ترامب يعود للتهديدات.. وإيران تمسك بنقطة ضعفه: كسرنا كل توقعاته


وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، الذي أصبح لسبب ما أحد أبرز المتحدثين باسم إدارة ترامب بشأن الحرب في إيران، قال أمس: أحياناً، لا بد من التصعيد لتهدئة الوضع”. هذا التصريح جاء عقب أحدث تصريحات ترامب، الذي أعطى الإيرانيين مدة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، وهدد بتدمير محطات الطاقة الرئيسية في إيران إذا رفضوا.
الليلة سينتهي إنذار ترامب. وجاء هذا الإنذار بالتحديد بعد أن ألمح الرئيس في مناسبات كثيرة إلى أنه يبحث عن طريقة لإنهاء الحرب. ويبدو أن العودة إلى التهديدات تعكس تأثير خطوة إيران، إغلاق مضيق هرمز، التي فاجأت الإدارة الأمريكية رغم أنها كانت موضوعاً لكل أنواع تمارين المحاكاة خلال عقود. ورغم محاولات التقليل من شأن الأزمة المتفاقمة في سوق الطاقة، سواء في واشنطن أو بين المتحدثين باسم الحكومة الإسرائيلية، فيبدو أن تحركات إيران الأخيرة تنذر ببداية هزة في الاقتصاد العالمي.
تتعرض إيران لقصف متواصل، ما يضعها في موقف عسكري غير مناسب، لكن إيران وجدت، بعد نحو ثلاثة أسابيع من الحرب، نقطة ضعف أمريكية وبدأت بالضغط عليها. إن المجموعة التي تقود النظام الآن والتي تعمل بالسر نظراً للخطر الذي يهددها (مع عدم وضوح مصير المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي) مستعدة للمخاطرة. في حين أن ترامب، حسب تهديداته، يفكر بالرد بالشيء نفسه، وفي نفس الوقت يفحص العودة إلى التفاوض مع الإيرانيين عبر مبعوثي الرئيس. وما يقل ذكره مؤخراً هو احتمالية أن تؤدي الحرب إلى تغيير النظام في إيران.
إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً، فمن المؤكد أن يواصل الإيرانيون النهج الذي بدأوه بالفعل، وهو استهداف مواقع الطاقة في دول الخليج المجاورة بشكل منهجي (ومحاولات مشابهة ضد إسرائيل أيضاً). كتب غريك كارلستروم، مراسل “إيكونوميست” لشؤون الشرق الأوسط أمس: “ما زال البعض يتظاهرون بوجود خطة محكمة، لا وجود لها. هناك إدارة تحاول عبر التغريدات إدارة حرب لم تتطور كما توقعت”.
لقد حقق الإيرانيون انتصارين معنويين آخرين مساء السبت عندما أطلقوا صاروخين بالستيين على “ديمونا” و”عراد” وخلفوا أكثر من 100 مصاب وموقعين مدمرين. وأعلنت إيران بأن الإطلاق كان يستهدف مفاعل ديمونا، رداً على قصف أمريكا للمنشأة النووية في نطنز. أي هجوم على إيران يخلف خسائر بشرية وأضراراً أكبر، لكن النظام هناك لا يخوض حرباً متكافئة، بل معركة على البقاء، حيث تحتل الحرب النفسية ضد العدو مكانة مركزية. بعد ليلة هادئة نسبياً في مركز البلاد، تم إطلاق الصواريخ عليها أربع مرات صبح مساء يوم أمس بهدف تعطيل أي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية. ومن بين ما سجل، أحداث تحطم وأضرار وإصابات في وسط تل أبيب.
الهجومان اللذان كانا في الجنوب بفارق ساعتين تقريباً، أثارا تساؤلات كثيرة، مثل: هل هما مجرد صدفة؟ أم أحداث متتالية؟ الجيش الإسرائيلي يتفاخر بنسبة اعتراض مدهشة بلغت 92 في المئة في الحملة الحالية على إيران. ولكن معروف أن النظام متعب إلى أقصى درجة، وأن الارتجال والتطوير السريع ضروريان لإعادة تنظيم بنية طبقات الاعتراض الدفاعية وضمان أوسع رد ممكن على العدو، الذي يسعى باستمرار إلى تحسين أسلوب هجومه.
لقد رافق النجاح الإيراني هذا كل التداعيات المعتادة في إسرائيل: مظاهر ارتباك وعدم فعالية وعدم تضامن من قبل الوزارات الحكومية، إلى جانب أداء محرج من رؤساء البلديات (أحدهم صرح مؤخراً بأنه يفضل الكنس اليهودية على الملاجئ، وآخر متحمس لحدوث معجزة – صورة رئيس الوزراء التي بقيت سليمة في مبنى مدمر). يظهر في كل مشاهد الخسائر البشرية الفادحة أن معظم المصابين أصيبوا خارج الغرف الآمنة. مع ذلك، يجب التذكير بالفجوة الواضحة بين المؤيدين والمعارضين؛ فالوزراء ورؤساء البلديات والمحللون والإعلاميون – كثيرون منهم يعيشون في بيوت مجهزة بملاجئ من الغارات الجوية. كثيرون من بين أتباع حسيدية غور في “عراد” والسكان الذين أصيبوا في ديمونا، يجب أن يذهبوا إلى الملاجئ العامة المكتظة في ظروف صعبة، وهم يعتنون بأطفالهم الصغار، وذلك للأسبوع الرابع على التوالي.
ليس عجيباً أن تتوتر أعصاب المواطنين، وألا يتم الالتزام دائماً بالتعليمات بشكل صارم. فعندما تتحدث الحكومة وهيئة الأركان العامة عن حرب لانهائية وبدون فترة راحة، فمن المشكوك فيه أن يتذكر متخذو القرارات ما يشعر به المواطنون العاديون الذين طلب منهم العودة إلى العمل، رغم أن جهاز التعليم لا يقدم أي حل عملي لأولادهم (التعليم عن بعد ليس حلاً كاملاً، بل يصبح مع مرور الوقت جزءاً من المشكلة بالنسبة لكثيرين).
في الشمال قتل أمس الشخص الثالث منذ استئناف الحرب مع حزب الله، وهو من سكان “كيبوتس مسغاف عام”، الذي أصيب برصاصة استهدفت سيارته. ويجري التحقيق في احتمالية أن يكون قد أصيب برصاصة للجيش الإسرائيلي. ويستعد الجيش لتوسيع نطاق العملية في جنوب لبنان وإدخال المزيد من الفرق. وقد أطلق وزير الدفاع يسرائيل كاتس تهديده اليومي، وفي هذه المرة قصف المزيد من الجسور على نهر الليطاني لمنع تعزيزات حزب الله من التقدم نحو الجنوب. وأعلن رئيس الأركان، إيال زامير، الثلاثاء، بأنه وافق على خطط قيادة المنطقة الشمالية لمواصلة القتال ووعد: “لا لمزيد من الاحتواء! هناك مبادرة! هناك هجمات!”. يبدو أن الجيش يخوض صراعاً مع السياسيين على بقايا المجد، ولا سمح الله، النظر إليه بأنه يضع علامات استفهام حول استمرار القتال على كل الجبهات، وهو بدلاً من ذلك، يفضل استخدام علامات التعجب في هذا الشأن.
الشر سيندلع من الضفة الغربية
في غضون ذلك، ثمة شر آخر يتطور في الضفة الغربية. السبت، قتل شاب إسرائيلي في حادث طرق، وصفه الجيش الإسرائيلي بناء على التحقيقات الأولية، بأنه تصادم مع شاحنة صغيرة يقودها فلسطيني قرب قرية بيت أمرين غرب نابلس. وكان الضحية من بين ركاب سيارة الرينجر، وهي سيارة ميدانية توفرها الدولة للمزارع التي أقامها المستوطنون في أرجاء الضفة في السنوات الأخيرة. السائق الفلسطيني المصاب هرب، وبعد ذلك اعتقله الجيش الإسرائيلي وتم نقله للتحقيق.
رئيس مجلس “السامرة”، يوسي دغان، وغيره من المسؤولين في المستوطنات، أعنوا بأنه اعتداء متعمد. ودعا نشطاء متطرفون على الفور إلى الثأر، وهذا ما حدث؛ ففي أكثر من عشرين حالة في أرجاء الضفة الغربية،
أغلق المستوطنون الشوارع ورشقوا الحجارة على الفلسطينيين واعتدوا عليهم ضرباً وحرقاً للبيوت والسيارات في نابلس وجنين. ونتج عن هذه الهجمات إصابة 11 فلسطينياً بإصابات طفيفة. ولم تعد الدعوة إلى الثأر صريحة، بل أصبحت تطلق من بعيد. وقد تكرر هذا مساء أمس قبل ليلة عاصفة ثانية في الضفة الغربية. هذه مليشيات عنيفة، بعضها مسلح بسلاح عسكري، والشرطة لا تحرك ساكناً لوقفها. ومن غير المتوقع أيضاً أن يحصل الجيش الإسرائيلي على شهادات تقدير لجهوده في مكافحة هذه الظاهرة.
في غضون شهر واحد، قتل ثمانية فلسطينيين في الضفة الغربية في المواجهات مع المستوطنين. وقد أثارت أعمال العنف إدانة غير مسبوقة من رئيس الأركان وقائد المنطقة الوسطى، ومراوغة من قبل رؤساء المستوطنات (هنا وهناك كانت كلمة إدانة)، حتى إنها استدعت زيارة سريعة ونادرة لرئيس الحكومة في قيادة المنطقة الوسطى الجمعة الماضي. الآن، وقبل عرض أدلة مقنعة، يجري تسويق رواية تصور القتيل في هذا الحادث بأنه عمل إرهابي.
الهدف هنا مزدوج؛ تقليص الانتقادات العامة والإعلامية لعنف نشطاء اليمين المتطرف، وتأجيج الصراع في المنطقة تمهيداً لتصعيده. ليس غريباً إذاً أن يخشى قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية من أن يعتزم المستوطنون -بدعم من الحكومة تحت غطاء الحرب مع إيران- نقل الحرب إلى الضفة الغربية بكل القوة.
عاموس هرئيل
هآرتس 23/3/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *