجاز خطوتين أساسيتين في خريطة الطريق، هما اختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة 6+6، مع الإشارة إلى أنه في حال تعذر التوصل إلى اتفاق سيتم توسيع دائرة المشاورات لضمان تنفيذ الخطة، في محاولة لتجاوز حالة الجمود التي أعقبت تعثر مجلسي النواب والدولة في استكمال الاستحقاقات الانتخابية.
في المحصلة، يكشف المشهد الراهن عن تداخل معقد بين صراع الصلاحيات في الغرب، والانقسام الإجرائي داخل مجلس النواب في الشرق، والضغوط الاقتصادية التي تمس حياة المواطنين، مقابل مساعٍ أممية لإعادة ترتيب المسار السياسي، وبين هذه المسارات المتوازية يبقى التحدي الحقيقي هو القدرة على تحويل الخلافات إلى حوار مؤسسي منضبط يفضي إلى توحيد المؤسسات، وتحصين القرار الاقتصادي من التجاذبات، ووضع مصلحة الليبيين فوق حسابات التنافس السياسي.