حين تتجلى “حرب الاستنزاف” بين رغبتين.. “عدم الخسارة” و”النصر الشامل”


تسفي برئيل

تتحول حرب الخليج الثالثة من حملة لها ثلاثة أهداف رئيسية إلى حرب استنزاف غير متكافئة ثلاثية الأطراف، حيث يدور صراع محتدم حول الرواية وتعريف النصر. فبينما تحتاج إيران إلى “عدم الخسارة” لتحقيق النصر، تحتاج الولايات المتحدة إلى “نصر شامل” لتجنب الخسارة. في هذا الوضع، حيث تكافح الحرب لتحقيق الأهداف الأصلية، من المرجح أن يكون استمرارها فوضوياً، مع وجود عسكري أمريكي لفترة طويلة في الخليج مصحوب بمواجهات تكتيكية متواصلة بدون حسم.

يبدو أن المقياس الوحيد لأي نجاح يكمن في الإحصاءات العسكرية التي تظهر عدد طلعات الطائرات القتالية الأمريكية والإسرائيلية، وعدد القنابل التي ألقيت ووزنها، وعدد الأهداف التي تم تدميرها وعدد القتلى في كل طرف. هذه أرقام قد تتيح لترامب إعلان النصر إذا أراد النهوض والانسحاب من الساحة التي تتوسع بشكل يفوق التوقعات – من حيث المساحة الجغرافية التي تشملها وعدد أيامها وتكلفتها – ولكن لا يوجد حالياً أي إنجاز استراتيجي في الأفق، سواء إسقاط النظام أو اكتشاف والتخلص من الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة أو تجدد الاحتجاجات المدنية. تهديد الصواريخ البالستية تضرر بشدة، لكن الرذاذ اليومي كاف لإزعاج وتهديد المواطنين الإسرائيليين وإلحاق الأضرار بالمواقع الاستراتيجية في دول الخليج.

بينما تحتاج إيران إلى “عدم الخسارة” لتحقيق النصر، تحتاج الولايات المتحدة إلى “نصر شامل” لتجنب الخسارة

يجدر التذكير بأن قضية الصواريخ لم تكن مدرجة في جولات المفاوضات التي أجرتها الولايات المتحدة وإيران قبل الحرب. وحسب بعض تصريحات ترامب المتناقضة، كانت هذه القضية تعدّ ثانوية، إذا وجدت أصلا، وأضيفت كهدف رئيسي عند اندلاع الحرب.

ليس واضحاً بعد ما هي حالة المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، وقدرته على أداء مهماته. حتى الآن، نشرت بيانات باسمه، ولكن لم يظهر علناً أو في مقطع فيديو. لذلك، فإن المقصود من تعيينه السريع إظهار قوة هيكلية النظام واستقراره الذي ترمز إليه ولاية الفقيه. خامنئي ليس خبيراً عسكرياً، والحرس الثوري يقود الآن الحملة بالتعاون مع الجيش، أما قوة الباسيج فمهمتها منع الاحتجاجات والاضطرابات المدنية، التي في الأصل يصعب اندلاعها في الشوارع خوفاً من التفجيرات وبسبب تهديدات بنادق قوة الباسيج.

في مواجهة السعي الأمريكي والإسرائيلي إلى الوصول إلى نقطة أرخميدس، التي ستغير مسار الحرب، حققت إيران إنجازاً استراتيجياً مهماً بإغلاق مضيق هرمز، حتى قبل إعلان رسمي عن إغلاقه، حيث تمكنت من وقف حركة الملاحة في الخليج كلياً عندما هددت بالمس بناقلات النفط التي لم تنجح في الوصول إلى موانئ النفط وتفريغ الخزانات التي بدأت في الامتلاء بالتدريج، ولم يتم الوفاء بوعد ترامب، مرافقة عسكرية لناقلات النفط، حتى الآن. ليس واضحاً بعد إذا كان تعزيز القوات الأمريكية بـ 2500 جندي في الخليج سيؤدي بأصحاب السفن إلى دخول هذا الخليج الخطير المزروع بالألغام الإيرانية، في حين أن طائرة مسيرة واحدة أو قارب سريع مسلح يكفي لاختراق الحزام الدفاعي الأمريكي المنوي إقامته.

يبدو أن الهجوم الذي شنه سلاح الجو الأمريكي في نهاية الأسبوع في جزيرة خرج، الذي امتنع فيه ترامب “لأسباب تتعلق بالنزاهة”، حسب قوله، عن إلحاق الضرر بمنشآت النفط الضخمة، أقرب إلى عمل انتقامي رداً على إغلاق مضيق هرمز منه إلى خطة عمل منظمة لإجبار إيران على فتح المضيق. صحيح أن مهاجمة المصافي والمنشآت النفطية التي يمر عبرها حوالي 90 في المئة من إنتاج النفط الإيراني قد تشكل ضربة شديدة لاقتصاد إيران، لكن هناك جانباً آخر؛ فهذه المنشآت وعائداتها ستكون ضرورية لأي نظام جديد يقام في إيران. وبدونها ستواجه أي حكومة بديلة صعوبة كبيرة، حتى لو وقعت على اتفاق سلام أبدي مع الولايات المتحدة أو البدء في إعادة تأهيل إيران أو تلبية احتياجات السكان والحفاظ على نظام مستقر.

بالمناسبة، ما زالت إيران تمتلك مخزوناً ضخماً من النفط يقدر بعشرات ملايين البراميل المخزنة في منشآت عائمة في جزر أخرى في الخليج الفارسي وخليج عُمان خارج مضيق هرمز. وحتى مع تعليق نشاطات منشآت النفط في خرج، ليس هناك ما يضمن توقف إيران عن إلحاق الضرر بالملاحة في الخليج. ومن المرجح أن توسع هجماتها على منشآت النفط في دول الخليج.

المقارنة بين الحرب ضد إيران وحرب الخليج الثاني مغرية، التي تم فيها إسقاط نظام صدام حسين في غضون بضعة أسابيع وتولى نظام بديل أمريكي حكم العراق. الفرق الجوهري بين الحربين يكمن في أن القوات البرية الأمريكية والتحالف الدولي الداعم لها، كانا يعملان في العراق في 2003، ولكن لا يوجد الآن تحالف دولي فعلي، ولا توجد على الأقل حتى الآن أي نية لنشر القوات البرية، ومن دونها كان إسقاط النظام أمراً مشكوكاً فيه. لقد كتبت موسوعات عن نتائج تلك الحرب، لكن من أهم صفاتها أن ساحتها كانت مقتصرة على العراق. أما الحرب في إيران فقصة مختلفة كلياً. لبنان ساحة أخرى، جبهة ثانوية للولايات المتحدة، ولكنها جبهة مركزية لإسرائيل. بالنسبة لإيران، لم تعد قضية لبنان تتعلق فقط بالحفاظ على عمق نفوذها في لبنان، بل أيضاً بقدرتها على تقويض الحكومة اللبنانية، التي غيرت نهجها وجردت حزب الله من شرعيته العسكرية وتسعى إلى نزع سلاحه.

الجبهة الداخلية في لبنان لا تقل أهمية بالنسبة لطهران عن المواجهة العسكرية؛ لأن الهدف الآن يكمن في إفشال المفاوضات السياسية بين لبنان وإسرائيل، ومن ثم حرمان الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أي مكسب إقليمي، لا سيما بعد اسقاط نظام الأسد وتحول أحمد الشرع إلى حليف لترامب وشريك فاعل في جهود كبح جماح حزب الله. من ناحية إيران، المواجهة العنيفة بين الجيش اللبناني وحزب الله، التي قد تتطور إلى حرب أهلية، ومواجهة مشابهة في العراق بين المليشيات والحكومة العراقية، ستكون بمثابة نتائج مرغوبة. لذا، الغرض من الوكلاء الإيرانيين الذين شكلوا “حلقة النار” التي أقامتها طهران آخذ في التغير. فبعد أن كانت فرق عمل في الخطوط الأمامية ومصممة لردع أي عمل عسكري ضد إيران وامتصاص النار، قد تصبح الآن رأس الحربة في تحقيق نصرها العسكري، بل وقبل ذلك في تحديد شروط إنهاء الحرب.

 هآرتس 15/3/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *