لم تعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران مجرّد مواجهة عسكرية مفتوحة على تبادل الضربات، بل باتت أقرب إلى معركة كبرى لإعادة رسم موازين القوة في منطقة الشرق الأوسط، وربما ما بعدها. فكل يوم إضافي من هذه الحرب يدفعها إلى التوسّع جغرافياً وسياسياً، ويكشف أن المعركة لا تدور فقط حول البرنامج الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل حول شكل المنطقة التي ستخرج من تحت الركام إذا انكسر أحد الطرفين أو تبدّلت قواعد الاشتباك بالكامل.
في هذا السياق، تبدو طهران كأنها تمسك بالورقة الأخيرة: مضيق هرمز. إيران تعرف أن قدرتها على إطالة أمد الحرب لا تكمن فقط في الصواريخ أو في شبكة حلفائها، بل أيضاً في قدرتها على تعميم كلفة المواجهة على العالم كله. من هنا يصبح استهداف المنشآت النفطية في الخليج، أو التهديد بإقفال المضيق، أكثر من مجرد رد عسكري؛ إنه محاولة لفرض معادلة تقول إن الحرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستتحول إلى أزمة طاقة، وأزمة أمن إقليمي، وربما أزمة اقتصادية دولية.
غير أن هذه الاستراتيجية، على خطورتها، قد تنقلب على أصحابها. فاستهداف المصالح الخليجية لا يوسّع فقط رقعة النار، بل يبدّل أيضاً مزاج العواصم التي كانت تحاول حتى الآن تفادي الانخراط المباشر. حين تُصاب منشآت حساسة في الخليج، لا تعود المسألة مجرد تعاطف سياسي أو حياد حذر، بل تتحول إلى تهديد مباشر للمصالح الوطنية وللأمن الاقتصادي. وهذا ما يجعل أي ضربة من هذا النوع لحظة مفصلية، لأنها تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في موقعها من الحرب، حتى لو استمرت في التزام الصمت العلني أو إدارة الأزمة ببرود محسوب.
هذا الصمت الخليجي في الظاهر، يعكس رغبة في امتصاص الضربات ومنع الانجرار إلى مواجهة أوسع، لكنه في العمق قد يترك آثاراً بعيدة المدى على صورة هذه الدول في الإقليم. الحلفاء والخصوم معاً يراقبون: من يرد، من يلوذ بالصمت، من يحمي نفسه، ومن ينتظر المظلة الأمريكية. وبعد انتهاء الحرب، لن يُقاس نفوذ الدول فقط بحجم أموالها واستثماراتها، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية منشآتها وردع من يستهدفها. وكلما طالت الحرب، ارتفعت كلفة هذا الامتحان.
هنا تبرز زاوية أخرى أكثر تعقيداً: الاقتصاد. فالحرب، إذا تمدّدت وضربت البنية النفطية والمالية في الخليج، لن تبقى محصورة في أسعار الطاقة أو في حركة الشحن البحري. ثمة تقدير متزايد بأن رساميل الخليج نفسها قد تصبح جزءاً من تداعيات المعركة، سواء عبر خسائر مباشرة أو عبر اضطرار هذه الدول إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتها نحو الداخل لترميم الأضرار واحتواء الارتجاج الاقتصادي. وإذا صحّ هذا السيناريو، فإن قطاعات عالمية حساسة، وفي مقدمتها الذكاء الصناعي الذي استقطب استثمارات خليجية ضخمة في الولايات المتحدة، قد تتأثر بشكل ملموس. عندها، لن تكون الحرب مجرد حدث عسكري في الشرق الأوسط، بل شرارة تهدّد أسواقاً ومشاريع تتجاوز الإقليم بكثير.
في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعاً من واشنطن نحو هدف أكبر من مجرد الاحتواء أو الردع: إنها معركة إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل دفعه إلى حافة الانهيار. لذلك، لا تكتفي تل أبيب بضرب البنية العسكرية الصلبة، بل تستهدف أيضاً الأعصاب الداخلية للنظام: مؤسساته الأمنية، شبكات السيطرة، الحواجز، وأدوات الضبط. الهدف واضح: إضعاف قدرة الدولة على الإمساك بالداخل، ودفع المجتمع الإيراني إلى الانتقال من موقع التذمر إلى موقع الانفجار.
هذا الفارق بين واشنطن وتل أبيب مهمّ. فالولايات المتحدة قد ترى أنّ تغيير رأس النظام أو تعديل سلوكه يكفي لتحقيق أهدافها الكبرى في المنطقة، فيما تميل إسرائيل إلى خيار أكثر جذرية، يقوم على تدمير البنية التي أنتجت هذا النظام وسلّحت أذرعه ومددت نفوذه. لكن المشكلة هنا أن إسقاط النظام، إذا تعثر أو طال أمده، قد يفتح الباب على سيناريوهات أكثر خطورة: حرب داخلية طويلة، صراع قومي ومذهبي، وتحوّل إيران إلى ساحة تشظٍّ بدلاً من أن تصبح دولة أكثر قابلية للضبط.
تبرز أهمية المبادرات التي تُطرح من هنا وهناك، لأنّ الجميع يدرك أن انفجار الجبهات دفعة واحدة سيجعل كلفة الحرب أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال
وهذا بالضبط ما يجعل الملف الإيراني متصلاً بما هو أبعد من الخليج وبلاد الشام. فإيران، في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، ليست فقط دولة في الشرق الأوسط، بل عقدة جغرافية بين المشرق وآسيا الوسطى، وبين الخليج والممرات البرية التي تراهن عليها الصين في مشروع “الحزام والطريق”. وإذا اهتزت هذه العقدة أو سقطت، فإن الممرات التجارية والنفوذ الإقليمي والتحالفات الدولية كلها ستدخل مرحلة إعادة تركيب. من هنا، فإن الحرب على إيران لا تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة مع دولة متمرّدة على النفوذ الأمريكي، بل أيضاً كمقدمة محتملة لميدان أوسع يمتد نحو آسيا الوسطى، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والصينية والروسية بشكل أكثر حساسية.
أما لبنان، فلا يقف على هامش هذا المشهد، بل في قلب ارتداداته. فكلما تعقدت الحرب على إيران، ازداد خطر تحوّل الساحة اللبنانية إلى امتداد مباشر لها. طهران تدرك أن خسارة نفوذها الإقليمي لا تُقاس فقط بما يجري على أرضها، بل أيضاً بما يحدث لأذرعها وحلفائها. ولهذا تبدو حريصة على ربط مصير “حزب الله” بمصيرها، وعلى جعل أي وقف لإطلاق النار جزءاً من تسوية أوسع تشمل الجبهة اللبنانية أيضاً.
لكن لبنان الرسمي يبدو حتى الآن أضعف من أن يفرض مساراً مستقلاً. فالدولة عاجزة عن حسم ملف السلاح، وعاجزة أيضاً عن حماية نفسها من الارتدادات الإقليمية. وهذا العجز لا يفتح فقط المجال أمام استمرار “حزب الله” في ربط الساحة اللبنانية بحسابات الحرب الكبرى، بل يفتح أيضاً باب التدخلات الخارجية، من الضغوط الأمريكية إلى الهواجس السورية، وصولاً إلى محاولات الوساطة الدولية التي لم تنضج بعد.
في هذا الوقت، تبدو سوريا بدورها جزءاً من المشهد اللبناني المستجد. تعزيز الحدود، الحديث عن الصواريخ، والتشدد في منع التهريب، كلها مؤشرات إلى أن الحدود اللبنانية – السورية قد تتحول من جديد إلى ساحة أمنية مفتوحة. وإذا كانت دمشق تقدّم ذلك بصفته إجراءً دفاعياً، فإن الرسالة الأعمق تبقى أن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد لم تغلق بعد كل الملفات، بل أعادت فتح بعضها بشكل أكثر تعقيداً، خصوصاً تلك المرتبطة بـ”حزب الله” وترسانة السلاح والحدود الرمادية.
في خلفية هذا كله، تظهر محاولات الوساطة كأنها اعتراف ضمني بأنّ الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكرياً بسهولة، وأن أيّ نهاية لها ستحتاج إلى ترتيبات دولية وإقليمية معقدة. من هنا تبرز أهمية المبادرات التي تُطرح من هنا وهناك، لأنّ الجميع يدرك أن انفجار الجبهات دفعة واحدة سيجعل كلفة الحرب أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال.
لهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستتوقف قريباً، بل بأيّ صورة ستتوقف، وعلى حساب من. هل تنجح واشنطن في فرض شرق أوسط أكثر انضباطاً لمصالحها؟ هل تمضي إسرائيل أبعد نحو مشروع إسقاط النظام الإيراني؟ هل تنكفئ طهران إلى الداخل أم توسّع النار أكثر؟ وهل يبقى لبنان ساحة انتظار، أم يتحول إلى ميدان الجولة التالية؟
ما يبدو مؤكداً، حتى الآن، أنّ الحرب ضد إيران خرجت من حدودها الأولى. لم تعد حرباً على النظام في إيران فقط، بل حرباً على شكل المنطقة المقبلة، على خرائط النفوذ، وعلى الممرات الاقتصادية، وعلى هوية الدول التي ستبقى صامدة حينما تصمت المدافع ويهدأ الغبار.
٭ كاتب لبناني