«حنين شعبي» لرواية رئيس وزراء.. ورسائل للحكومة «الخطاب التكنوقراطي لا يكفي»



بسام البدارين

عمان ـ «القدس العربي»: لا يمكن فهم الأسباب التي تمنع رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسان شخصياً من الإطلالة على الجمهور وكتل البرلمان والأحزاب لتقديم «رؤية تشخيصية» شمولية تساعد وسط الجمهور في تثبيت «الرواية الرسمية» تجاه الحرب التي تدور رحاها في الإقليم.
صفارات الإنذار تقرع يومياً وعدة مرات بين الأردنيين. والمركز السيادي في الدولة يتحدث عن «صواريخ تستهدف المملكة» حصراً وللمرة الثالثة على التوالي.
والرأي العام يعاني من تكدس ظاهرة الإفتاء والتحليل العسكري والاستراتيجي، في موجة يركبها البسطاء والمتحمسون والانتهازيون قبل أصحاب الخبرة.
أما طبقة رجال الدولة الذين وصفوا يوماً بـ «الديناصورات» فلم يظهر أي منهم في أي حديث مباشر للتشخيص والتحليل أو للتحذير للأسبوع الرابع على التوالي بعد الحرب.
وفي الأثناء «تورم استثنائي» في ظاهرة المتحدثين نيابة عن الدولة وباسمها، عبر صياغات تصنيف وتقسيم للمجتمع أو ركوب لموجة تصفيات الحسابات فقط مع الإسلاميين أو غيرهم، خلافاً دوماً لموجة من التحريض وتوزيع الاتهامات مع ما وصفه الناشط النقابي البارز أحمد أبو غنيمة، بـ «صكوك الوطنية».
كل ذلك يحصل دون أن يتمكن الجمهور المحلي من رصد ولو خطاب شمولي واحد لرئيس الحكومة لا يتحدث عن «الحرب» بل عن «قراءتها من زاوية وطنية».
واضح تماماً أن الرئيس حسان يشرف شخصياً على اجتماعات ومشاورات «تكنوقراطية» فعالة ونشطة في امتصاص واحتواء آثار الحرب، لكن الانشغالات التكنوقراطية والفنية لا تغني عن شفافية ومصارحة وردود لـ «حكومة تحظى بشرعية برلمانية» على تساؤلات مستقرة في العقل الجماعي لشعب «مسيس» بطبيعته، والإلحاح السياسي تراثه المألوف.
«نحتاج إلى خطاب شمولي أكثر وأوضح».. هذا ما فهمته «القدس العربي» من هوامش نقاش تفصيلي بالحرب وما يجري فيها مع الخبير الاستراتيجي البارز الفريق المتقاعد قاصد محمود، متأملاً أن ينظر للصراع الحالي عموماً على مستوى النظام الرسمي العربي باعتباره «هدية».
مرجح أن حسان يترك الميكروفون السياسي لوزير الخارجية أيمن الصفدي. والمساحة المخصصة للجانب الأمني والسيادي قد تعرقلها الحكومة أو تعطب روايتها لو قررت التدخل فيها.
لكن مرجح أيضاً أن «غياب الحكومة» علامة فارقة وسؤال مزمن- كما يقدر عضو النواب عبد الناصر خصاونة، وأن المزاج الشعبي يثق بالحاجة الملحة لأن يتحدث معه فيها رئيس الحكومة القائمة عن التفصيلات.
حسان لا يفعل؛ لأسباب غير مفهومة حتى الآن. وفي حالات الحرب مفتوحة الاحتمالات، فالجاهزية التكنوقراطية -برأي السياسي الخبير الدكتور جواد العناني- «لا تكفي».
وأهم سؤال مطروح في وجدان الشارع -كما يقدر الناشط السياسي مروان فاعوري- هو: كيف نتجنب خدمة الكيان الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه نحرص على التفاعل مع الأعمال العسكرية العدائية التي تصدر عن إيران أو غيرها؟
سؤال صعب، والإجابة حمالة أوجه. والقناعة التي عبر عنها الناشط المدني والسياسي الدكتور عامر بني عامر، في مقال له نشرته مؤخراً صحيفة عمون، قد تمثل الأساس لمنطق الأردنيين عموماً في فهم وقراءة الحرب على إيران؛ لأن الإجماع الوطني حاصل تماماً على تصنيف إسرائيل بمستوى «العدو الأول والأخطر».
رغم ذلك، يسأل الناس والنواب والحزبيون: لماذا لا يتحدث معنا رئيس الوزراء في ملف الحرب؟
تركيبة انحيازات الفريق العامل مع رئيس الوزراء الحالي ليست من الصنف الذي ينشغل بالتجاذبات والنقاشات السياسية.
لذلك -وهذا ما يلمح له بني عامر- تفلت الرواية الرسمية الصلبة أحياناً لصالح أخرى تسعى لتقسيم الأردنيين وتصنيفهم لطرفين في الاشتباك: الطرف الأول في التحليل السطحي مع إيران وبالنتيجة «ضد الدولة الأردنية»، والآخر ضد إيران ومن ثم مع «الخيار الرسمي».
منطقياً، تبرز هذه التقسيمات المرضية المختلة لأنها تسقط من حسابها بأن «الكل الأردني» عملياً ضد إسرائيل ولا يرى طريقاً للتعبير عن «وطنيته وولائه الأردني» إلا عبر التناقض مع المشروع الإسرائيلي، ما يسمح للمنطق الإيراني بـ «التسلل» أحياناً شريطة ألا يؤذي الأردن.
وعليه، يصبح غياب «سردية حكومية» حصراً خطوة تساهم بفعالية بترويج ثقافة «تصنيف الأردنيين وتقسيمهم» بذريعة وجود «تيارات ممانعة وأخرى إسلامية تصفق للصواريخ الإيرانية» دون تسمية الحقائق كما هي من جهة الانتهازيين مروجي الاتهامات، حيث التصفيق حقيقة شعبية أردنية فقط لصواريخ إيران التي تضرب إسرائيل حصراً.
الأردنيون عموماً يحبون الاستماع في الأزمات لـ «شخص رئيس حكومتهم»… تلك طبيعة الأمور المتوارثة في عمان. والرئيس حسان اختار «قلة الكلام» وأحياناً ندرته، والعمل فنياً وتقنياً بنشاط وإنتاجية لا يمكن إنكارها، لكن خلف الأضواء.
الانسحاب من المشهد العام خلال حرب تلحق ضرراً بالجميع ليس خياراً حكيماً في مقايسات الرأي العام المحلي.
وما يزيد المشهد تعقيداً تكرس الانطباع بأن المؤسسة البرلمانية المنتخبة أيضاً لا تتحدث مع شعبها وناخبيها، وفيما يبدو لا تريد السلطة التنفيذية أن تسمح لها بذلك باسترخاء، مع أن أسئلة المواطنين الأكثر أهمية ووعياً صعب تحصيل إجابات عليها من جهة نواب يفتقدون للمعلومات والمعطيات، فيما لا تجلس «طبقة الوزراء» إلا نادراً في موقع أفضل من «نواب الشعب» في جزئية فهم كل الصورة وضخ رواية وطنية توافقية.
الحرب الحالية ليست حدثاً عابراً. وشراستها وطبيعتها تدفعان المزاج الشعبي في اتجاه ممارسة «الحنين للرواية الصلبة»، والاعتقاد جازم بأن الحكومة -أي حكومة قائمة- هي حلقة الوصل الأساسية في الظروف الصعبة بين «الدولة» ورعاياها. والقول عندما يصدر عن «رئيس وزراء» فوزنه السياسي والأساسي يختلف عن صدوره من مستويات التنفيذ الإداري.
يخشى حريصون على تجربة الدكتور حسان أن يرتبط «سبب الغياب» الإعلامي الوطني بـ «عدم وجود ما يمكن للحكومة أن تقوله في الاستراتيجيات»، الأمر الذي يدفع في اتجاه الانشغال في «اليومي» على حساب العميق والجذري.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *