ذي نيويوركر: إغلاق إيران مضيق هرمز يعيد للأذهان أكبر فشل استراتيجي في التاريخ الحديث: “أزمة السويس”


لندن- “القدس العربي”:

 نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تقريرا أعده المعلق السابق في صحيفة “واشنطن بوست” إيشان ثارور، قال فيه إن الحملة الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران تحمل ظلال أزمة السويس في خمسينيات القرن الماضي.

 وأشار ثارور إلى قرار إيران خنق حركة المرور بمضيق هرمز، وأنه يذكر بأكبر الإخفاقات الإستراتيجية في التاريخ الحديث.

وما حدث خلال الشهر الماضي ضد إيران، هو نفسه تقريبا حدث قبل نحو سبعة عقود، عندما غزت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر، مما دفع الحكومة المصرية إلى إغلاق قناة السويس لمدة خمسة أشهر.

وقد اندلعت المواجهة في تموز/يوليو من عام 1956، عندما أمم جمال عبد الناصر، الزعيم االمصري الجذاب، الشركة الأنغلو-فرنسية التي كانت تشغل القناة منذ إنشائها عام 1869، خلال الحقبة الاستعمارية. وقد أثار هذا القرار غضب بريطانيا وفرنسا، إذ كانت القناة تنقل النفط وسلعا أخرى حيوية للاقتصاديات الأوروبية وعزمتا على استعادة السيطرة عليها.

ما حدث ضد إيران، هو نفسه تقريبا حدث قبل نحو سبعة عقود، عندما غزت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر، مما دفع الحكومة المصرية إلى إغلاق قناة السويس

وفي الوقت نفسه، رأت إسرائيل في تنامي نفوذ عبد الناصر في العالم العربي خطرا، وسعت إلى إيجاد ذريعة للقضاء عليه، واستهداف الفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا ينشطون في غزة وشبه جزيرة سيناء، الخاضعتين آنذاك لسيطرة مصر.

 وبينما أمضت الولايات المتحدة والأمم المتحدة شهورا في محاولة التوصل إلى تسوية بشأن إدارة القناة، كان كبار قادة الحكومات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية يخططون سرا لتدخل عسكري.

وبدأت العملية في 29 تشرين الأول/أكتوبر، عندما غزت إسرائيل شبه جزيرة سيناء وسحقت القوات المصرية بسرعة، ثم دخلت بريطانيا وفرنسا الحرب، متذرعتين بأنهما طرفان محايدان يسعيان إلى تهدئة التوترات. لكن قلة صدّقت ذلك، لا سيما بعد أن طالبت بريطانيا وفرنسا الدولتين المتحاربتين بالانسحاب مسافة عشرة أميال على الأقل من القناة، وهي خطوة من شأنها أن تمنح إسرائيل مساحة شاسعة من الأراضي. وقد رفضت مصر، فتبع ذلك انتشار عسكري أنغلو-فرنسي وشن غارات جوية وبحرية على المواقع المصرية وإرسال مظليين إلى بورسعيد، في الطرف الشمالي من القناة.

وبحلول 2 تشرين الثاني/نوفمبر، كان جمال عبد الناصر قد أغرق عمدا سفنا قديمة مليئة بالحطام في القناة، بهدف قطع حركة الملاحة تماما، وهي النتيجة التي ادعت بريطانيا وفرنسا أنهما كانتا تحاولان منعها. وقد أثر إغلاق القناة بشدة على بريطانيا، لاعتمادها على اتفاقيات نفطية طويلة الأمد في الخليج العربي، بعقود مقومة بالجنيه الإسترليني. وتفاقمت الضغوط الاقتصادية بفعل العزلة الجيوسياسية، حيث أدانت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الحملة العسكرية بشكل مستقل. وشعر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، قبل أيام من الانتخابات الرئاسية، بقلق من أن الفوضى في مصر ستقوض الموقف الأخلاقي للغرب ضد العدوان السوفييتي، وتمنح الكرملين غطاء سياسيا لقمع انتفاضة في المجر كانت تندلع في الوقت نفسه. وفي نهاية المطاف، انسحبت بريطانيا وفرنسا من مصر، واضطر رئيس الوزراء البريطاني، أنتوني إيدن، إلى الاستقالة. واحتفظت مصر بالسيطرة على القناة، وخرج جمال عبد الناصر بانتصار رمزي هائل على القوتين الاستعماريتين الأوروبيتين اللتين هيمنتا على الشرق الأوسط لعقود.

