ديستوبيا قريبة عن الإنسان والتكنولوجيا


في الظاهر تبدو رواية «أخابيط» للروائية السعودية لينة الشعلان، الصادرة عن دار «رشم»، خيالا علميا، وهي في فضائها السردي كذلك، ولكنها في الصميم رواية عن الإنسان، وفطرته المهددة، عن قيمة التعاون الإنساني في زمن يدفع البشر أكثر فأكثر نحو الانعزال وراء شاشات رقمية. إنها رواية تنتصر لإنسانيتنا، ضد خطر توحشّنا لفرط اتكالنا على التكنولوجيا، واستهلاكنا المفرط للتقنية. لا تتخيل الشعلان مستقبلا بعيدا جدا، زمنيا، إذ تدور أحداث رواية «أخابيط» في مستقبل قريب تتحكم فيه الأنظمة الذكية والروبوتات بحياة البشر، حيث يعيش الناس في استهلاك مفرط وانفصال عن الواقع الحقيقي. مشهد قد أسمّيه ديستوبيا، لولا أنه إلى حد ما واقعي!

تبدأ القصة مع تماضر، امرأة بارعة في إصلاح واختراق الأنظمة التقنية، تعيش مع زوجها سامر، الذي يبدو لنا منذ السطور الأولى، رجلا أنانيا فظاً أو حتى أتخيله نرجسيا. عندما يبث التلفزيون خبرا عن اقتراب هجمات كيان غامض سمّته الشعلان «أخابيط»، تفهم تماضر فورا أن الآتي أعظم. لكن زوجها سامر، الذي اعتاد على إهانتها وهي اعتادت على التأسف منه درءاً للمشاكل، يقلل من شأن مخاوفها، مهددا إياها من مغبة الذهاب الى والدتها وأخيها لتنبيههما، وإلا فإنه سيمنعها من العودة الى البيت. هكذا إذا، منذ الصفحات الأولى لهذه الرواية التي تقع في 341 صفحة، نتعرّف على تماضر، الذكية واللماحة. نتعرف على شخصية تعرف تماما ما ستؤول إليه الأمور، (من خراب) فتقرر أن تنتفض لكرامتها، وتضرب تهديدات زوجها عرض الحائط. «لسبب ما، وبفضل التوتر والغضب المتراكم في أعماقها، استعادت تماضر عزة نفسها، وقاومت الاعتذار لسامر كما تفعل عادة لامتصاص غضبه. قاومت دفعه للباب ومشت عبر الباب المفتوح بصمت ساحبة حقيبتها وراءها وحاسوبها المكعب الصغير معلق على كتفها، وسط ذهول سامر من تصرف لم يعتده منها أبدًا». (صفحة 13)

فور خروج تماضر من المنزل، تتسارع الأحداث وتتعرض المدينة لهجوم عنيف يدمّر الأحياء ويقتل السكان. تنجو تماضر بأعجوبة وتلتقي بمجموعة من الناجين داخل مستشفى، من بينهم الجوهرة وابنها علي، أبو هيلة وابنته، محمد وزوجته الحامل سارة.
تدرك المجموعة أن التكنولوجيا أصبحت خطرًا لأنها تُستخدم لتتبع البشر، فيقررون التخلي عن الأجهزة الذكية والاعتماد على أساليب بدائية للتمويه. يساعدهم في رحلة هروبهم ومقاومتهم، اكتشافهم أن الأخابيط لا تهاجم الحيوانات ولا النباتات (ص.33 / ص.46)
بإيقاع سريع، وأسلوب مشوق لا يخلو من الأكشن على الطريقة السينمائية، ننتقل مع بطلة الرواية وأصدقائها من مكان إلى آخر وصولا إلى ملاذ آمن.

لكن الرواية ليست أحداثا سريعة فقط، عن روبوتات ذكية متوحشة تهاجم البشر للسيطرة عليهم، إنما تطرح تساؤلات ومسائل أعمق من ذلك: عن قيمة الإنسان والخوف والبقاء وخطر الاستهلاك المفرط للتقنيات. عن الحقيقة الزائفة، التي من فرط تكرارها، تصبح حقيقة قابلة للتصديق. «وهكذا تعرضت الحقائق للتمويه، إذ امتزجت المعطيات المزيفة بأشباه الحقائق وأصبح استخلاص الحقيقة عملية بالغة الصعوبة» (صفحة 79).

تكشف الكاتبة في روايتها «أخابيط» عن عالم قاسٍ خارج المدن: جماعات تعيش على هامش الحضارة، استغلال النساء، العنف، وانهيار القيم الإنسانية، كما في مأساة سارة التي تموت أثناء الولادة نتيجة الجهل والقسوة. لا تهاجم لينة الشعلان التقنيات الحديثة، كيف ذلك وهو الذكاء الاصطناعي ما أنقذ البلاد من الأخابيط! وإنما هي تدعو الى استخدام التكنولوجيا بحكمة من دون الانزلاق الى المناطق الرمادية أخلاقيا. هذا ما نفهمه ما بين سطور هذه الرواية على طول خط السرد. فالبطلة تماضر نفسها أساءت مع أخيها عثمان استخدام الذكاء الاصطناعي (سنام، ثم عبية) لتحقيق مكاسب مالية سريعة، كما ان غرورها تسبب في الكشف عن مواقع جغرافية أمام الأخابيط، ما أدى إلى تدمير العاصمة، حين «صوّر لها غرورها أنها تستطيع مجابهته لوحدها»، (صفحة 222). نتيجة هذه السقطات الاخلاقية في استخدام التكنولوجيا الحديثة، تندم تماضر «انهمرت دموعها ندماً على الدمار الذي طال مدينتها وكانت هي من تسبب في حدوثه.. بل (هي) من دمرت نفسها منذ رأت بعينيها قدمي والدتها الخالية من الحياة تحت أنقاض ما كان يوماً بيتها» (صفحة 222)؛ وخصوصا بعد اكتشافها بأنها هي من تسبب في مقتل زوج صديقتها «إنها تغوص في دوامة الإحساس بالذنب والندم، وتمنت لو أنها تستطيع شنق نفسها بحبل أفكارها». (صفحة 224). وللتكفير عن ذنوبها الكارثية، تقرر تماضر الاستعانة ايضا بالذكاء الاصطناعي ولكن بحكمة هذه المرة. في اختيارها لشخصيات روايتها، تمنحنا لينة الشعلان الوصفة المثالية لإنقاذ البشرية: القوة والوعي (تماضر) الحكمة والرأفة (الجوهرة) الخبرة والإيمان بالطبيعة (أبو هيلة).

«أخابيط» رواية عن الذكاء الاصطناعي، ولكنها تنحاز الى الإنسان وفطرته النقية، لان «خبرة البشر عميقة، وخبرة الآلات واسعة فقط». (صفحة 196). هي رواية تتأمل في السلطة، والمسؤولية وحدود الذكاء الاططناعي مقابل الحكمة البشرية، فـ»الحدس هو طريقة البشر في معالجة ملايين النقاط البيانية التي جمعت عبر العمر كله».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *