دبلوماسية بلا أدوات… أم أدوات بلا دبلوماسية؟


راقني هذا العنوان الذي عرضته عليّ صحافية أجرت معي مقابلة حول الزاوية الدبلوماسية من الصراع الإسرائيلي- الأمريكي على إيران. راقني هذا العنوان لأنه سمح لي بالعودة إلى نقطة أساسية، لا دبلوماسية بلا أدوار، وبالطبع، لا أدوار بلا أدوات.. ولا أدوار بلا توزيع للأدوار. وهنا بيت القصيد، وأنا هنا أحدده منذ بداية هذا المقال، وهو أن كل مسعى دبلوماسي، كان بالإمكان تفعيله على مختلف جبهات الصراع بات محل مصادرة من حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
من المعروف أن إيران كانت مستعدة للقيام بتنازلات نوعية لواشنطن في المفاوضات بينهما لولا اعتراض إسرائيل مرتين: اعتراضها أصلا على المضي بمسلسل التفاوض قدما، بالإضافة إلى اعتراضها أيضا لكل مسعى يعتمد على الوساطة لتجنب الصراع.
كلنا كنا على علم بأن إيران كانت مستعدة استعدادا جادا للتوصل إلى حل بخصوص «صفر التخصيب» المطلوب منذ زمن بعيد، وكلنا كنا على علم أيضا بأن إيران كانت جاهزة للخوض في مفاوضات بخصوص الحد من الصواريخ الباليستية، وكلنا كنا على علم بأن إيران كانت على استعداد للبحث في موضوع التوقف عن خوض الصراع عبر وكلائها. هذه المحاور كانت المحاور التي تصر الإدارة الأمريكية على مناقشتها. وكلنا كنا على علم بأنها كانت قد وجدت أطرافا إيرانية صاغية عملا بعدم نية الإدارة الأمريكية الجديدة خوض صراع عسكري جديد، وعملا أيضا بإرساء فارق الرؤية الجوهري الذي يفصلها عن إسرائيل: الحصول على ضمانات حول الملفات العالقة للعودة إلى منطق الصفقات والبورصة والأسواق، مقابل تدمير كامل جارف «وبعدي الطوفان».. وقد تغلب منطق «وبعدي الطوفان» فعلا.

كل مسعى دبلوماسي، كان بالإمكان تفعيله على مختلف جبهات الصراع بات محل مصادرة من حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية اليمينية المتطرفة

هنا لم يعد بالإمكان حتى الحديث عن فصل الخيار العسكري عن الخيار الدبلوماسي، لقد أصبح الخيار الدبلوماسي نجما آفلا، لذا فإن من يتحدث عن أن ترامب بإمكانه أن يعلن عن نهاية الحرب في أي لحظة ليس بعيدا عن الصواب، ولهذا أيضا لم يعد بالإمكان أن نتحدث عن دبلوماسية الحوار، علامات التغيير ليست مجرد فتح الجبهات، التي تبعد مسلسل التفاوض من المعادلة، بل في استخدام لغة القوة كمعيار أساسي لترجمة الأفعال. وهنا وإن لم نكن قد بلغنا نقطة اللاعودة، لأن التفاؤل من سمات العمل الدبلوماسي، نكون قد بلغنا بالتأكيد ترجمة واقعية لفشل حتى تنفيذ البرمجية التقليدية للتدخل الخارجي، فلغة الإدارة الأمريكية تغيرت، لم نسمع المسؤولين الأمريكيين يتحدثون هذه المرة عن «تغيير النظام»، بل سمعنا هذا الكلام الغريب من الرئيس الأمريكي عن «توفير الأرضية المناسبة للشعب حتى يتمكن من إحلال حكم جديد»، وكأن الواقع الإيراني يمكن مقاربته بهذه الطريقة.. طريقة تضرب عرض الحائط التسلسل الهرمي للحرس الثوري على شكل خلية النحل، التي لا يمكن أن يطالها التغيير إلا من الداخل.
السيناريو الحالي ذهب بعيدا في الغموض، بل حاول أن يجعل الغموض إجرائيا، أمريكيا، بترك الحبل على الغارب، لكنه حبل سرعان ما تلقاه الإسرائيليون بزعامة حكومتهم المتطرفة التي عطلت أدوات الدبلوماسية إلى أن ترث إسرائيل حكومة جديدة.
هنا، لم يعد بالإمكان الحديث عن دبلوماسية بلا أدوات، بل وجب الحديث عن أدوات بلا دبلوماسية. فلم تعد تلك الأدوات التي كانت تتركز في الأطراف الفاعلة للوساطة، أطرافا مكونة للمنهجية التي كان من المفروض اتباعها بعد معاهدة فيينا لعام 2015. هنا، تارة نسمع من ترامب لغة الوعد والوعيد («إذا ما لم تتم إعادة فتح مضيق هرمز في غضون الثمانية والأربعين ساعة ستقوم الدنيا ولن تقعد)، وتارة أخرى نسمعه «يفاوض» «متحدثا مجهولا» ويقول «الاتفاق وشيك».
بعد سماعها هذا الكلام، أستحضر كيف رفعت أستاذة السوسيولوجيا الفرنسية – الإيرانية أزاده كيان عينيها إلى السماء، في هذا البرنامج، الذي ذكرت فيه أن «إيران يسيرها حوالي 2870 شخصا»، لافتة إلى التركيبة الهرمية للحكم التي لا يمكن في حال من الأحوال أن تحتمل مقاربة شبيهة بمقاربة الواقع الفنزويلي مثلا.
مرة أخرى، إذا ما أريد للدبلوماسية أن تكون فاعلة، فليس المطلوب منها أن تكون بأدوات، بل المطلوب أن تصقل أدواتها وفق السياق الملائم.
هنا، يعتبر ترك المجال بلا حدود وقيود لإسرائيل في لبنان أكبر علامة فشل لأي باكورة عمل دبلوماسي جديد. وعندما نسمع لغة إيران التصعيدية على نحو غير مسبوق، بالتركيز على «الخداع» «فقدان الثقة»، في وقت بدأنا فيه تلمس آثار ارتهان تسويق الطاقة بلغة القصف وهلامية التصريحات، فقد باتت فعلا أدوات العمل أقرب إلى التعطل من أي وقت مضى. والأيام بيننا.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *