عزا وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هدد فيه بـ”إعادة الإيرانيين إلى حيث ينتمون: العصر الحجري”، إلى غضب ترامب من “عدم استسلام الإيرانيين من دون قيد أو شرط”. هذه الإساءة للإيرانيين، كما قال ظريف، تكشف طبيعة قائلها، فإيران “كانت تملك حضارة راقية عندما كان هو في العصر الحجري”.
تساءل ظريف، في رده على خطاب ترامب، إن كان الرئيس الأمريكي ومواطنوه الذين أوصلوه إلى سدة الحكم متأكدين من رغبتهم في إعادة الشرق الأوسط إلى “العصر الحجري” حيث “لم يكن يستخرج النفط أو الغاز”؟
حسب تحليل في الصحافة العبرية، نشر قبل أيام، فإن الموقف الرسمي الأمريكي المعبر عنه في بيانات وزارة الحرب الأمريكية و”البيت الأبيض” كان يُعارض إلحاق إسرائيل الضرر بالبيئة التحتية الوطنية في إيران خوفا من رد إيراني بقصف منشآت النفط في الخليج، مما يفاقم أزمة الطاقة العالمية المتفاقمة، وإذا عكس خطاب ترامب تعبيرا عن تغيّر في هذا الموقف الرسمي الأمريكي، ولم يكن “22 دقيقة من الثرثرة”، كما وصفه ظريف، فهو يعني أن نتنياهو، يعود مجددا ليكون المهندس الفعلي للحرب على إيران فيما يتحول “الغضب الملحميّ”، كما سمّى البنتاغون الهجوم على إيران، إلى “عمى ملحمي”، على حد وصف مجلة “إيكونومست” البريطانية.
تشهد إدارة ترامب حراكا يتعلّق، بالضرورة، بقرار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، بدءا من إعلان البنتاغون عن إحالة قائد أركان القوات البرية في الجيش الأمريكي إلى التقاعد “بأثر فوري”، والحديث عن إقالة جنرالين كبيرين آخرين، وذلك بعد استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت، على خلفية الحرب أيضا.
يتزامن هذا مع إقالات تشير إلى اهتزاز في أوساط إدارة ترامب بما يخص قضايا الساحة الأمريكية الضاغطة، كإقالة وزيرة العدل بام بوندي، على خلفية إدارتها لملفات جيفري إبستين؛ والحديث عن دراسة ترامب إقالة مدير مكتب التحقيقات الفدرالي كاش باتيل (وكلاهما من الشخصيات شديدة الولاء لترامب!). يأتي كل ذلك في ظل تراجع كبير في شعبية الرئيس الأمريكي بسبب الحرب، وفي ظل مظاهرات “لا ملوك” المعارضة لترامب والتي بلغ عدد المشاركين فيها قرابة 8 ملايين أمريكي.
في ظل التفوق التكنولوجي والناريّ الهائل لأمريكا وإسرائيل، يمكن ملاحظة نجاحات عسكرية لافتة لإيران كان آخرها إعلان إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية داخل الأراضي الإيرانية، أمس الأحد، وتأكيد صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في اليوم نفسه، حصول أضرار كبيرة في مصنع إسرائيلي لإنتاج المسيرات قرب تل أبيب. تمكنت إيران، رغم دخول الأسبوع السادس من الحرب عليها، من قصف منطقة ديمونا، ومصنع كيميائي لإنتاج الأسمدة، واستهداف مصفاة حيفا، ناهيك عن تمكّن “حزب الله” في لبنان من تسديد ضربات موجعة للجيش الإسرائيلي مما أدى لإقرار الأخير بعدم واقعية هدف نزع سلاح الحزب.
انخراط ترامب في استراتيجية لتدمير البنى التحتية الإيرانية، إذا حصل، سيكون تصديقا لكلام ظريف عن إحباط الرئيس الأمريكي من رفض النظام الإيراني للاستسلام، مضافا إليه، طبعا، ورقة مضيق هرمز، التي ضمتها طهران إلى أوراقها، والنجاحات العسكرية لسياسة “العين بالعين” المطبقة ضد إسرائيل، والتهديدات باستهداف “كل الأصول الأمريكية” في المنطقة.
انجرار ترامب إلى حلف “العصر الحجري” مع نتنياهو، هو، بهذا المعنى أيضا، انضمام إلى حلف الإبادة الذي يُعلن المسؤولون الإسرائيليون رغبتهم في تطبيقه على لبنان وسوريا وإيران، وفراقا لوعود أمريكا بحماية منطقة الخليج العربي، وابتعادا متزايدا عن أوروبا… والحضارة البشرية، وعودة فعلية إلى “العصر الحجري”.