طرابلس – «القدس العربي»: تشهد ليبيا تطورات متسارعة على وقع التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة، خصوصاً بعد اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة و»إسرائيل»، وما تبعها من اضطراب في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمدادات. وبينما تبحث أوروبا عن بدائل سريعة لتعويض أي نقص في إمدادات الغاز القادمة من الشرق الأوسط، تعود ليبيا مجدداً إلى واجهة المشهد بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، في وقت يتزامن فيه ذلك مع تحركات دبلوماسية وعسكرية دولية تتعلق بالهجرة والتعاون البحري، فضلاً عن استحضار سياسي متجدد لتجربة التدخل العسكري الغربي في ليبيا العام 2011 في سياق النقاش الأمريكي الدائر حول الحرب على إيران.
وفي هذا السياق، أشار موقع «بيزنس إنسايدر أفريكا» إلى أن ليبيا تبرز بين الدول القادرة على توفير بدائل موثوقة لصادرات الغاز الطبيعي إلى إيطاليا وعدد من الدول الأوروبية، خصوصاً بعد اضطراب الإمدادات القادمة من قطر نتيجة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة. وذكر التقرير أن تبادل الهجمات الصاروخية بين إيران والولايات المتحدة و»إسرائيل» دفع العديد من الدول الأوروبية إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة أكثر استقراراً، في وقت أعلنت فيه «قطر للطاقة» حالة القوة القاهرة على بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال الموجهة إلى أوروبا، وهو ما دفع شركات الطاقة الأوروبية إلى إعادة تقييم خياراتها بسرعة.
وبحسب التقرير، تدرس إيطاليا إمكانية الاعتماد بصورة أكبر على الغاز القادم من شمال إفريقيا، ولا سيما من ليبيا عبر خط أنابيب «غرين ستريم» الذي يربط الساحل الليبي بالأراضي الإيطالية، إضافة إلى واردات الغاز من الجزائر. وأوضح وزير الطاقة الإيطالي جيلبرتو بيتشيتو فراتين أن شركة «قطر للطاقة» أبلغت شركة المرافق الإيطالية «إديسون» بعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بخمس شحنات من الغاز الطبيعي المسال كان من المقرر تسليمها في بداية نيسان/ أبريل المقبل، مشيراً إلى أن الحكومة الإيطالية تبحث عن بدائل لتغطية هذا العجز، من بينها الغاز القادم عبر خطوط الأنابيب من ليبيا، شريطة توافر بعض الظروف التقنية اللازمة لتأمين الإمدادات.
وتتزامن هذه التطورات مع مؤشرات على تعافي إنتاج الغاز الطبيعي في ليبيا خلال العام 2025، حيث تخطط المؤسسة الوطنية للنفط لرفع الإنتاج إلى نحو مليار قدم مكعب يومياً بحلول العام 2030 عبر تطوير عدد من المشاريع الجديدة في قطاع الطاقة. كما سجلت إيرادات النفط والغاز في ليبيا خلال العام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً بنحو 29.8%، ما يعكس تحسناً نسبياً في أداء القطاع الحيوي الذي يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، إذ بلغت زيادة الإيرادات نحو 22.9 مليار دينار ليبي مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024.
وفي موازاة ذلك، أدى تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط العالمية، حيث تجاوز سعر خام برنت 92 دولاراً للبرميل في تعاملات الجمعة، وهو أعلى مستوى يسجله منذ العام 2023. ويرى مراقبون أن هذا الارتفاع قد يمثل فرصة اقتصادية مهمة للعديد من الدول الإفريقية المنتجة للطاقة، مثل ليبيا ونيجيريا وأنغولا وغانا، إذ تعتمد اقتصادات هذه الدول بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز، وقد يسهم استمرار الأسعار المرتفعة في تعزيز إيراداتها العامة وتمويل مشاريع التنمية والاستثمار.
وفي السياق نفسه، تتوقع تقارير اقتصادية أن تشهد القارة الإفريقية خلال العام الجاري تدفقات استثمارية كبيرة في قطاع النفط والغاز، حيث يُرجح أن تصل قيمة الاستثمارات الجديدة إلى عشرات المليارات من الدولارات، في ظل تزايد اهتمام الشركات الدولية بإمكانات القارة من الهيدروكربونات. ويعكس هذا التوجه ثقة متنامية لدى المستثمرين في قدرات الدول الإفريقية على لعب دور أكبر في تأمين احتياجات الطاقة العالمية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الأسواق الدولية للطاقة.
وفي الولايات المتحدة، أعادت الحرب على إيران إلى الواجهة النقاشات السياسية حول التدخلات العسكرية السابقة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث استحضرت رئيسة مجلس النواب الأمريكية السابقة نانسي بيلوسي تجربة التدخل العسكري في ليبيا العام 2011 أثناء انتقادها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن هجمات على إيران. وأكدت بيلوسي أن العملية العسكرية التي قادها الرئيس الأسبق باراك أوباما في ليبيا كانت «استخداماً محدوداً للقوة العسكرية» يهدف إلى حماية المدنيين، بينما اعتبرت أن العملية العسكرية التي أطلقها ترامب ضد إيران، والتي حملت اسم «الغضب الملحمي»، تختلف بصورة كبيرة وتتجاوز ذلك الإطار.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه ترامب انتقادات من عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي الذين يرون أن قرار مهاجمة إيران تم دون الحصول على تفويض مسبق من الكونغرس، ما قد يشكل تجاوزاً لقانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973. وينص هذا القانون على ضرورة إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة في حال دخول القوات الأمريكية في أعمال قتالية، إضافة إلى ضرورة الحصول على تفويض تشريعي إذا استمرت العمليات العسكرية لأكثر من ستين يوماً، وهو ما يثير جدلاً سياسياً وقانونياً داخل الولايات المتحدة بشأن حدود صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية.
وفي ليبيا، تتواصل أيضاً التحركات الدولية المرتبطة بملف الهجرة والتعاون البحري في البحر المتوسط، حيث أكد المفوض الأوروبي للهجرة، ماغنوس برونر، أهمية استمرار التواصل بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الليبية. وأوضح أن عدم التواصل مع ليبيا «ليس خياراً مطروحاً»، لأن ذلك سيحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير في التطورات المرتبطة بملف الهجرة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار خاصة على المستوى الفني بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، شهدت العاصمة طرابلس زيارة رسمية لقائد عملية «إيريني» الأوروبية الأدميرال ماركو كاسابييري، في أول زيارة له إلى ليبيا منذ توليه مهامه، حيث عقد سلسلة لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين من بينهم رئيس الأركان العامة التابعة لحكومة الوحدة الوطنية صلاح النمروش، إضافة إلى قادة البحرية الليبية وخفر السواحل وممثلين عن وزارة الخارجية. وتركزت المناقشات على تعزيز التعاون البحري وإعادة تفعيل آليات التنسيق في عمليات الإنقاذ ومراقبة تدفق الهجرة عبر البحر المتوسط.
وتعكس هذه التحركات استمرار اهتمام الاتحاد الأوروبي بتعزيز الشراكة مع ليبيا في إدارة ملف الهجرة وتأمين الحدود البحرية، خاصة في ظل تزايد الضغوط السياسية داخل أوروبا للحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر المتوسط. كما يظل إنشاء مركز تنسيق للإنقاذ البحري في ليبيا من القضايا الحساسة سياسياً، إذ يثير نقاشات مستمرة بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الليبية والمنظمات الحقوقية حول آليات التنسيق ومسؤوليات الإنقاذ في البحر المتوسط.