لندن –«القدس العربي»: استبعدت بريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي أي مهمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، ردا على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاءه، إضافة إلى الصين، للمساعدة في فك الحصار عن هذا الممر الاستراتيجي الذي تسيطر عليه إيران.
وبذلك انضمت تلك الدول إلى قائمة الرافضين لطلب ترامب، بعد رفض مماثل أعلنته اليابان وأستراليا، وهما حليفان تاريخيان للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وجاءت هذه المواقف بعيد تحذير ترامب من أن حلف الناتو سيواجه مستقبلا «سيئا للغاية» في حال امتنعت دوله الأعضاء عن مساعدة واشنطن في إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي.
وكان لافتاً الموقف الحاسم الذي أبدته برلين التي أكدت أنه لا دخل للناتو في الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران.
وأكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أنّ ألمانيا لن تعرض أي «مشاركة عسكرية» في الحرب، ولكنها مستعدة لـ»ضمان أمن العبور في مضيق هرمز، من خلال اعتماد الدبلوماسية».
كذلك صرّح ستيفان كورنيليوس، المتحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بأن «الناتو تحالف للدفاع عن الأراضي» العائدة لأعضائه، مضيفا أنّه «لا توجد صلاحية لنشر قوات الحلف» في الوضع الراهن.
وجاء الرفض البريطاني مشابها للألماني حيث قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال مؤتمر صحافي إن المملكة المتحدة «لن تنجر إلى حرب أوسع»، وأنها تريد أن ينتهي النزاع «في أسرع وقت ممكن». وأوضح في ذات الوقت: «نعمل مع جميع حلفائنا، بمن فيهم شركاؤنا الأوروبيون، لوضع خطة جماعية قابلة للتنفيذ تُعيد حرية الملاحة في المنطقة بأسرع وقت ممكن وتُخفف من الآثار الاقتصادية».
لكنه شدد على أن «هذه المهمة لم ولن يتم اعتمادها على أنّها مهمة تابعة للناتو»، وأضاف ستارمر أن المبادرة «ستكون تحالفاً بين شركاء، لهذا السبب نتعاون مع شركاء في أوروبا وفي الخليج وكذلك مع الولايات المتحدة».
في المقابل، رأى وزيرا خارجية ليتوانيا وبولندا، المعروفتان بتوجههما الأطلسي، أن على دول الناتو «دراسة» طلب أمريكي بالمساهمة إذا قُدم رسميا إلى الحلف. لكن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قالت أمس الاثنين إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أبدوا «رغبة واضحة» في تعزيز المهمة البحرية في الشرق الأوسط، لكنهم لا يرغبون في الوقت الراهن في توسيع نطاقها ليشمل مضيق هرمز. وقالت كالاس للصحفيين عقب اجتماعها مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل «كانت هناك رغبة واضحة خلال مناقشاتنا في تعزيز هذه العملية، ولكن في الوقت الراهن، لا توجد رغبة في تغيير نطاق عملية أسبيدس».
وقد أُنشئت هذه المهمة أساسا لحماية السفن التجارية من هجمات أنصار الله في اليمن، وهي منتشرة حاليا في البحر الأحمر.
وكانت فرنسا قد طرحت في 9 آذار/مارس فكرة مهمة دولية «دفاعية بحتة» لإعادة فتح المضيق، من دون توضيح ما إذا كانت ستتم في إطار مهمة «أسبيدس».
لكن عددا من الوزراء الأوروبيين، بينهم الإسباني والألماني والهولندي، أبدوا حذرا إزاء توسيع نطاق هذه المهمة، التي تضم حاليا ثلاث سفن حربية تقوم بدوريات في البحر الأحمر: يونانية وفرنسية وإيطالية. وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على هامش الاجتماع «لا ينبغي القيام بأي شيء يزيد من التوتر أو من خطر التصعيد».
وخلال مؤتمر صحفي بالعاصمة بكين، أمس الاثنين، تجنب متحدث وزارة الخارجية الصينية لين جيان الرد على أسئلة بشأن ما إذا كانت الصين تلقت دعوة للانضمام إلى تحالف لحماية أمن مضيق هرمز، وما إذا كانت سترسل سفنا في حال تلقيها مثل الدعوة. وقال المتحدث الصيني إن التوترات في مضيق هرمز والمياه المحيطة به تؤثر سلبا على طرق نقل السلع والطاقة الدولية، كما تضر بالسلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي. وأضاف: «تدعو الصين مرة أخرى جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية، وتجنب مزيد من التصعيد، ومنع الاضطرابات الإقليمية من توجيه ضربة أكبر للنمو الاقتصادي العالمي».
وعند سؤاله عما إذا كانت الولايات المتحدة طلبت من الصين الانضمام إلى مثل هذا التحالف، أجاب المتحدث أن بلاده على تواصل مع جميع الأطراف وتسعى إلى خفض التوتر.
والأحد، قال ترامب إن الصين «دُعيت للتعاون» في تأمين المضيق، وفق ما نشرته شبكة «سي إن إن» الأمريكية. وأضاف: «إنهم (الصينيون) يحصلون على معظم نفطهم، حوالي 90 %، من المضيق. لذلك سألتهم: هل ترغبون في المشاركة؟ وسنرى. ربما يوافقون، وربما لا». يذكر أن الصين تحصل على حوالي 45% من نفطهم من المضيق.
ترامب يواصل ضغوطه
الرئيس الأمريكي لم يتوقف عن مواصلة الضغط على الناتو، وخاصة بريطانيا وفرنسا، قائلا إنه يتوقع منهما المساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز خلال الحرب على إيران.
وقال ترامب إنه تحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول هذا الأمر، مؤكدا أن رده كان بدرجة «ثمانية (من عشرة)، لم يكن مثاليا».وتابع: «أعتقد أنه سيساعد»، معربا أيضا عن اعتقاده أن بريطانيا ستشارك في مهمة لتأمين مضيق هرمز.
ومنذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، سمحت لندن للولايات المتحدة باستخدام قاعدتين عسكريتين بريطانيتين لتنفيذ ما وصفتها بـ «عمليات دفاعية» ضد إيران، كما أرسلت وسائل جوية لدعم حلفائها في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية.
كما نُشرت مدمرة تابعة للبحرية الملكية في شرق البحر المتوسط لحماية القواعد العسكرية البريطانية في قبرص. وأوضح ستارمر أن بلاده «تمتلك بالفعل أنظمة مستقلة لكشف الألغام في المنطقة وتدرس الخيارات والقدرات المتاحة»، معلنا في الوقت نفسه خطة بقيمة 53 مليون جنيه إسترليني لدعم الأسر البريطانية المتضررة من ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
موسكو تدعو للدبلوماسية
في موازاة ذلك، جدّدت وزارة الخارجية الروسية تحميل المسؤولية لواشنطن وتل أبيب عن شن الحرب وتداعياتها بما فيها أزمة مضيق هرمز، وقالت الخارجية الروسية في بيان لها:» إن الولايات المتحدة وإسرائيل شنّتا هجمات عدوانية على إيران بلا مبرر، مما أشعل دوامة عنف غير مسبوقة في المنطقة».
وأضاف البيان أن هذه الهجمات أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص وتدمير البنية التحتية المدنية لإيران، إلى جانب تأثر دول الجوار بهجمات إيران.وذكر البيان أن المرور البحري في مضيق هرمز الحيوي للاقتصاد العالمي أصبح مشلولا.
وأشار إلى أن منطقة الخليج أصبحت في حالة فوضى وعدم استقرار، وأن نتائج هذه المغامرة التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب تنعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.
وجددت موسكو دعوتها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران للتوقف عن الهجمات المتبادلة، وإيجاد حل للأزمة في المنطقة عبر السبل الدبلوماسية. واختتم البيان بالتأكيد على أن روسيا مستعدة لدعم حلول طويلة الأمد لهذه الأزمة.
في المقابل، قال ترامب عن التفاوض مع الإيرانيين إنه يعتقد أن إيران ترغب في إبرام اتفاق لإنهاء الصراع، مضيفا أنه من غير الواضح من يتحدث باسم إيران. وقال خلال فعالية في البيت الأبيض: «لا نعرف قادتهم. هناك جهات ترغب في التفاوض، لكننا لا نعرف هويتها».
وبعد اغتيال الزعيم الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي في الضربات الامريكية الإسرائيلية الأولى للحرب بتاريخ 28 شباط /فبراير شباط 2026، قام مجلس خبراء القيادة في إيران بانتخاب مجتبى خامنئي خليفة له.
وأضاف ترامب متحدثا عن المرشد الأعلى الجديد في إيران: «يقول الكثيرون إنه تعرض لتشوهات شديدة، ويقولون إنه فقد ساقه (…) وأنه أصيب بجروح بالغة. بينما يقول آخرون إنه مات».
وكان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث قال الأسبوع الماضي إن الزعيم الأعلى الجديد يعتقد أنه أصيب في إحدى الضربات.
لاريجاني يعاتب الدول الإسلامية
وفي طهران انتقد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الدول الإسلامية بسبب عدم وقوفها الى جانب الجمهورية الإسلامية في الحرب، داعيا إياها الى التوحّد في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال لاريجاني في رسالة نشرت على حساباته الرسمية على الإنترنت باللغة العربية إنه «باستثناء حالات نادرة وفي حدود المواقف السياسية فقط، لم تقف أي دولة إسلامية الى جانب الشعب الإيراني». وأضاف في إشارة واضحة الى دول الخليج، أن بعض الحكومات الإسلامية ذهبت «أبعد من ذلك وقالت إن إيران أصبحت عدوّاً لأنها استهدفت قواعد ومصالح أمريكية وإسرائيلية في أراضيها». وسأل: «هل يطلب من إيران أن تقف مكتوفة الأيدي بينما ُتستخدم القواعد الأمريكية في بلدانكم للاعتداء علينا».
واعتبر أن موقف هذه الحكومات يتناقض «مع قول النبي: من سمع رجلا ينادي يا للمسلمين ولم يجبه، فليس بمسلم»، متسائلا «أي إسلام هذا؟».
في الكويت، قال السفير الإيراني محمد توتنجي في بيان أرسل الى وكالة فرانس برس إن «العدوان العسكري المشترك المخالف للقانون الدولي» الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران استهدف «أماكن وأشخاصا مدنيين كثرا»، مشيرا خصوصا الى مدرسة الشجره الطيبة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب في جنوب إيران التي «دُمّرت بالكامل نتيجة هجوم صاروخي».
واعتبر أن «الصمت إزاء جريمة كهذه (…) لا يليق بالدول الإسلامية ولا بالمدافعين عن حقوق الإنسان، وكان أقل واجب هو إعلان إدانة هذا الهجوم الظالم». وأكّد توتنجي في بيانه أن بلاده «ترغب في استمرار العلاقات مع جميع دول مجلس التعاون (الخليجي) على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل»، وأن «الوضع الذي حدث قد فُرض على إيران».
وقالت السلطات الإيرانية إن هذا الهجوم تسبّب بمقتل 186 شخصا، معظمهم تلميذات.
وأجرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تحقيقا خلص الى أن الضربة ناتجة على الأرجح من قصف أمريكي استهدف قاعدة للحرس الثوري تقع في جوار المدرسة. ولم تقرّ الولايات المتحدة أو إسرائيل بتنفيذ الضربة على المدرسة، وقال الرئيس الأمريكي ترامب إن التحقيق جار بشأنهأ.