طرابلس – «القدس العربي»: تتزايد في الآونة الأخيرة التحذيرات الدولية بشأن الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بقطاع النفط الليبي، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وضعف منظومة الرقابة على الموارد السيادية في البلاد. ويعد النفط المصدر الرئيسي للدخل في ليبيا، ما يجعل أي اختلال في إدارة عائداته أو استغلاله خارج الأطر الرسمية تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الوطني ولمسار الاستقرار السياسي والأمني. وفي هذا السياق، كشفت مسودة مسرّبة من تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن الدولي المعنية بليبيا عن معطيات جديدة تتعلق بعمليات تصدير غير مشروعة للنفط ومشتقاته، إلى جانب حزمة من التوصيات التي تهدف إلى تشديد الرقابة على القطاع ومنع توجيه عائداته لتمويل الجماعات المسلحة.
وكشفت المسودة المسرّبة من تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن عن مجموعة من الإجراءات المقترحة لتعزيز الرقابة الدولية على قطاع النفط الليبي، في محاولة للحد من استغلاله من قبل شبكات تهريب أو جماعات مسلحة. وأوصت اللجنة بتضمين القرار الأممي القادم نصًا يقضي بحظر إيداع أي مدفوعات مقابل النفط الخام الليبي خارج حساب المؤسسة الوطنية للنفط في المصرف الليبي الخارجي، بهدف ضمان بقاء العائدات تحت إشراف الدولة ومنع استخدامها في تمويل أنشطة غير مشروعة.
كما دعت اللجنة إلى تعديل الفقرة السابعة من قرار مجلس الأمن رقم 2769 الصادر عام 2025، بحيث يتم إلزام الدول بإخطار الأمم المتحدة بالأنشطة التي تندرج حاليًا ضمن الاستثناءات من حظر توريد السلاح إلى ليبيا. وترى اللجنة أن هذا التعديل من شأنه تضييق المساحات التي يمكن استغلالها لتمرير معدات ذات طابع شبه عسكري تحت غطاء الاستثناءات.
وفي السياق ذاته، حثت اللجنة الدول الأعضاء عند تنفيذ الفقرة 19 من القرار 2213 الصادر عام 2015 على ضرورة توخي السلطات الليبية والشركات الخاصة الحذر بشأن المستخدمين النهائيين الفعليين للمواد ذات الاستخدام المزدوج التي يتم تصديرها من ليبيا أو عبر شركاتها، لا سيما المعدات التي يمكن استخدامها لأغراض شبه عسكرية.
كما أوصت اللجنة بالنظر في إدراج الأفراد والكيانات التي يثبت تورطها في انتهاك حظر الأسلحة أو دعم الجماعات المسلحة ضمن قوائم العقوبات الدولية، خصوصًا الجهات المتورطة في الاستغلال غير المشروع للنفط الخام أو المنتجات البترولية المكررة. ويرى مراقبون أن هذه التوصية قد تمهد لتوسيع نطاق العقوبات الدولية ليشمل شبكات اقتصادية مرتبطة بقطاع الطاقة.
وفي جانب آخر، كشف التقرير عن استمرار عمليات تصدير سرية للديزل الليبي عبر شبكات تهريب تستخدم أساليب معقدة لتفادي الرقابة الدولية. ووفق ما وثقته لجنة الخبراء، يجري استخدام الديزل الليبي بشكل رئيسي كوقود للسفن عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر.
وأوضح التقرير أن شحنات من الوقود الليبي نقلت عبر ناقلات نفط إلى عدة وجهات خارجية، من بينها مصر، كما وصلت شحنات بشكل متقطع إلى ميناء بربرة في الصومال وميناء بورتسودان في السودان. كما تحدث التقرير عن شحنة اتجهت إلى موقع في أمريكا الجنوبية، إضافة إلى شحنات حاويات وصلت إلى سوريا وتركيا والإمارات.
وأشار التقرير إلى أن هذه العمليات نفذتها ناقلات نفط تسيطر عليها شبكة إجرامية سبق الإبلاغ عن نشاطها في تقارير أممية سابقة، حيث جرى استخدام خزانات مرنة معبأة داخل حاويات لنقل الوقود وإخفاء طبيعته الحقيقية أثناء الشحن.
كما كشف التقرير عن مخالفات متكررة في وثائق الشحن، إذ تبين في كثير من الحالات أن المستندات غير مكتملة أو تحتوي على مؤشرات تزوير واضحة. ومن أبرز هذه المؤشرات استخدام شهادات منشأ غير صالحة صادرة عن غرفة تجارة طبرق، وهي جهة غير مخولة بإصدار مثل هذه الوثائق، إلى جانب عمليات تحميل غير اقتصادية وغير معتادة عبر شاحنات صهريج.
وفي تطور لافت، أشار التقرير إلى تنفيذ عمليات تصدير غير مشروعة من قبل شركات نفط مقرها شرق ليبيا، من بينها شركة نفط الخليج العربي “أجوكو”، حيث جرى رصد 28 شحنة متجهة إلى اليونان تضمنت شحنة واحدة من الكيروسين و27 شحنة من زيت الوقود منخفض الكبريت جدًا.
كما رصدت اللجنة شحنات أخرى من زيت الوقود منخفض الكبريت جدًا وصلت إلى عدة دول، بينها مصر وبلجيكا وألمانيا وإسبانيا ومالطا. ويرى مراقبون أن اتساع نطاق هذه العمليات يعكس وجود شبكة تهريب عابرة للحدود تستفيد من ضعف الرقابة داخل ليبيا.
ويرى مراقبون أن ما كشفه التقرير الأممي يعكس هشاشة منظومة إدارة قطاع النفط الليبي في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات، حيث أدى تعدد مراكز القرار وضعف التنسيق بين المؤسسات إلى خلق بيئة تسمح بانتعاش اقتصاد الظل المرتبط بالنفط.
كما يعتبر مراقبون أن استمرار هذه الأنشطة غير المشروعة لا يقتصر تأثيره على خسارة الدولة لعائدات مالية كبيرة، بل يهدد أيضًا جهود الاستقرار السياسي، إذ قد تسهم هذه العائدات في تمويل شبكات مسلحة أو مجموعات إجرامية تعيق مسار التسوية السياسية في البلاد.
وفي هذا السياق، قال مراقبون إن ما كشفه التقرير يدعم الرأي القائل إن القوى المتحكمة في المشهد الليبي شرقًا وغربًا أصبحت جزءًا من شبكة مصالح متداخلة تستفيد من استمرار الانقسام، بدلًا من العمل على بناء مؤسسات موحدة قادرة على إدارة الموارد الوطنية بشكل شفاف.
ويرى مراقبون أن هذه المعطيات تعزز الحاجة إلى إصلاحات عميقة في قطاع النفط الليبي، تشمل توحيد المؤسسات السيادية وتعزيز آليات الرقابة المالية، إلى جانب دعم الجهود الدولية الرامية إلى منع استغلال الموارد الطبيعية في تمويل الصراعات المسلحة.