تونس -«القدس العربي»: ندد حقوقيون تونسيون بسجن طلاب بعد ضبطهم وهم يغشون في امتحان الباكالوريا.
وتم إيقاف تسعة تلاميذ في ولاية سليانة (شمال غرب) بعد الكشف عن قيامهم بعمليات غش في الامتحانات، وصدرت بحقهم بطاقات إيداع بالسجن، قبل أن تقرر المحكمة الابتدائية في سليانة قبول طلبات الإفراج التي تقدم بها محاموهم.
واعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن «الغش في الامتحانات سلوك مرفوض كليا ويمس بمبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة المنظومة التربوية، ويستوجب التصدي له بكل حزم».
واستدركت في بيان الإثنين: «غير أن الرد على هذه الظاهرة لا ينبغي أن يكون بمقاربة زجرية سالبة للحرية تفضي إلى وصم التلميذ وإقصائه وتعريض مستقبله الدراسي والاجتماعي للخطر. بل ينبغي أن تتم معالجة الظاهرة في إطار تربوي وقانوني يحترم حقوق الطفل والشاب ويأخذ بعين الاعتبار مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة».
وأكدت الرابطة أن «العقوبات السجنية لا تمثل حلا ناجعا لمعالجة ظاهرة الغش، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المستوى النفسي والاجتماعي والتربوي، خاصة في ضل ما تعيشه السجون ومراكز الإصلاح التونسية من أوضاع مزرية وغير إنسانية لمصلحة التلميذ الفضلى، توجب اعتماد إجراءات تأديبية وتربوية متناسبة مع طبيعة المخالفة، ولا تتعارض مع القوانين والاتفاقيات الحامية لحقوق الطفل».
دعوات لإيجاد حلول تربوية تكفل حقوقهم
كما اعتبرت أن «الحق في التعليم وإعادة الإدماج يجب أن يظل من المبادئ الأساسية التي توجه السياسات العمومية في المجال التربوي»، مشيرة إلى أن «مكافحة الغش تقتضي معالجة أسبابه العميقة، ومنها الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وضعف التأطير التربوي، والرهان المفرط على الامتحانات المصيرية».
ودعت الرابطة إلى «اعتماد عقوبات تربوية وتأديبية متدرجة تحافظ على هيبة الامتحان دون المساس بالحقوق الأساسية للتلاميذ، وتعزيز برامج التوعية بقيم النزاهة والاستحقاق والمسؤولية داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير الإحاطة النفسية والتربوية للتلاميذ ومرافقتهم بدل الدفع بهم إلى مسارات الإقصاء والعقاب المفرط، وفتح نقاش وطني حول سبل إصلاح المنظومة التعليمية ومنظومة التقييم والامتحانات بما يحد من ظاهرة الغش ويحفظ في الآن نفسه حقوق المتعلمين والإطار التربوي والأسرة التونسية».
وكتب القاضي عمر الوسلاتي، تحت عنوان «لا تجعلوا من أبنائنا عبرة ومن مدينتنا قفص اتهام»: «في الثقافة الحقوقية والإنسانية، لا ينبغي أن يتحول أحد إلى «عبرة لمن يعتبر»، ولا أن يصبح الشباب مادة للجلد والتشهير والتشفي. فمقاومة الغش في الامتحانات وحماية مصداقية الشهادات أمر لا يختلف حوله أحد، لكن الرد على الخطأ لا ينبغي أن يكون بتحطيم مستقبل الشباب أو بتحويلهم إلى مجرمين في نظر المجتمع».
وأضاف: «لا يمكن أن تتحول هفوة ارتكبتها مجموعة من التلاميذ إلى محاكمة أخلاقية وقانونية لمدينة بأكملها. فلا المدن تختزل في حادثة، ولا الأجيال تختزل في خطأ، ولا الإنسان يختصر في لحظة ضعف أو سوء تقدير إن السجون ليست حلولاً، والإيقاف ليس غاية في حد ذاته. فالشاب الذي يخسر بسبب خطئه سنة دراسية أو شهادة، لا ينبغي أن نخسره نحن كمجتمع، لأن طاقاته يمكن أن تتجه إلى الدراسة أو التكوين أو العمل ومختلف المجالات التي تنفع البلاد والعباد».
ودعا شكري لطيف، رئيس الائتلاف التونسي لمنع عقوبة الإعدام، إلى «مراجعة المنظومة التربوية مراجعة جذرية تنقذ المؤسسة التعليمية العمومية من الانهيار والخراب ماديا ومعنويا، وتعيد الاعتبار للتعليم والمعرفة كقيمة سامية وتحفظ حقوق التلاميذ بصفتهم مواطني المستقبل في كسبها دون تمييز أو انتقاء، وتضمن حقوق نساء ورجال التعليم في تأدية رسالتهم».