ويقول ثارور إنه من الصعب التنبؤ بمآلات الحرب ضد إيران، حيث تشير بعض التقارير إلى أن الرئيس دونالد ترامب قد ملّ من الصراع وربما يرغب في الخروج منه، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن إدارة ترامب تستعد لنشر قوات برية، ما يدفع الولايات المتحدة إلى مزيد من التورط في حرب أودت بحياة مئات المدنيين الإيرانيين وامتدت إلى صراع إقليمي أوسع، حيث شنت إيران ضربات انتقامية ضد جيرانها العرب، وأدت عبر إغلاقها مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

وبينما يتخبط ترامب في “صندوق باندورا” (صندوق المتاعب) الذي فتحه، تتوافر العديد من الأمثلة التاريخية للاستشهاد بها.

فهل يمكن أن ينتهي مصير إيران مثل ليبيا، حيث ساعدت حملة جوية لحلف الناتو عام 2011 في إسقاط ديكتاتورية دامت عقودا، لكنها مهدت الطريق لتفكك الدولة الليبية إلى غابة من الفصائل المتنافسة والميليشيات المتحاربة؟ أم ربما تكون حروب الولايات المتحدة مع العراق هي الدليل الأنسب؟ فقد تركت حرب الخليج صدام حسين في السلطة، لكنه أضعف وأكثر خطورة، ومصدرا لعدم الاستقرار الإقليمي لعقد آخر، وهو نمط يخشى البعض أن يتكرر في إيران، إذا خرج النظام من الحرب منهكا لكنه لا يزال متجذرا في السلطة. صحيح أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أطاح بصدام، لكنه ظل مثالا عن الغطرسة الأمريكية والحماقة الاستراتيجية.

ومع ذلك تظل أزمة السويس من أكثر الأزمات تشابها مع الأزمة الحالية.

كما حدث عام 1956 عندما أخفت فرنسا وبريطانيا عن واشنطن خططهما الحقيقية، يقول حلفاء أمريكا الأوروبيون والعرب إنهم فوجئوا بقرار ترامب مهاجمة إيران

فكما حدث عام 1956 عندما أخفت فرنسا وبريطانيا عن واشنطن خططهما الحقيقية، يقول حلفاء أمريكا الأوروبيون والعرب إنهم فوجئوا بقرار ترامب مهاجمة إيران وكانوا متشككين في التدخل، وسعوا بدلا من ذلك إلى حل دبلوماسي. وأوضح صدى لذلك، بالطبع، هو إغلاق إيران لمضيق هرمز، والذي يعكس قرار ناصر بعرقلة المرور عبر قناة السويس. وفي كلتا الحالتين، كان رد الفعل متوقعا وفشلت الأطراف المهاجمة في توقعه: “بدلا من إبقاء قناة السويس مفتوحة، أغلقها العمل [الأنغلو-فرنسي]، كما كان بإمكان أغبى محلل استخباراتي، سواء كان بريطانيا أو أمريكا، أن يتوقع” حدوثه، وهو ما كتبه مايلز كوبلاند، عميل وكالة المخابرات المركزية الشهير الذي عمل في الشرق الأوسط في خمسينيات القرن الماضي.

وقد كتب السناتور الديمقراطي عن ولاية كوينتيكت، كريس مورفي، على وسائل التواصل الاجتماعي، شيئا قريبا من هذا، بعد أن أغلقت إيران المضيق: “كان هذا متوقعا تماما، لكن ترامب فقد السيطرة على هذه الحرب”.

ولكن التشابه الأكثر قتامة عن هذه الحرب وحقيقة القوة الأمريكية، هو أن فرنسا وبريطانيا بحلول عام 1956، كانتا إمبراطوريتين في حالة تراجع. فقد تخلت بريطانيا عن ممتلكاتها الاستعمارية الرئيسية في شبه القارة الهندية، بينما تكبدت فرنسا خسائر فادحة في الهند الصينية وكانت تخوض معركة مصيرية للحفاظ على الجزائر، حيث أثبتت رسالة جمال عبد الناصر المناهضة للاستعمار تأثيرها.

 وقد أكد فشلهما في استعادة القناة على تراجع مكانتهما على الساحة العالمية.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا لا تزال تعتبر قوة عظمى ثالثة، إلى جانب الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، كما أوضحت أليكس فون تونزيلمان، المؤرخة البريطانية ومؤلفة كتاب “الدم والرمل: السويس والمجر وحملة أيزنهاور من أجل السلام”. وعلقت قائلة: “بعد السويس، تراجع هذا التصنيف بشكل كبير”، وأصبحنا نسمع “المزيد عن عالم ثنائي القطب، وما أصبح واضحا هو أن بريطانيا لم تكن قادرة على التصرف بصراحة ضد إرادة الولايات المتحدة”.

وبنفس المثابة، باتت قدرة الولايات المتحدة على التصرف كقوة مهيمنة محلا للتساؤل، وذلك حسب روز ماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة “ديفنس برايويتيز” أو أولويات الدفاع في واشنطن. وتقول كيلانيك إن اعتقاد ترامب الخاطئ بإمكانية شنّ حملة سريعة ومنظمة ضد إيران “يُظهر أن الولايات المتحدة لا تمتلك المزايا والقوة الاستراتيجية التي كانت تعتقد أنها تمتلكها والتي ربما كانت تمتلكها سابقا”. وعلى الرغم من التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي، يكافح ترامب لصد الردود الإيرانية ومنع اتساع رقعة الصراع. وتشير صور الأقمار الصناعية إلى إخلاء العديد من القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط جراء الضربات الإيرانية، ويبدو أن طهران تعتقد الآن أنها قادرة على فرض حق النقض (الفيتو) على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، رغم أنها تشترك في هذا المضيق مع جيرانها في الخليج. وفي الواقع، تجني إيران الآن ما يقارب ضعف ما كانت تجنيه قبل الحرب من مبيعات النفط اليومية، وفقا لمجلة الإيكونوميست.

 ويقول ثارور إن هذا يثير تساؤلات مقلقة حول فعالية ودور القوات الأمريكية في المنطقة. وكما قال ستيفن ويرثيم، الباحث البارز في وقفية كارنيغي للسلام الدولي: “ما جدوى الدور العسكري الأمريكي برمته في الشرق الأوسط؟ إن كان له أي جدوى، فينبغي أن يكون منع حدوث أمرٍ كإغلاق مضيق هرمز، إلا أن العمل العسكري الأمريكي لم يسفر إلا عن المشكلة نفسها التي كان من المفترض أن يمنعها”.

وهناك أوجه تشابه بالنسبة لإسرائيل التي أجبرت على الانسحاب من سيناء عام 1956، فالإنجازات التكتيكية لا تعوض غياب المكاسب الاستراتيجية.

لو قرر ترامب مواصلة الحرب، فإن أحد الفروق الرئيسية بين الماضي والحاضر، هو غياب أي قوة خارجية راغبة أو قادرة على إيقافه، كما فعل أيزنهاور مع بريطانيا وفرنسا

 وعلى الرغم من قدرة الجيش الإسرائيلي وأجهزة استخباراته في إيران، إلا أن النظام ما زال قائما، ويبدو أنه أكثر رسوخا في قبضة المتشددين الأيديولوجيين.

ولو قرر ترامب مواصلة الحرب، فإن أحد الفروق الرئيسية بين الماضي والحاضر، هو غياب أي قوة خارجية راغبة أو قادرة على إيقافه، كما فعل أيزنهاور مع بريطانيا وفرنسا. فلم يكن لدى أيزنهاور صبر يذكر على أوهام بريطانيا الإمبراطورية المتأخرة، ومارس ضغوطا اقتصادية هائلة لكبح جماحها، مانعا مساعدات صندوق النقد الدولي ومهددا ببيع سندات بريطانية مملوكة للولايات المتحدة، مما أدى إلى انهيار الجنيه الإسترليني.

وفي الوقت نفسه، حذر السوفييت بريطانيا وفرنسا من أنهم سيدرسون ضربهما بأسلحة بعيدة المدى إذا استمرت حملتهما. كما لعبت الأمم المتحدة دورا محوريا في إنهاء أزمة السويس وإدارة تداعياتها. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المؤسسة هامشية في المشهد الجيوسياسي، ويبدو أن الرئيس الأمريكي أكثر حرصا على تنفيذ أجندته متحديا الأمم المتحدة بدلا من أن يكون ملتزما بواجباته تجاهها.

ومن جانب آخر، استفادت روسيا والصين من ابتعادهما عن الصراع: فالأولى تجني المزيد من المال من مبيعات النفط، بينما تواصل الثانية تعزيز نفوذها الناعم مع تآكل مصداقية أمريكا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *