محمد ساري من الروائيين الجزائريين القلائل، الذين كرسوا مشروعهم السردي للتأمل في الأحداث، التي عاشتها الجزائر من مرحلة الاستعمار الفرنسي وآثاره إلى مرحلة الاستقلال بأطيافه المختلفة، كما مارس الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وعرّب بعض مؤلفات كتاب جزائريين يكتبون بالفرنسية، وقدمهم إلى القارئ العربي كمؤلفات محمد ديب وآسيا جبار وغيرهما.
من أعماله الروائية رواية «الغيث» التي خصصها لصعود التيار الإسلامي في فترة الثمانينيات، وروايات كرسها لما يعرف بالعشرية السوداء مثل «الورم»، «القلاع المتآكلة»،»حرب القبور».
في روايته الأخيرة «حصّاد الرمال» الصادرة عن دار حبر في 270 صفحة من القطع المتوسط، كرس هذه الرواية للتأمل في ما بعد العشرية السوداء وإقرار قانون المصالحة الوطنية، وكأن محمد ساري يأخذ بنصيحة ووردزورث، الذي يدعو الكتاب إلى التروي وعدم المبادرة إلى الكتابة في معمعان كل حدث أو واقعة تاريخية، بل يجب ترك الزمن يفعل فعله لتظهر العقابيل وتتضح الرؤى وتأخذ الكتابة مسارا جادا عميقا لا مجرد فقاعة تذروها الرياح وتتلاشى مع الأيام.
وإذا كان العنوان عتبة أولى يفضي إلى مضمون المتن السردي فإنه هنا يستحق وقفة لغوية ودلالية، فالحصّاد جاء بصيغة المبالغة للدلالة على الكثرة، لكن المفارقة أن هذه الكثرة لا تفضي إلى شيء، فالحصّاد لا يحصد الغلة، أو السنابل الدالة على الخير والنماء، وإنما الرمال، أي اللاشيء وقديما قالت العرب في أمثالها «أظمأ من رمل»، فالعنف لا يبني وطنا ولا يجني منه صاحبه إلا الرمل، وحتى اللوحة الفنية التي تشكل عتبة ثانية مليئة بالدلالات وهي تستحق وقفة ثانية لأنها تواجه القارئ فينتج عن ذلك دفقة شعورية متوترة تبعث على الشجن، وربما المرارة، فالشبح الذي يشبه الإنسان يسير في صحراء برمالها وسرابها الخادع، وما يمثله اللون الأصفر من إحساس بالتيه، ثم انسداد الأفق بكتلة صخرية سوداء تكاد تحجب ضوء الشمس، وفي قمة الكتلة الصخرية هذه الشجرة التي تظهر أوراقها في لونها الأصفر، رمز الذبول وغياب ثمرات هذه الشجرة، وأخيرا اللون البني الداكن الذي يحيل على سنوات الدم، وكل هذه يعكس المتاهة التي عاشها البلد إبان العشرية السوداء التي عانى منها الشعب على المستوى الأمني والاقتصادي والسياسي والحياة الاجتماعية، وما أفضت إليه من تخريب المؤسسات العامة وقتل الأنفس.
قسّم الكاتب هذا المتن السردي إلى ست وعشرين كتلة سردية، تدور أحداث هذه الرواية في نهاية التسعينيات، وبداية القرن الجديد في منطقة عين الكرمة غير بعيد عن الجزائر العاصمة، وهذه المناطق شهدت أحداثا مهولة أثناء العشرية السوداء.
تبدأ الرواية بعودة فيصل بوسكين المدعو الأفغاني من الجبل، تائبا متخليا عن السلاح بعد صدور قانون الرحمة الذي أفضى إلى المصالحة الوطنية، وفيصل من خلفية شعبية فقيرة وبسيطة، والكاتب ضمنيا يلح على الخلفية الاجتماعية للشباب الذي انخرط في العنف أيام التسعينيات، فوالد فيصل كان يشتغل بائع النعناع في سوق البلدة، إلا أن ظلم الشيخ السبتي له حرمه من ممارسة تجارته البسيطة، التي لا تدفع خصاصة ولا تقي من مسغبة مما أدى بفيصل إلى الانتقام لوالده والثأر لكرامة الأسرة بالاعتداء على الشيخ السبتي، الذي كاد يهلك لولا تدخل الناس، لكن الشيخ السبتي صاحب العلاقات لم يسكت، واستعان على خصمه بصديقه رابح سعدون محافظ الشرطة، الذي كان يتسوق بالمجان من طاولة الشيخ السبتي وهذا الوضع صدم فيصل ووالده فاتسعت النقمة وأحسا بالقهر، هذا الإحساس الذي سيدفع بفيصل إلى الصعود إلى الجبل، وكأن هذا الصعود ما هو إلا انتقام من الوضع المزري للعائلة والخلفية الاجتماعية الفقيرة، والإحساس بالظلم والقهر، قهر الشيخ السبتي وقهر محافظ الشرطة رابح سعدون.
في أحد الحواجز المزيفة والتي كان تقيمها الجماعات المسلحة قتل ابن الشيخ السبتي سليم على يد جماعة فيصل، مما سيجعله لاحقا في مواجهة بلدته حين يستسلم ويترك السلاح، فأحد قتلاه ابن جاره الشيخ السبتي الذي كان يرفض قانون المصالحة، لأنه يساوي بين الجلاد والضحية، كما أنه لا يستطيع رؤية قاتل ابنه سالما أمام عينيه وكان الأجدر حسب الشيخ السبتي هو القصاص العادل من هؤلاء القتلة، العين بالعين، لا العفو عنهم لكن بهذا القانون أفلت الجاني من العقاب.
تتعقد ظروف فيصل التائب بعد عودته إلى عين الكرمة فوالده بطال مقعد ومريض وأخوه بوعلام تم اختطافه في حاجز، فحتى هذه العائلة نالت نصيبها من محن العشرية، ما دفع بالأخ الأصغر فريد إلى هجر البلدة للبحث عن عيش كريم وإعالة الأسرة فكان أن عمل خبازا في أحد مخابز الحراش، وبدورها البنت رزيقة، لم تستسلم للوضع وأصرت على الدراسة لتحسين وضعها العلمي والمهني، فالتحقت بالجامعة طالبة في الحقوق، فإذا كان الذكور ضحايا لوضع أمني واقتصادي واجتماعي معقد، فما بالك بالإناث إنه لأجدر بهن أن يبحثن عن مخرج يتيح لهن الاستقلالية والكرامة الشخصية.
تشاء الأقدار أن تموت والدة فيصل في اليوم نفسه، الذي يموت فيه الغريم الشيخ السبتي عدو فيصل، الذي كان لا يطيق رؤيته يمشي على الأرض لولا العجز والهرم وضيق ذات اليد وانتفاء الحيلة، فالحياة التي فرقت بينهم جمعتهم المقبرة في يوم واحد هؤلاء لتشييع الوالدة وهؤلاء لتشييع الشيخ السبتي، وكأن الكاتب ضمنيا ينتصر لمنطق الأشياء وسيرورة الأحداث باتجاه سيادة القانون والمؤسسات، لا فوضى الانتقام وسعار الثأر.
وفي المتن السردي التالي يكشف الروائي محمد ساري بشكل انسيابي وطبيعي، من دون تصنع أو ليّ عنق الأحداث باصطناع وتكلف، إن فيصل ما عاد إلا ليستلم أمواله التي أودعها عند مصطفى صديق أخيه المسلح عبد الجليل، الذي اغتالته قوات الأمن، فقد كانوا ينصبون الحواجز المزيفة لإفراغ جيوب الناس والاعتداء على الممتلكات واغتصابها، مما جعلهم يجمعون ثروة لا بأس بها، لكن الموت عاجل عبد الجليل وآلت التركة إلى أخيه الذي فوجئ بفيصل يطالبه بحقه.
ليس مصطفى بالشخص السهل فهو مراوغ ومحتال لم ينكر حق فيصل، بل اتخذه شريكا يتاجران معا وينميان ثروتهما وهي خدعة لتوريط فيصل، فالحافلة التي منحها له لم تكن إلا حافلة مسروقة من ولاية أخرى سرعان ما وقعت في يد قوات الأمن، ووقع السائق حميد عفيان وصاحب الحافلة فيصل في يد قوات الأمن، ومهما بذل حميد عفيان من مساع لدى صديقه محافظ الشرطة رابح سعدون، الذي جمعته به ليال وسهرات في المطاعم الفخمة، للإفراج عن فيصل والحافلة، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا لصديقه، لقد انتهت الرواية بإدخال مصطفى وفيصل السجن، فأما مصطفى فبتهمة الإثراء غير المشروع فهذه الأموال أموال الناس تم السطو عليها أيام العشرية السوداء، وهذا فيصل يأخذ حافلة غير مشروعة وينتفع بها في ولاية أخرى بلا رخصة.
نهاية شبه مفتوحة لم يشأ الروائي محمد ساري أن يجعل فيصل يقتل على يد غريمه الشيخ السبتي، أو على يد صهره ناصر بولعراج زوج ابنته خليدة، وإن كان محمد ساري استعان بهذه الشخصية، أعني شخصية ناصر بولعراج وشخصية السائق حميد عفيان، لكشف كثير من الملابسات في ما يتعلق بماضي فيصل وعائلته ومآل الأحداث عبر ما يدور بينهما من حوار فهما على دراية بماضي فيصل وحاضره في صراعهما في هذه البلدة.
لقد اختار محمد ساري الثأر عن طريق المؤسسات، وليس عن طريق الأفراد، لأن ذلك ينسف قانون المصالحة من أساسه ويغرق البلد في وحل الفوضى والجريمة والانتقام، وهذا القانون جاء أصلا لإنقاذ البلد، والأخذ بيده من أجل غد مشرق واعد تبلسم فيه الجراح لا أن تنكأ من جديد.
رواية شيقة بلغة روائية جزلة وسرد متقن، يغوص في الخلفيات النفسية والبنية الاجتماعية وما يعتورها من فقر وبطالة وتسرب مدرسي وكل هذه العوامل شكلت الحواضن التي دفعت بالشباب إلى الصعود إلى الجبل.
يدفع محمد ساري بأحداث روايته وشخصياتها إلى المواجهة مع الذاكرة والموت في آن واحد، فالشخصيات لا تستطيع الفكاك من ماضيها إنه ماثل لها في كل زاوية وهذه الذاكرة يقابلها معادل موضوعي لها هو الموت والانتقام والثأر، في واقع معقد تتحرك فيه الشخصيات وكأنها تساق إلى أقدارها مثلما تساق النعاج إلى المسلخ. وكأن الروائي محمد ساري يحاول أن يجيب عن سؤال ما الذي حدث لنكون ما نحن عليه اليوم؟ سواء بالنسبة لروايته هذه المخصصة لما بعد العشرية السوداء، أو تلك التي كرسها للعشرية ذاتها، والتي سبقت الإشارة إليها في بداية المقال.
وإنه من خلال هذه الرواية ومن خلال لغة محكمة وسرد شيق، كاشف ومكثف الدلالة، من دون وصاية، أو رقابة أيديولوجية، أو تدخل سافر من الكاتب لليّ عنق الأحداث للإدانة، أو لعب دور الكاتب التنويري الذي يدين ويفتعل ويمارس الوصاية، كل ذلك تجنبه الكاتب بمهارة ليترك الأحداث تنمو طبيعيا لتظهر المفارقات والجدليات في تصادمها مع الواقع الاجتماعي، والخلفيات النفسية والاجتماعية في مناطق الظل، تلك التي كانت النواة لأحداث جسام شكلت ما يعرف بالعشرية السوداء، وجاء الروائي محمد ساري ليسلط عليها الضوء في مشروع سردي ضخم يستحق التنويه به، ودراسته من ناحية المضمون والبناء الفني، فالرواية باللغة العربية في الجزائر قطعت شوطا بعيدا، وافتكت عن جدارة مركزا مرموقا في صرح الرواية العربية.