تكرار “دير ياسين” في الضفة الغربية


حجاي العاد

 بصراحة، وبكل المقاييس المحتملة، باستثناء مقياس واحد، فإن النصر الصهيوني على الفلسطينيين هو نصر مطلق. فالسلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية أصبحت في أيدينا بالكامل، ومثلها السيطرة على الأرض والمياه والموارد الطبيعية الأخرى. في جميع أنحاء أرض إسرائيل، اليهود أقوى وأغنى من الفلسطينيين بفرق كبير. لقد انتصرنا.

لم يبق إلا قضية واحدة لم نهزمهم فيها، وهي التركيبة السكانية. لم نكرر في عام 1967 الإنجازات الكبيرة التي حققناها في 1948. ونتيجة لذلك، رغم أننا لم نعد إلى نقطة انطلاق الصهيونية قبل أكثر من قرن عندما كان اليهود أقلية هنا، لكننا حافظنا على توازن ديمغرافي. وحتى الآن، ما زال نصف سكان هذه المنطقة، بين البحر والنهر، هم من الفلسطينيين. هذا هو الجانب الوحيد الذي لم ينته فيه الصراع بيننا وبينهم بهزيمتهم، بل بالتعادل: لا توجد مساواة في السلطة السياسية أو الحقوق أو الأراضي أو اقتصادياً، لكن توجد مساواة في العدد، ونحن عالقون هنا مع هذه المعضلة.

الفجوة بين حقيقة أننا نجحنا في تنظيم واقعنا هنا بحيث نملك كل شيء وهم لا يملكون أي شيء، وبين حقيقة أننا وهم متساوون من حيث العدد، تقلقنا جداً. إن سياستنا وكيفية استخدامنا للأدوات المتاحة لنا – إجراءات الحكومة والوزارات، الجيش وهيئة التخطيط والتشريع – تركز على هذه الفجوة وما يمكن فعلها حيالها.

يمكن سد هذه الفجوة بإعادة توزيع السلطة السياسية بين كل سكان البلاد، مع كل ما يتبع ذلك، أي السماح للمساواة في العدد باستخدام وظيفتها الديمقراطية، والعيش في واقع ثنائي القومية – الذي نعيش فيه بالفعل – بدون نفيه أو إضافة أو فرض تفوق قومية على قومية أخرى بالقوة. لا فائدة من المبالغة في هذه الاحتمالية هنا، حيث يكاد تأييدها معدوماً. وفي كل الحالات، هذا لم يكن ولن يكون مسار الصهيونية عملياً لأكثر من مئة سنة.

يمكن سد الفجوة من خلال الترانسفير والتطهير العرقي. وبهذه الطريقة ستحقق تركيبة السكان المؤشرات الأخرى. كل شيء سيكون في أيدينا (كما هي الحال الآن)، وفي الوقت نفسه (هذا هو الجديد) سنصبح كل الشعب. وبهذه الطريقة سنتخلص أيضاً من شوكة الفصل العنصري التي رغم أننا لا ندفع ثمنها دولياً، إلا أنها ما زالت تسبب الإزعاج.

لسنوات كثيرة دأب الصهاينة الليبراليون على تصوير معضلة إسرائيل وكأنها ضرورة الاختيار بين الدولة “اليهودية والديمقراطية” في جزء من البلاد، وبين الدولة ثنائية القومية في كل أرض إسرائيل. وهكذا يتم نفي الخيار الثالث، وهو التطهير العرقي، سواء كجزء من تاريخ الصهيونية في صورة النكبة في 1948 أو كخيار مشروع قائم في الحاضر والمستقبل. لذلك، سنقتبس أقوال دافيد بن غوريون في الكنيست في نيسان 1949: “عند طرح سؤال حول كل الأرض دون دولة يهودية أو دولة يهودية دون كل الأرض، فقد اخترنا دولة يهودية من دون الأرض الكاملة.

ولكن الحقيقة أن بن غوريون في نفس خطابه في الكنيست، في مقطع نادر ما يتم اقتباسه، أوضح حدود الأرض بوضوح في خطابه الصريح حول مسألة أخرى، وهي دير ياسين. هاكم أقوال رئيس الوزراء ووزير الدفاع في حينه: “دولة يهودية دون دير ياسين في الأرض الكاملة لن تقوم إلا في ظل ديكتاتورية الأقلية”. بكلمات أخرى، أوضح بن غوريون بأنه لا يمكن تحقيق تطهير عرقي ناجع دون مذابح مثل مذبحة دير ياسين. وقال لمنتقديه في الكنيست بأنه “إذا أردنا وحدة الأرض” و”دولة يهودية، فلا بد من المزيد من المجازر. “علينا تنفيذ دير ياسين في كل أرجاء البلاد” لطرد الفلسطينيين من المزيد من أجزاء أرض إسرائيل. “إن إقامة دولة يهودية في الواقع الحالي، حتى في غرب أرض إسرائيل فقط دون دير ياسين، هي أمر مستحيل إذا أردنا أن تكون دولة ديمقراطية، لأن عدد العرب في غرب أرض إسرائيل أكبر من عدد اليهود”. بالتالي، حدود دولة إسرائيل ليست مسألة عسكرية أو سياسية بحتة، بل هي في المقام الأول مسألة ديمغرافية. فإسرائيل بعد 1949 كانت بحجم المنطقة التي يمكنها فيها تنفيذ “دير ياسين” والتمتع بثمارها. وبالفعل، بعد تلك الحرب، وضمن حدود الخط الأخضر، تمكنا من إقامة دولة كل شيء فيها في أيدينا، بما في ذلك الأغلبية السكانية. وبعد عام 1967 حققنا “وحدة الأرض”، حتى لو كان ذلك على حساب طرد نحو ربع مليون فلسطيني، لكن بدون نكبة ثانية. وهكذا، نحن عالقون مع “عرب في غرب أرض إسرائيل” يساوي عددهم عدد اليهود.

الآن، رغم كل التشويشات، ندرك جميعاً بأن أي تحرك إقليمي من التحركات العنيفة، التي تسوقها إسرائيل مؤخراً – الحروب المتكررة مع إيران والاحتلال المتكرر في جنوب لبنان، وحتى المنطقة العازلة في جنوب سوريا – كل ذلك لن يحل القضية الأساسية التي تحدث عنها بن غوريون قبل 77 سنة. في المقابل، لن تغير الدبلوماسية الإقليمية – اتفاقات إبراهيم في العام 2020، أو حتى سلام مستقبلي مع السعودية نفسها – التوازن الديمغرافي في غرب أرض إسرائيل. لن يجبر السلام الإقليمي أو الحروب الإقليمية أي فلسطيني على ترك وطنه. ولكن الحروب قد تكون التوقيت الذي فيه “يمكن” طرد الفلسطينيين. قمنا بذلك في 1948، وبدرجة أقل بكثير في 1967، لذلك، تكرر إسرائيل تحت غطاء الحرب الجارية منذ سنتين ونصف، تطبيق الخيار الذي نعرفه والذي نعرف فعاليته والذي طبقناه في السابق ولم نستبعده قط، وهو دير ياسين.

هذه هي الاستراتيجية الكامنة وراء المذابح والقتل المتكرر للفلسطينيين في المناطق “ج”، حيث إن تسويق التطهير العرقي، كما قال بن غوريون، لا يحتاج إلى أقل من العنف الدموي.

هآرتس 27/3/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *