أبو مالك، محمود سلّام، لمن لا يعرفه هو أستاذ عالم في اللغة العربية، صاحب المبادرة الشهيرة «صحح لغتك»، التي أطلقها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي؛ حبّا باللغة العربية وخدمة لها؛ ملَكَ من خلالها قلوب محبي اللغة العربية في بلده مصر الحبيبة والوطن العربي بأسره، فأسرَ بها القلوب.
أسر القلوبَ بما يعلّمنا إياه من اللغة العربية، أسرارها ودقائقها، نثرها وشعرها وعروضها؛ فانهالت عليه المقابلات واللقاءات من الشرق والغرب؛ يزيدنا فيها من علمه ومعرفته وتجاربه الخاصة في هذا الميدان؛ يعزف بكل هذا على وتره الخاص، وموسيقاه الراقية، لا تفارقه الابتسامة طرفة عين، ولا عجب فهو «أبو موسيقى»! طرِبٌ بها، وبكل ما يقدمه من خدمة للغة العربية، بعدما ارتشفها رشفة بعد رشفة وتجرعها جرعة جرعة حتى الثمالة.
وأبو مالك، كما عهدته، عالم فذٌ، شاعر مُفْلِق، يتغنى بالشعر وعروض الخليل فيشفي به سقام الجهل وتباريح العليل؛ لمست فيه رحابة الصدر واتساع الأفق، لغةً ونهج حياة؛ فتراه لا يجزع من نقد ولا يهزع من فقد، يرد بابتسامته الوادعة على الناقدين وإن كانوا له من المتربصين الحاقدين. وقد نظرت في أقواله مليّا ونقدتها علميا فوجدته رفيق الدرب مغردا بأفكاره خارج السرب، فحسبك أن تراه محاضرا في «أكذوبة الضرورة الشعرية» لتعلم أنه على احترامه لأقوال المتقدمين، فهو ليس بها من المتزمتين المتعبّدين. ولما نظرت إلى ما هو عليه من التغريد، وجدتُني منه ليس ببعيد، أسيرُ معه في نهج التوسيع اللغوي بعيدا عن التزمت والتعقيد، فهذا ما لمسته فيه وصرح به لي شخصيا. كل هذا مع ما نحن عليه من المنافحة عن تراثنا الديني والثقافي والأدبي الإسلامي والعربي بلا هوادة وبلا تلكؤ، أمام تيارات الظلام من الأدونيسية وغيرها.
وقد كان من بين ما وُجّه إليه من نقد وعتب، في قوله: «دعني أشكرُكم»، رفعه المضارع في جواب الطلب؛ فوجّهَها على أن أصل الطلب قد أُكد على علَن، تقديرُ فعل شرط ماضٍ ورفع الجزاء بعده حَسَن؛ وذلك على قول ابن مالك في الألفية: «وبعدَ ماضٍ رفعُك الجزا حَسَن … ورفعُه بعد مضارع وهَنْ». وعليه يكون التقدير: «إن تركتني أشكرُكم»، والرفع في جواب الطلب يفيد ما يفيده الجزم، من أن هذا نتيجة ذاك على حدّ قوله. وأضاف صاحبنا أن توجيهها على الحالية جائز بتقدير: «دعني على حال شكري لكم».
ولما كنت من قبلها قد قتلت هذه المسألة بحثا وتدقيقا في أقوال النحاة والمحققين، ومن بينهم شرّاح الألفية وناظمها، رأيتُني واقعا بين صاحبنا «أبو مالك» وناظم الألفية ابن مالك، فيما يعتريه شيء من عدم التوافق وإن كان جزئيا؛ فأبرقت لصاحبنا الجليل برسالة في جواب الطلب، رأيت من المفيد إطلاع القرّاء على فحواها لما فيها من نكات نحوية وفوائد لغوية للمتخصصين وغيرهم من المهتمّين، قلت فيها بعد السلام والتقديم والمباركة:
«وقفت عند مقالك المعنون: «أنا خبير بأخطائي» وقرأت ما أدليتَ فيه من ردّ على من اعترض على قولك: «دعني أشكرُكم»، ولي لكم بعض التعليقات عليها:
1: على الرغم من أنني أوافق على توجيهاتك التي ذهبت إليها، من أصل الطلب والحالية، ولكني أرى أن التوجيه الأسهل والأنسب والأول لكل هذا من رفع المضارع في جواب الطلب، أو بعد الطلب- على الأدق في هذا التوجيه الذي أذكره- هو الرفع على الاستئناف. بتقدير: «دعني، فأنا أشكرُكم». فلو فحصتَ لرأيتَ أن هذا ما يذهب إليه ابن مالك في توجيهه للروايات والأحاديث المشابهة المحتملة للاستئناف في كتابه «شواهد التوضيح». وهذا ما يذهب إليه الموجهون من النحاة للآيات القرآنية المشابهة كالآيات التالية: قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا﴾ (طه 70) وقوله تعالى له: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ (طه 78). وكذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (التوبة 103)
في قراءات الرفع لها. ولا أذكر أنني رأيتهم يتحدثون في توجيه الرفع فيها عن أصل الطلب أنه شرطٌ مقدَّر، بل يذهبون إلى الاستئناف أو الوصفية أو الحالية. فما منع كل هؤلاء أن يعتمدوا توجيهكم في أصل الطلب، وهو منطبق على كل هذه الآيات والروايات، وهو القاسم المشترك بينها جميعها!؟ لا أرى لذلك سببا سوى أن ما ذهبتَ إليه من توجيه هو في الحقيقة الأبعد من بين هذه كلها. ولهذا لك أن تنظر في شرّاح الألفية عند بيت ابن مالك:
وبعدَ غيرِ النفي جَزماً اعْتَمدْ … إنْ تَسْقُطِ الفا والجزاءُ قد قُصِدْ
2: جزمك أن تقدير أصل الطلب فعل شرط ماض لا أراه دقيقا، بل يكثر تقدير الفعل مضارعا. فانظر ما يقوله الحازمي عند شرح البيت أعلاه:
«جمهور النُّحاة ذهبوا إلى أنَّ الجازم بعد الطلب هو شرطٌ مُقدَّر يعني: (إِنْ) شرطيَّة مُقدَّرة، تقديره: زرني إنْ تزرني أزرك، فـ(أزرْك) هذا مجزومٌ بـ(إِنْ) المُقدَّرة، وهذا كثير مُطَّرد..»
ولو تتبعتَ مفسري القرآن الكريم في هذا لرأيتهم كثيرا ما يقدرون المضارع وليس الماضي فحسب. ولك أن تنظر في معانى القرآن للأخفش (1/ 81)، في تقديره الماضي تارة، والمضارع تارة أخرى، في مثيل هذا من الآيات القرآنية.
لذا كان بإمكانك الاقتصار على القول إن أصل الطلب تقدير فعل شرط ـ بغض النظر إن كان ماضيا أو مضارعا- ورفع الجزاء فيه صحيح. أما القول عن الرفع بعد المضارع بأنه (وَهَن) فيقول فيه ابن مالك أيضا إنه (قليل)، وهو لا يختص بالضرورة، وحسبنا وروده في قراءة الرفع- والقراءات حجة قوية كما تعلمون- للآية: ﴿أينما تكونوا يدركُكُم الموت﴾ (النساء 79). لذا، فقلّته يجب أن لا تكون مانعا من تقديره في دعْم توجيهكم.
3: قولك إن الرفع يفيد ما يفيده الجزم، من أن هذا نتيجة ذاك، لم أجد من بين ما قرأته من يقول بذلك؛ بل واضح مما قالوه، إن قصدتَ الجزاء جزمتَ وإن لم تقصده رفعتَ. على أنه استنتاج منطقي من التوجيه الذي ذهبتَ إليه من أصل الطلب، لأن الجزاء مترتب على الشرط الذي هو الأصل. ولعل هذا ما يجعله عندي توجيها بعيدا. بيد أنني لم أبحث مطولا للتحقق من هذه الجزئية؛ فلربما احتاجت هذه القضية مزيدا من البحث منّي. وحبذا لو أطلعتني علامَ اعتمدت في قولك هذا.
فما حسبتم أن تجدوا من أبي مالك، مالك اللغة والتواضع والشيّم والخلق الرفيع من ردّ؟ فلو كان ممن تملّكهم العُجب والكِبر، لطفق مجادلا بك من أجل الجدال فقط، لا يرقب منه علما ولا حقا؛ حتى لا ينتقص من عزّته وقدر نفسه حبة خردل؛ أو لوجدته هاربا لا يفوه بكلمة، متجاهلا لا يرد ولا يسأل.
ولكن ّأبا مالك أبى إلا أن يرد بما يلي موجَزا:
«بمَ أردّ؟ هذا كلام علمي منضبط، مشفوع بالأدلة والبراهين، حريٌ بالعاقل أن ينشره ويذيعه في الناس، فضلا عن أن يتبناه، يوسّع ولا يضيّق، ينفع ولا يضر، جزاك الله عنه خيرا» (إ،ه)ـ وما كان منه إلا أن نشر هذه الرسالة على صفحته الخاصة، معترفا بها ومتبنّيا لها. فقلت: جزاك الله أنت، على ما قدّمت وفعلت، فما يضير الكبيرَ هفوةٌ هنا أو غفلة هناك؛ ونظمت فيه هذه الأرجوزة:
ماذا تَضير الأعظمين غفلةٌ لهم بها أجرٌ تراه الأعظما؟
أَبَيْتَ إلا أن تجــودَ كابــرا لا آبها لوماً وقولاً أظلما
فمثلك العدل الذي إن جئتَه تصبو لعدل إن يجدْك أسلما
يزيد أجرا كالكريم المغدق يزداد قدْرا إذ يفوقُ الأكرما
فيا ليت كل علمائنا بهذا الخلق الرفيع من التواضع ومناصرة الحق، وإن كان على حساب الأنا القاتل!
وليكن شعارُنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا، بشّروا ولا تنفروا؛ ففوق كل ذي علم عليم!