دولة على حافة السيادة في حرب الآخرين


في لحظة إقليمية مشحونة إلى أقصى درجاتها، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب عاصفة، لا يملك قرار الدخول فيها ولا أدوات الخروج منها. فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، لم تعد مجرد صراع إقليمي بعيد، بل تحوّلت إلى واقع يومي داخل الجغرافيا العراقية، حيث تتقاطع الصواريخ مع الحسابات السياسية، وتتقاسم السيادة قوى متعددة لا تخضع جميعها لسلطة الدولة. المفارقة الأكثر وضوحا اليوم هي أن العراق دخل الحرب عسكريا، من دون أن يدخلها سياسيا.
فالسلاح يتحرك، والقواعد تُستهدف، والبعثات الدبلوماسية تُقصف، بينما الحكومة العراقية لا تزال تصدر بيانات تؤكد أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة، في وقت تُظهر فيه الوقائع، أن هذا القرار موزّع فعليا بين أطراف متعددة. هذه الازدواجية، التي كانت في السابق جزءا من تعقيدات النظام السياسي، تحوّلت اليوم إلى أزمة بنيوية تهدد كيان الدولة ذاته.
فالعراق لا يواجه فقط تحديا أمنيا، بل يعيش حالة «تفكك سيادي» حقيقي، حيث لم تعد الحدود بين الدولة واللا دولة واضحة. فالفصائل المسلحة التي نشأت – حسب إدعائها – في سياق مقاومة الاحتلال، ثم تعززت مكانتها بعد حربها ضد تنظيم الدولة (داعش) 2014، لم تعد مجرد قوة موازية، بل أصبحت فاعلا مركزيا يمتلك قرار الحرب، ويتحرك ضمن شبكة إقليمية تتجاوز حدود العراق. ومع اندلاع الحرب الحالية، انتقلت هذه الفصائل من حالة التموضع إلى حالة الاشتباك المباشر، عبر هجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف أمريكية وغربية، داخل العراق وخارجه. في المقابل، لم يعد الرد الأمريكي والإسرائيلي محصورا خارج الحدود، بل دخل إلى العمق العراقي بشكل واضح. الضربات الجوية التي تستهدف مواقع الفصائل، بما في ذلك مواقع تابعة للحشد الشعبي، تعكس انتقال العراق من ساحة خلفية إلى ساحة مواجهة مباشرة. وهنا تتكثف الأزمة: الدولة تجد نفسها في موقع المتلقي للضربات من طرفين، من دون أن تمتلك القدرة على ضبط أحدهما أو ردع الآخر.

الدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تملك قرار الحرب، ولا تستطيع حماية البعثات الدبلوماسية أو المنشآت الحيوية على أرضها، تفقد أحد أهم مقوماتها الأساسية، أي السيادة

هذا الوضع يضع الحكومة العراقية أمام معادلة شبه مستحيلة. فهي مطالبة، من جهة، بالحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي لا تزال تمثل شريكا أمنيا واقتصاديا مهما، وتملك أدوات ضغط حقيقية، من العقوبات إلى التحكم بالنظام المالي. ومن جهة أخرى، تواجه ضغطا داخليا من قوى سياسية وفصائل مسلحة ترى في المواجهة مع الولايات المتحدة جزءا من معركة أوسع تقودها إيران في المنطقة.وبين هذين الضغطين، تتحرك الحكومة في مساحة ضيقة للغاية، تحاول فيها امتصاص التصعيد، من دون أن تنجح في وقفه، فالإجراءات التي تعلنها، مثل ملاحقة مطلقي الصواريخ، أو ضبط منصات الإطلاق، تبدو محدودة التأثير، لأنها تصطدم بواقع أن هذه الفصائل ليست مجرد مجموعات خارجة عن القانون، بل هي جزء من منظومة سياسية وأمنية معقدة لها حصتها من الدولة، وتمتلك غطاء سياسيا وشعبيا في بعض الأحيان.
الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى داخل البنية السياسية نفسها، فالنظام السياسي العراقي، القائم على التوافق والمحاصصة، لم يُصمم للتعامل مع أزمات وجودية بهذا الحجم. ومع تصاعد الحرب، انكشفت هشاشة هذا النظام، الذي بدا عاجزا عن إنتاج موقف موحد، أو حتى خطاب سياسي متماسك، بل إن حالة الجمود السياسي، التي سبقت الحرب، تعمقت معها، حيث انشغلت القوى السياسية بصراعاتها الداخلية، في وقت كانت فيه البلاد تنزلق تدريجيا نحو قلب الصراع الإقليمي. ويأتي تعثر تشكيل الحكومة العراقية ليضاعف من عمق الأزمة، إذ تتزامن لحظة الحرب مع فراغ سياسي فعلي، ووضع شبه مشلول في بنية القرار التنفيذي. فالقوى السياسية التي اعتادت إدارة خلافاتها ضمن إيقاع بطيء، تجد نفسها اليوم أمام استحقاق عاجل لا يحتمل التأجيل، لكنها عاجزة عن إنتاج تسوية. لم يعد الخلاف يدور فقط حول توزيع الحقائب أو توازنات الكتل، بل حول طبيعة المرحلة نفسها: هل تتطلب حكومة قوية قادرة على فرض إيقاع أمني صارم، أم حكومة توافقية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي؟ هذا السؤال لم يُحسم، لأن كل طرف يقرأ الحرب من زاويته الخاصة، ويربط شكل الحكومة بموقعه في معادلة إقليمية متغيرة. وفي ظل هذا الانقسام، تحوّل ملف تشكيل الحكومة إلى امتداد للصراع، لا وسيلة لمعالجته. بعض القوى تراهن على تطورات الخارج لفرض مرشحها أو شروطها، فيما تخشى أخرى أن يؤدي أي حسم داخلي سريع إلى استعداء أطراف إقليمية أو دولية. وهكذا، يصبح الزمن السياسي العراقي أبطأ من زمن الحرب، ما يترك البلاد بلا قيادة تنفيذية متماسكة قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة، في لحظة هي الأكثر حاجة إلى وضوح القرار وسرعة الاستجابة. هذا العجز السياسي يتقاطع مع انقسام داخل البيئة الشيعية نفسها، التي تشكل العمود الفقري للنظام. فبينما ترى بعض القوى ضرورة ضبط الفصائل وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، تعتبر قوى أخرى أن هذه اللحظة هي اختبار وجودي، وأن التراجع يعني خسارة موقع العراق ضمن محور إقليمي أوسع. هذا الانقسام لا يعطل فقط القرار السياسي، بل يجعل أي محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والسلاح محفوفة بمخاطر تفكك داخلي.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز عامل آخر يزيد من تعقيد الأزمة، وهو الاقتصاد. فالعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، يجد نفسه في مواجهة صدمة مزدوجة: من جهة، تهديد مباشر للبنية التحتية النفطية نتيجة الهجمات، ومن جهة أخرى، اضطراب في منافذ التصدير بسبب التوترات في الخليج. ومع غياب بدائل حقيقية لتصدير النفط خارج الممرات التقليدية، يتحول الاقتصاد العراقي إلى رهينة مباشرة للتطورات العسكرية في المنطقة. ولا يقتصر التأثير على النفط فقط، بل يمتد إلى مجمل البيئة الاقتصادية. فالتصعيد الأمني يؤدي إلى تراجع الاستثمار، وتعطيل المشاريع، وزيادة كلفة التأمين والنقل، ما ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين. وهكذا، تتحول الحرب من حدث إقليمي إلى أزمة معيشية داخلية، يدفع ثمنها المواطن العراقي البسيط، الذي يعيش وضعا لم يتعافَ أصلا من أزمات متراكمة سابقة.
في هذا السياق، يمكن فهم السلوك الحذر، بل المتردد، للطبقة السياسية العراقية، التي تبدو وكأنها تراهن على عامل خارجي يعيد ترتيب المشهد. فالكثير من القوى تفضل الانتظار، مراقبة ما ستؤول إليه الحرب، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير في ميزان القوى الإقليمي، قبل أن تحسم خياراتها. لكن هذا الرهان يحمل في طياته مخاطرة كبيرة، لأن استمرار الحرب يعني مزيدا من الانكشاف، ومزيدا من تآكل قدرة الدولة على التحكم بمسار الأحداث. الأخطر من ذلك أن العراق لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أصبح جزءا من آلية هذا الصراع، فالهجمات التي تنطلق من أراضيه، والضربات التي تستهدفه، تجعل منه حلقة أساسية في سلسلة المواجهة الإقليمية، وهذا يضعه في موقع لا يُحسد عليه: فهو ليس لاعبا قادرا على التأثير، ولا دولة محايدة يمكنها الابتعاد، بل ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى.
ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل فكرة الدولة تدريجيا، فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تملك قرار الحرب، ولا تستطيع حماية البعثات الدبلوماسية أو المنشآت الحيوية على أرضها، تفقد أحد أهم مقوماتها الأساسية: السيادة. ومع كل هجوم، وكل ضربة، يتعمق هذا التآكل، ليطرح سؤالا جوهريا حول مستقبل الكيان السياسي نفسه. ورغم كل ذلك، لا يزال هناك هامش، وإن كان ضيقا، لإعادة ترتيب المشهد. فالتجربة العراقية أثبتت أن الأزمات الكبرى يمكن أن تفتح نافذة لإعادة التفكير في بنية النظام، وفي العلاقة بين الدولة والفصائل، وفي موقع العراق في الإقليم. لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة طويلا، خاصة إذا استمرت الحرب في التصعيد، وتحولت إلى مواجهة طويلة الأمد.
في النهاية، لا تكمن مأساة العراق في أنه يتأثر بحروب الآخرين، بل في أنه لم ينجح بعد في أن يكون خارجها. فبين ضغوط الخارج وتناقضات الداخل، يقف العراق على حافة معادلة معقدة، حيث كل خيار يحمل كلفة عالية، وكل تأجيل يزيد من صعوبة الخروج. في زمن الحروب الكبرى، ليست الأخطار حكرا على الدول التي تقاتل، بل تتجلى بصورة أشد في تلك الدول التي تدور رحى الحروب على أرضها، فيما تغيب عنها القدرة على تقرير مسار الصراع أو التحكم في مآلاته.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *