عمان- «القدس العربي»: إن ورود اسم محطتين لتوليد الكهرباء في الأردن ضمن قائمة تضمن 11 محطة عربية أعلنت طهران أنها ستضربها إذا ضربت المحطات الكهربائية الإيرانية بواسطة الأمريكيين، يوحي بأن الخط الدبلوماسي الذي سبق أن فتح بين وزيري الخارجية أيمن صفدي وعباس عراقجي «خرج عن سكة الوئام إلى مسار الخصام الدبلوماسي» بالرغم من تأكيد الأول مجدداً عدة مرات بأن بلاده «لن تستخدم في توجيه أي عمل عسكري تجاه إيران».
مؤخراً، عاد الصفدي لتأكيد الموقف ذاته لعراقجي بطريقة لم يكشف النقاب عنها.
لكن تلك العودة لم تمنح عمان أي موقع متقدم في سلم الحسابات العسكرية الإيرانية التي توجه الصواريخ أو تهدد أو التي تصر على تحويل «النظام الرسمي العربي» برمته إلى «رهينة» جراء الحرب التي أعلنتها على إيران الولايات المتحدة وإسرائيل، برأي وتقدير المحلل السياسي الدكتور سنان شقديح، الذي يطالب مجدداً عبر «القدس العربي» الأردن والدول العربية بالانتباه والحذر لسلسلة الكمائن التي زرعتها الحرب العبثية المستجدة.
الأهم أن تسمية «محطات طاقة» أردنية في قائمة إيران الاستهدافية يمكن تصنيفها في مستوى «العداء»، مع خطوة أخرى مثيرة وجه فيها الناطق باسم الحرس الثوري قبل عدة أيام خطاباً مباشراً فيه قدر مرصود من الاستعلاء والتحرش للشعب الأردني حتى يضغط على حكومته، حتى لا تستخدم الأراضي الأردنية في العدوان على «دولة مسلمة».
في الحسابات الأردنية، تلك «الدولة المسلمة» لا تمانع من استهداف وقصف محطات كهرباء لشعب دولة فقيرة مثل الأردن، مع أن الحرب خلطت في الإقليم كل الأوراق دفعة واحدة.
توحي محاولة الحرس الثوري هنا وبعدها تسمية محطات كهرباء أردنية بأن الخارجية الإيرانية لا تتبنى الرواية الرسمية من عمان، وأبلغت بأنها تعتبر عمان مشاركة فيما تسميه «الأعمال العدائية» بعد إعلان أردني صريح بأن الصواريخ الإيرانية «تستهدف الأراضي الأردنية» وليست «عابرة فقط».
ذلك بالمدلول السياسي وفي توصيف شقديح، يعدّ تعبيراً مباشراً عن «فراق دبلوماسي» على الأقل بعد فترة «وئام وتواصل» بين الوزيرين الصفدي وعراقجي قبل الحرب، تضمنت 3 لقاءات ثنائية على الأقل وعدة اتصالات هاتفية في عدة مناسبات دولية.
لكن المسألة لم تعد ترتبط فقط بـ «فراق دبلوماسي».
هنا حصراً، يبرز المستجد الأكثر أهمية في سياق «علاقات توترت» على أكثر من نحو مع طهران على خلفية الصدام العسكري والحرب، كشفته الصحافة الأردنية ظهر الإثنين فيما يخص تقديم احتجاج رسمي إيراني نادر في أروقة مجلس الأمن الدولي، يتهم الأردن بـ «تسهيل أعمال عدوانية ضد الأراضي الإيرانية».
الحيثيات لم تكشف، لكن مركز عمان السياسي والقانوني لاحظ «صياغة قانونية» في المذكرة الإيرانية، يجتهد ساسة أردنيون بالقول بأن الرد عليها ممكن في تعداد الأدلة التي تثبت بأن صواريخ إيران «هددت حياة الأردنيين» والمنشآت المدنية في المملكة رغم عدم وجود إعلان حرب من جهة الأردن ودعوته لـ «خفض التصعيد» والخيار الدبلوماسي وحرصه على تجنب الرد على الاستفزاز.
يحاجج الأردنيون خلف الأقنية بأن الصواريخ التي وجه الإيرانيون بعضها سقطت بعدها شظايا وتسببت في إصابة عدة مواطنين أبرياء، فيما القانون الدولي يمنح الدفاع الجوي الأردني الحق في ممارسة «الحياد العملياتي» خلافاً لخسائر مالية ضخمة تسببت بها تلك الصواريخ.
المماحكة الإيرانية التي تتهم الأردن في أروقة مجلس الأمن الدولي أعقبت حزمة جدل في عمان طالبت بإجراءات ضد مجموعة نشطاء سياسيين أردنيين حضروا ما سمي بـ «مأدبة الإفطار الإيراني»، وهو إفطار أقامته سفارة طهران التي لا تزال تعمل في العاصمة عمان بمناسبة «يوم القدس»، وتخلله تقديم العزاء على رحيل المرشد العام الإيراني ومداخلات بحضور نحو 25 شخصية أردنية.
صحيفة «عمون» المحلية في عمان هي التي نشرت مضمون «الشكوى الإيرانية» في مجلس الأمن، حيث حملت الرسالة مطلبين رئيسيين من عمّان: الأول وقف أي دعم أو تسهيل لما وصفته بـ«الأعمال العدوانية»، والآخر منع استمرار استخدام أراضيها وأجوائها ومنشآتها في أنشطة تستهدف الجمهورية الإسلامية.
المندوب الإيراني ركز على أن بلاده «تحتفظ بحقها في محاسبة الأردن بموجب القانون الدولي على أفعاله التي اعتبرها مخالفة للقانون»، محذراً من أن «استمرار الجهود لتشويه الحقائق والتهرب من المسؤولية قد يؤدي إلى تصعيد خطير يهدد السلم والأمن الدوليين».
ودعا السفير الإيراني مجلس الأمن إلى معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك ما سمّاه اللجوء غير القانوني لاستخدام القوة والتواطؤ مع حكومات مكنت من حدوث هذه الإجراءات ضد إيران، وذلك في إطار الامتثال الكامل لميثاق الأمم المتحدة.
بموجب نص الشكوى الإيرانية، حكومة الأردن مسؤولة مباشرة عن الأضرار البشرية والمادية والبنية التحتية الواسعة التي لحقت بإيران نتيجة تلك الأعمال» وأن السلطات الإيرانية تجري تقييماً شاملاً وتوثيقاً لكافة الأضرار التي تشمل سقوط ضحايا مدنيين وتدمير بنى حيوية.
الجزئية الأكثر أهمية قد تكون هنا حديث الإيرانيين علناً عن المطالبة بـ «تعويض الأضرار» بموجب خطوات منسجمة مع القانون الدولي من جهة الحكومات التي ساعدت الأعمال العدائية ضد الجمهورية الإيرانية في الواقع.
في المقابل، لم تعلق وزارة الخارجية الأردنية على المذكرة الإيرانية وتجنبت أي إشارة علنية تتحدث عنها.
لكن في المركز القانوني التابع لوزارة الخارجية، تدرس التفصيلات حيث القناعة بأن الرسالة تعبير عن التحول بين عمان وطهران من محور «صداقة عن بعد» مع مجاملات، إلى محور اتهام مباشر بالعدائية المتبادلة.
تلك على الأرجح تعبيرات أزمة يمكن أن تتفاعل لاحقاً إذا وضعت الحرب أوزارها، والتعاطي معها -حسب الناشط السياسي محمد الحديد- هو جزء من تداعيات الحرب بصرف النظر عن نتائجها، فيما الأهم هو قياس منسوب التأثير في الحماية أو عكسها، الذي أفرزته التحالفات السياسية والدفاعية مع طرف تتحكم به إسرائيل مثل الولايات المتحدة.