دراسة رسمية صادمة تكشف واقع إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة



عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي»: تحوّل تخليد المغرب لمناسبة «اليوم الوطني للأشخاص في وضعية الاحتياجات الخاصة» إلى محطة للمساءلة، خاصة بعد عرض نتائج دراسة ميدانية وصفت بـ«الصادمة»، أنجزتها مؤسسة «وسيط المملكة» (مؤسسة رسمية) بشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي والمرصد الوطني للتنمية البشرية.
الدراسة التي تمحورت حول مفهوم «الإدارة المواطنة»، وضعت الإدارات العمومية أمام امتحان حقيقي، حول مدى التزامها بقيم العدالة والكرامة. وتأتي في سياق يرفع فيه المغرب شعار «الدولة الاجتماعية» كخيار استراتيجي للمرحلة المقبلة، لتعيد ملف الأشخاص في وضعية الاحتياجات الخاصة إلى صدارة النقاش العمومي والحقوقي.
وخلال تقديمه لنتائج الدراسة، وصف وسيط المملكة، حسن طارق، وضع هذه الفئة داخل بعض الإدارات بـ«غير المرئي»، في إشارة إلى حجم التهميش الذي تعانيه. واعتبر أن هذا الوضع لا يمثل فقط خللا تقنيا، بل يؤدي أيضا إلى تراجع الثقة في المرافق العمومية، مؤكدا أن نجاح الإدارة في أداء دورها يرتبط بمدى قدرتها على خدمة جميع المواطنين بدون استثناء، وفق مقاربة قائمة على الحقوق، وليس على منطق الإحسان.
وفي كلمته خلال لقاء احتضنته مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط، شدد المسؤول المغربي على أن مسألة «الولوج إلى المرافق العمومية» لا تقتصر على الجوانب التقنية أو الهندسية، بل ترتبط أساسا بحقوق المواطنة الكاملة. وأوضح أن الأرقام والإحصاءات، رغم أهميتها، لا تعكس بشكل كامل معاناة الأشخاص في وضعية احتياجات خاصة عندما يجد أحدهم نفسه غير قادر على دخول إدارة عمومية بسبب عوائق بسيطة، مثل غياب منحدر أو مصعد.
وكشفت الدراسة عن مجموعة من الاختلالات على مستوى الواقع العملي. فقد تم تسجيل تحسن نسبي في تهيئة مداخل بعض الإدارات، لكنه ظل محدودا، إذ تغيب التجهيزات الضرورية داخل المرافق، مثل المراحيض المهيأة أو الإشارات التوجيهية المناسبة. وهو ما يجعل عملية الولوج غير مكتملة، ويحد من استفادة الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة من الخدمات بشكل فعلي.
كما أظهرت النتائج ضعفا واضحا في تأطير هذا الملف داخل المؤسسات العمومية، حيث إن 26 في المئة فقط من الإدارات تتوفر على وثائق تنظيمية خاصة بالولوج، وهي النسبة نفسها تقريبا للإدارات التي خصصت مصالح لمتابعة هذا الموضوع. ويعني ذلك أن التعامل مع قضايا الإعاقة لا يزال يعتمد في كثير من الأحيان، على مبادرات فردية، وليس على سياسة مؤسساتية واضحة ومستدامة.
وعلى صعيد التحول الرقمي، أفادت الدراسة بأن 47.5 في المئة من الإدارات تقدّم خدمات عبر الإنترنت، غير أن 10 في المئة فقط منها تراعي شروط الولوج بالنسبة للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويطرح هذا الوضع تحديا كبيرا، إذ قد تتحول الرقمنة، التي يفترض أن تسهّل الخدمات، إلى عائق جديد إذا لم يتم تصميمها بشكل يراعي مختلف الفئات.
وفيما يتعلق بالموارد البشرية، أبرزت الدراسة وجود نقص في التكوين، حيث إن 21.4 في المئة فقط من الموظفين تلقّوا تدريبا على طرق التواصل مع الأشخاص في وضعية إعاقة، مثل لغة الإشارة. ويعكس ذلك الحاجة إلى تعزيز التكوين، خاصة في ظل استمرار بعض التصورات الاجتماعية التي تنظر إلى الإعاقة من زاوية المساعدة، بدل التعامل معها كحق من حقوق المواطنة.
كما أظهرت الدراسة ضعف اللجوء إلى آليات التظلم، حيث لا تتجاوز نسبة الشكاوى المقدمة من هذه الفئة 2.11 في المئة سنويا. ولا يعكس هذا الرقم بالضرورة رضا المعنيين، بل يشير إلى صعوبات في الوصول إلى هذه الآليات، خاصة في الأرياف، إضافة إلى ضعف الثقة في فعاليتها.
وفي مقابل هذا التشخيص الرسمي، أكد الفاعل المدني عز الدين أوحنين أن موضوع الإعاقة في المغرب سيظلّ يراوح مكانه، ولن يعرف تحولا حقيقيا، إلا إذا فرضت التحولات الواقعية نفسها بقوة، أو جرى إخراجه من دائرة المناسباتية الضيقة التي تحصره في أيام وطنية ودولية عابرة. ويرى أن التعامل مع هذا الملف لا يزال رهين لحظات موسمية، بدل أن يتحول إلى ورش مجتمعية دائمة، قائم على إرادة سياسية واضحة ومسؤولة، تشارك فيها الأحزاب والحكومة ومختلف المؤسسات المعنية. وأضاف، في تصريح لـ «القدس العربي»، أن اليوم الوطني للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، رغم أهميته الرمزية، لا يعدو أن يكون مناسبة سنوية يتم خلالها استعراض الاختلالات التي تعانيها هذه الفئة، بدون أن يصاحب ذلك تفعيل فعلي للحلول. وأشار إلى أن الإدارة المغربية تظهر قدرة كبيرة على تشخيص الأعطاب وتوصيف الإشكالات، لكنها في المقابل تعاني من ضعف واضح في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، وهو ما يكرّس حالة الجمود التي يعرفها هذا الملف.
وشدد أوحنين على أن الحلول ليست غائبة أو معقدة، بل هي معروفة ومتداولة، وتتمثل أساسا في الالتزام الجدي بالاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، إلى جانب التفعيل الصارم للقوانين الوطنية ذات الصلة. ويرى أن هذا الالتزام، إذا تم بشكل فعلي، يمكن أن يشكل مدخلا أساسيا لمعالجة ما وصفه بـ«الوضعية غير السليمة» التي يعيشها الأشخاص في وضعية خاصة.
كما أشار المتحدث إلى أن غياب هذا الملف عن صلب البرنامج الحكومي يعكس محدودية الاهتمام السياسي به، رغم طابعه الحقوقي والإنساني. واعتبر أن ما تحقق من مكتسبات في هذا المجال يعود، في جزء مهم منه، إلى المبادرات الملكية، إضافة إلى الجهود المتواصلة التي يبذلها المجتمع المدني، الذي يواصل الترافع من أجل إدماج حقيقي لهذه الفئة داخل المجتمع.
وخلص أوحنين إلى أن تجاوز الوضع الحالي يقتضي الانتقال من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق السياسات العمومية المندمجة، التي تضع قضايا الإعاقة في قلب الاهتمامات، وتتعامل معها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من مشروع العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة.

محدودية أثر القوانين

من جهتها، انتقدت «الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب» ما وصفته بـ «محدودية أثر القوانين المتعلقة بالإعاقة، رغم أهميتها». وأكدت في بيان لها أن هذه القوانين لم تنعكس بشكل واضح على الواقع، بسبب غياب إرادة سياسية كافية لتفعيلها ضمن السياسات العمومية. وحسب الجمعية، فإن التعاطي الرسمي مع هذا الملف لا يزال يركز على إصدار القوانين بدون توفير شروط تطبيقها، سواء من حيث التمويل أو إصدار النصوص التنظيمية اللازمة. واعتبرت أن هذا الوضع لا يمكن تفسيره فقط بصعوبات إدارية، بل يعكس ضعفا في الالتزام بتنفيذ هذه الإصلاحات، خاصة في القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للأشخاص في وضعية احتياجات خاصة.
كما طالبت بتقديم دعم مالي مباشر يأخذ بعين الاعتبار التكاليف الإضافية التي تتحملها هذه الفئة، إلى جانب تسريع تنفيذ برامج التعليم الدامج، من خلال توفير موارد بشرية مؤهلة ومناهج مناسبة. وفيما يتعلق بالنقل، شددت على ضرورة مراجعة التخفيضات الممنوحة، وإلغاء شرط المرافق في الحالات غير الضرورية، وتبسيط الاستفادة من بطاقات التخفيض.
ولم تغفل الهيئة مسألة التشغيل، حيث أشارت إلى وجود صعوبات تحد من تكافؤ الفرص داخل الإدارات، مطالبة بتوفير التجهيزات اللازمة، وتسهيل ظروف العمل، وتطبيق الإجراءات التي تضمن استقرار الموظفين في وضعية احتياجات خاصة بالقرب من أماكن سكنهم.
واختتمت الجمعية بيانها بالتأكيد على أن قضايا الإعاقة لا تزال تحظى باهتمام محدود ضمن السياسات الحكومية، داعية إلى الانتقال من مرحلة الإعلان عن القوانين إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع إشراك الجمعيات المعنية في إعداد السياسات، والتأكيد على أن تحقيق الكرامة يتطلب إجراءات ملموسة، وليس مجرد شعارات.
أما «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان»، فقد أكدت في بيان بالمناسبة ذاتها أن نتائج الدراسة المنجزة من طرف مؤسسة «وسيط المملكة» تعكس الحاجة إلى تغيير طريقة التعامل مع هذا الملف داخل الإدارة، مشددة على أن الولوج إلى الخدمات العمومية حق دستوري يجب ضمانه للجميع، وداعية إلى إدماج قضايا الإعاقة في مختلف السياسات العمومية بدل التعامل معها كملف منفصل.

الفجوة الإقصائية

وسبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية) أن سجل استمرار ما وصفه بـ«الفجوة الإقصائية» بين الترسانة القانونية المتقدمة نسبيا والواقع العملي الذي يعيشه الأشخاص في وضعية احتياجات خاصة. وأوضح أنه في الوقت الذي يقر فيه الدستور المغربي ومجموعة من القوانين التنظيمية بحقوق هذه الفئة، يلاحظ المجلس أن تنفيذ هذه الحقوق على أرض الواقع ما يزال يواجه عراقيل مؤسساتية وإدارية متعددة.
وخصص المجلس حيزا وافيا للأشخاص في وضعية إعاقة ضمن تقريره السنوي الجديد، حيث قدم تقييما نقديا لواقع السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة. وأكد أن المغرب يعيش مرحلة مفصلية في تدبير ملف الإعاقة، تتسم بانتقال تدريجي من مقاربة تقليدية ذات طابع طبي إلى مقاربة حقوقية شمولية تستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فبينما كانت السياسات العمومية في السابق تنظر إلى الشخص في وضعية إعاقة باعتباره موضوعا للرعاية الطبية أو الاجتماعية، أصبح ينظر إليه اليوم باعتباره مواطنا كامل الحقوق، وأن الإعاقة ليست مجرد قصور فردي، بل نتيجة تفاعل بين هذا القصور والحواجز البيئية والمؤسساتية والاجتماعية التي تحد من المشاركة الكاملة في المجتمع.
وكانت هيئات حقوقية ومدنية مغربية استنكرت توقّف خدمة «الدعم التربوي والاجتماعي الموجهة للأطفال في وضعية احتياجات خاصة» التي كانت تشرف عليها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.
وحذرت من أن هذا التوقف «ستكون له تداعيات خطيرة تهدد حقوق 30 ألف تلميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة ومعهم 9 آلاف من العاملين الاجتماعيين».
وحمّلت الهيئات الحقوقية والجمعوية (المرصد المغربي للتربية الدامجة، والجامعة الوطنية للنساء العاملات في مجال الإعاقة، والمنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، إضافة إلى الاتحاد المغربي للجمعيات العاملة في مجال الإعاقة) كامل المسؤولية لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة وكاتب الدولة في الإدماج الاجتماعي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *