لم يسأل الحصان عن نهاية الطريق
سعيدا كان يعدو وظلّه معه
مرة يتبعه ومرة يسبقه
لكنه لم يقل له مرة: أرجوك أن تتمهل.
أما الرياح التي تراقبهما من بعيد
فلم تعد تعرف أيهما ابنها
الظلّ أم الحصان
….
لم يكن ضجرًا حين عدا
لقد مرَّت الفرس وتلعثم الصهيل
لم يكن جائعا وهو يعض التفاح
كان يريد أن يعرف إن كان نضج
….
طائرا يحلّق الحصان في المدى
غير خائف من أن يتعثر، فأمّه الريح
….
لم يعرف المُهْر إلى أي شيء كان يشتاق
قبل أن يولد في ذلك السّهل
الخيول حوله تصهل بلا انقطاع
والأرض تقول له انهض
وكأنها أمّه الثانية.
….
هادئا تحت المطر يقف الحصان
كما لو أن السماء أمّه الثالثة
….
تربِّتُ على ظهره الأغصان
كلّما مرّ في الغابة
فتتساقط الأوراق دمعات.
البحيرة تتأمّله راكضا، فتتقافز نحوه قطرات الماء.
سعيد ذلك الذي تحتضه ثلاث أمّهات.
…
همسةٌ أم صرخةٌ هذا الصهيل
في الحبِّ وردةٌ وفي الحرب نواح
وبينهما عاشقة تتساءل
أأنتظر الفارس حقًا؟ أم أنتظر الحصان؟
….
لم تكن الخيول بحاجة للفرسان
الأفق هو البداية دائما، والعالم كلّه طريق
….
الريح خلف شجرة الزيتون تختبئ
مبتسمة تراقبه من بعيد
فجأة يتوقف في منتصف السهل
رافعا أذنيه متحسسًا الفضاء
كما لو أنه يسمع اسمه للمرّة الأولى
….
بين عينيه تنام مطمئنة هناك.. بقعةٌ بيضاء
قبلةُ الليل نجمة فوق ذلك الجبين.
….
أثر الغيمة شجرة، وأثر الحصان طريق
لكن خيارات العابرين لم تزل صعبة!
….
قرب النهر يتوقف صبحًا
والنهر يسأله: أين التقينا؟
تحت أجنحة النسر يعدو
والنسر يسأله: أين التقينا؟
أمام الشمس الغاربة يتوقف طويلا
اتركي لملامحي بعض الضوء
كي لا يسألني الليل من أنت؟
….
قبل العصافير ينهض
قبل صياح الديوك
قبل «صباح الخير»
يخطو خطواته الأولى
مراقبا ظلّه يتعلم المشي بفرح.. خلفه
….
لا ينتظر الحكايات أن تأتي إليه
لا ينتظر العاصفة أن تهب
لا ينتظر اخضرار السهل ولا ثورة البحر
ولا شقائق النعمان كي تتفتح
فكل شيء فيه
….
كم مرة تعثر هذا الحصان
لم يعد يذكر الآن
كم مرة نهض
العالم كلّه حُفَر.. لكنه لم يكن يعرف الخوف
يتابع فراشة تطير ليتعلم حكمة الجناح
….
لا يسابق ظلّه
يسابق الضوء الذي يغمر ظهره
لا يحسد المدى، لأنه سيبلغه
لا يحسد الفارس على شيء
فلولاه لن يصل إلى أي شيء
يلاحق غيمة في السماء
كي ينسى الأرض أحيانا
….
ليس وحيدا على قمة التل كان
حديثه مع الريح لا ينتهي
والغيوم تقول له لا تخشَ النهايات
فبداية الحكاية أنت.. دائما
….
كلما تعثر، ابتسم التراب تحت حوافره
كلما أغفى
رأته النجوم قمرًا على الأرض
كلّما مرّ بجانب الغابة نادته الظلال
كم هي عطشى لحكاية عما وراء الجبل
….
للحصان أكثر من ظلّ
ظلٌّ له، وظلٌّ لصهيله
وظلٌّ لأجنحته الخفية
لا يعدو إلّا ليسبق الوقت