طرابلس – «القدس العربي»: شهدت الساحة الليبية خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا في وتيرة التحركات السياسية والدبلوماسية، في ظل تداخل المسارات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، حيث عاد الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي مدفوعًا بملفات الطاقة والهجرة والاستقرار، ما انعكس في اجتماعات مكثفة بين الأطراف المحلية والشركاء الدوليين، بالتوازي مع تحركات أممية لإعادة تنشيط المسار السياسي عبر مبادرات «الحوار المهيكل»، في محاولة لكسر حالة الجمود التي تخيم على المشهد منذ سنوات، وتهيئة الأرضية نحو تسوية شاملة تقود إلى الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.
وفي هذا السياق، بحث رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال اجتماع موسع مع ممثلي مجموعة مسار برلين والدول المعنية بالملف الليبي، مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، في حضور المبعوثة الأممية هانا تيتيه وعدد من السفراء وممثلي الدول الكبرى، حيث ركز اللقاء على سبل دفع العملية السياسية وتعزيز فرص الاستقرار، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق الدولي لدعم مسار توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف للاستحقاقات الوطنية، في ظل توافق دولي متجدد على ضرورة إنهاء الانقسام، وتسريع الوصول إلى حل سياسي شامل يقوده الليبيون أنفسهم.
وأكد المنفي خلال اللقاء على أهمية البناء على مخرجات مسار برلين، باعتباره الإطار الدولي الأبرز لتنظيم الدعم الخارجي للعملية السياسية في ليبيا، مشددًا على ضرورة الحفاظ على زخم التشاور مع الشركاء الدوليين، بما يضمن عدم العودة إلى مربع الصراع، ويعزز فرص الوصول إلى انتخابات طال انتظارها، في وقت شدد فيه المشاركون على ضرورة تكثيف الدعم الأممي، وتعزيز دور البعثة في مرافقة الليبيين نحو تسوية سياسية مستدامة، تحفظ وحدة الدولة وسيادتها. بالتوازي مع ذلك، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحركاتها لإشراك مختلف الفئات في العملية السياسية، حيث دعت إلى جلسة نقاش عبر الإنترنت ضمن مسار الاقتصاد في إطار «الحوار المهيكل»، في خطوة تعكس توجهًا أمميًا نحو توسيع قاعدة المشاركة، والاستماع إلى آراء الليبيين بشأن الإصلاحات الاقتصادية، وبناء مؤسسات موحدة وخاضعة للمساءلة، بما يعزز الاستقرار ويعالج جذور الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.
وتأتي هذه الجلسة ضمن سلسلة نقاشات أطلقتها البعثة، شملت أيضًا منصات شبابية ولقاءات مع مختلف الفئات، ركزت على عدة مسارات من بينها الاقتصاد والمصالحة وحقوق الإنسان والأمن، في محاولة لصياغة رؤية وطنية جامعة، تقوم على التوافق حول ترتيبات الحوكمة المؤدية إلى الانتخابات، دون فرض حلول جاهزة، وهو ما يعكس تحولًا في المقاربة الأممية نحو إشراك أوسع للمجتمع، بدل الاقتصار على النخب السياسية التقليدية.
ويؤكد المسار الأممي أن «الحوار المهيكل» لا يستهدف تشكيل حكومة جديدة بشكل مباشر، بل يسعى إلى تقديم توصيات عملية لمعالجة التحديات الأساسية، وخلق بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات، من خلال إصلاحات في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بما يساهم في بناء مؤسسات أكثر استقرارًا، وتقليل عوامل النزاع الممتدة، التي تعرقل أي تقدم سياسي حقيقي. وتأتي هذه التحركات في سياق دولي أوسع، حيث أعادت التوترات الإقليمية، خاصة الحرب على إيران، ليبيا إلى دائرة الاهتمام الأوروبي، مع تصاعد الحاجة إلى بدائل للطاقة، ما عزز من حضور الملف الليبي في النقاشات الدولية، باعتباره أحد الخيارات الممكنة لتعويض أي نقص في إمدادات الغاز، خاصة عبر خط «غرين ستريم» نحو إيطاليا، وهو ما منح ليبيا أهمية استراتيجية متجددة، تتقاطع مع المسار السياسي الداخلي.
كما يتزامن ذلك مع تحركات أوروبية مكثفة في ملف الهجرة والتعاون البحري، حيث تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز التنسيق مع ليبيا للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، وهو ما يضيف بعدًا أمنيًا وإنسانيًا للانخراط الدولي في الشأن الليبي، ويجعل من استقرار البلاد أولوية مشتركة بين مختلف الأطراف الدولية، خاصة في ظل تزايد الضغوط داخل أوروبا.
وفي المجمل، تعكس هذه التطورات تلاقي عدة عوامل دفعت إلى إعادة تنشيط الحراك السياسي حول ليبيا، من بينها التحولات في سوق الطاقة العالمية، والضغوط المرتبطة بملف الهجرة، إضافة إلى إدراك دولي متزايد بأن استمرار الجمود السياسي يهدد بتقويض أي فرص للاستقرار، ما يفسر العودة القوية لمسار برلين، وتكثيف الجهود الأممية لإطلاق مسارات حوار جديدة أكثر شمولًا ومرونة.
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي، وغياب توافق واضح بين الأطراف المحلية حول القاعدة الدستورية للانتخابات، ما يجعل نجاح هذه التحركات مرهونًا بقدرة الفاعلين الليبيين على استثمار الزخم الدولي، وتحويله إلى توافقات داخلية حقيقية، تفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية أخيرة تقود إلى استقرار دائم.