توتر جديد بين واشنطن وباريس بسبب القيود الجوية على العمليات العسكرية


باريس- “القدس العربي”:

في حلقة جديدة من حلقات التوتر الدبلوماسي بين إدارة الرئيس الأمريكي وحلفائها الغربيين، وجه دونالد ترامب انتقادات شديدة لفرنسا، معتبرا أنها أبدت “تعاونا ضعيفا جدا” في العمليات العسكرية ضد إيران، وذلك على خلفية قرار باريس منع عبور طائرات عسكرية تحمل تجهيزات وذخائر موجهة إلى إسرائيل عبر مجالها الجوي.

القرار الفرنسي، الذي شمل على سبيل المثال طائرة إسرائيلية كانت تنقل ذخائر أمريكية في أواخر مارس، أثار استياء واشنطن، نظرا لما يسببه من تعقيدات لوجستية كبيرة للقوات الأمريكية.

فالمسار الجوي الأقصر نحو الشرق الأوسط يمر عادة عبر الأجواء الفرنسية، لكن مع هذا المنع اضطرت الطائرات الأمريكية، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية، إلى اتخاذ مسارات أطول عبر جنوب أوروبا أو مضيق جبل طارق، ما يعني ساعات إضافية من الطيران ذهابا وإيابا، وزيادة في التكاليف والضغط العملياتي، خاصة أن هذه الطائرات تنفذ مهامها دون الهبوط في وجهتها، وتعود مباشرة إلى قواعدها.

الدول الأوروبية تبدو منقسمة وعاجزة عن بلورة موقف موحد، ما يضعف قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث

تمسكت باريس بموقفها، حيث أكدت الرئاسة الفرنسية أن هذا القرار يندرج ضمن سياسة البلاد الثابتة منذ بداية النزاع، نافية أي تغيير في موقفها، موضحة أن فرنسا تميز بين الدعم اللوجستي غير المباشر والمشاركة في العمليات القتالية، حيث سمحت في وقت سابق لطائرات أمريكية “داعمة” بالهبوط في قاعدة إيستر جنوب البلاد، بعد الحصول على ضمانات كاملة بأنها لا تشارك في الضربات ضد إيران. كما عبرت عن استغرابها من تصريحات ترامب، معتبرة أنها لا تعكس بدقة الموقف الفرنسي.

ولا تقتصر التوترات على فرنسا وحدها. فقبل باريس دخلت إسبانيا في دائرة الانتقادات الأمريكية بعد أن قررت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب، ورفضت استخدام قواعدها العسكرية في الأندلس، وهو ما أثار غضب ترامب الذي لوح بإجراءات اقتصادية عقابية ضد مدريد، في مشهد يعكس انقسامات حادة داخل المعسكر الغربي ويعيد رسم ملامح التحالفات الدولية.

بالتوازي مع هذا التوتر عبر الأطلسي، تشهد العلاقات بين فرنسا وإسرائيل هي الأخرى تدهورا حادا، حيث أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية وقف جميع مشترياتها الدفاعية من فرنسا، في خطوة تعكس تحولا سياسيا واضحا، حيث لم تعد باريس تعتبر شريكا موثوقا من قبل الحكومة الإسرائيلية.

يعود هذا التدهور إلى تراكم خلافات سياسية، أبرزها اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في عام 2025، وهو القرار الذي اعتبرته إسرائيل، بقيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، خطوة عدائية مباشرة.

كما ساهمت مواقف فرنسية أخرى في تعميق الأزمة، مثل منع مرور شحنات عسكرية، والدعوة سابقا إلى فرض قيود على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل خلال حرب غزة، إضافة إلى استبعاد شركات إسرائيلية من معارض دفاعية على الأراضي الفرنسية.

ورغم محاولات دبلوماسية قادها وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو لإعادة فتح قنوات الحوار مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، فإن هذه الجهود لم تثمر عن نتائج ملموسة، حيث واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان ضد حزب الله، متجاهلة الدعوات الفرنسية والأوروبية لوقف التصعيد.

من جهة أخرى، أثارت تصريحات دونالد ترامب بشأن احتمال انسحاب الولايات المتحدة من إيران خلال فترة قصيرة، وتراجعه عن اعتبار أمن الملاحة في مضيق هرمز أولوية أمريكية، قلقا متزايدا لدى حلفاء واشنطن.

فقد دعا ترامب الدول الأخرى إلى تحمل مسؤولياتها بنفسها في تأمين إمدادات الطاقة، بل وحثها بشكل صريح على “الذهاب وأخذ النفط بنفسها”، في تحول لافت في الخطاب الأمريكي التقليدي تجاه حماية المصالح العالمية.

تعكس كل هذه التطورات، وفق مراقبين، مرحلة من إعادة التوازنات الدولية، حيث تجد فرنسا نفسها في موقع دقيق بين التمسك بمبادئها السياسية، ولا سيما فيما يتعلق بالقانون الدولي والقضية الفلسطينية، وبين الحفاظ على علاقاتها مع شركائها الغربيين.

وفي حين أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تمضيان في نهج تصعيدي واضح، فإن الدول الأوروبية تبدو منقسمة وعاجزة عن بلورة موقف موحد، ما يضعف قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث، ويكرس واقعا دوليا عنوانه الأبرز هو عدم اليقين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *