ترامب فتح باب جهنم على نفسه.. وإسرائيل تستسلم للصواريخ العنقودية وعقيدة “حزب الله” الجديدة


عاموس هرئيل

من المرجح أن يستمر التوتر حتى اللحظة الأخيرة، موعد انتهاء الإنذار الذي حدده ترامب لإيران، الساعة الثالثة فجراً بتوقيت إسرائيل. لقد طلب الرئيس الأمريكي من إيران فتح مضيق هرمز والسماح بحرية الملاحة فيه من الخليج الفارسي، وإلا، كما هدد، سيفتح عليها باب جهنم.

تركز الخطة العملياتي الأمريكي – الإسرائيلي على قطاع الطاقة في إيران، لا سيما محطات توليد الكهرباء. أمس، هاجمت إسرائيل بشكل غير مسبوق مصنع بتروكيماويات كبيراً جنوب إيران، وهو الهجوم الذي تسبب بأضرار اقتصادية كبيرة. يبدو أنها خطوة، في منطقة تقصفها الولايات المتحدة في العادة، تم تنسيقها مع الولايات المتحدة، وهذه إشارة من ترامب على تصعيد محتمل.

كالعادة، ظهرت مبادرة وساطة جديدة في اللحظة الأخيرة تطالب بوقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً. ومساء أمس، جاء في تقارير أن إيران رفضت هذه المبادرة وطالبت بوقف إطلاق نار دائم. في الوقت الحالي، تبدو فرصة تحقيق انفراجة ضئيلة، لا سيما أن ترامب تجاهل الموعد النهائي الذي حدده هو نفسه مرتين خلال السنة الماضية، وعمل قبل انتهاء هذا الموعد. وقد صرح للمراسل براك ربيد، أنه يعتقد بإمكانية التوصل إلى اتفاق، ولكنه أوضح أنه “سأدمر كل شيء”.

يستخدم ترامب في الخليج قوة عسكرية لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن استخدمها ضد إيران، ولكن حتى الآن لا يُترجم هذا الضغط إلى نتائج استراتيجية، بل ربما العكس هو الصحيح. في الوقت الحالي، يبدو أن الضربات التي تعرض لها النظام تقوي موقف القيادة التي ورثت قتلى اغتيالات إسرائيل. خبراء كثيرون في الشأن الإيراني يقولون إن ترامب لا يفهم بالضبط ما يحدث هناك، ويتجاهل تحذيرات كبار المسؤولين في البنتاغون ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي – الهيئات التي تم إفراغها عقب موجة التطهير التي قامت بها الإدارة الأمريكية من معلومات كثيرة كانت لديها.

كتب المحلل المخضرم كريم سجادبور، هذا الأسبوع، بأن النظام الإيراني يتمسك بمبادئه: أيديولوجيا المقاومة، واستراتيجية الفوضى، وهدف البقاء. ويرى أن الخطأ الأمريكي الأكبر هو ربط مصالح النظام مع مصالح البلاد، في حين أن النظام نفسه لا يرغب في الاستقرار والانفتاح، وهي الأمور التي تتعارض مع أهدافه. النظام يفضل تدمير البلاد وقتل مواطنيه شريطة ألا يُجبر على تقديم أي تنازل حقيقي عن مبادئه. وقال سجادبور: “ترامب يعتبر الحرب أزمة تمهيدية لصفقة كبيرة، والنظام لن يوافق إلا على صفقة صغيرة. لقد اختار علي خامنئي الشهادة على الاستسلام، وهكذا سيفعل خليفته، نجله مجتبى. يريد ترامب صفقة سريعة يعجز النظام عن تحقيقها”.

إذا فشلت المفاوضات، قد يقبل ترامب على تصعيد خطير. الهدف هو الرد بالمثل: تحميل الجماعة في طهران ثمناً باهظاً يجبرها على التوقف والموافقة على بعض شروط الولايات المتحدة. إلى جانب أهداف البنى التحتية المدنية، طُرحت أهداف أخرى، مثل السيطرة على جزيرة خرج التي تمر فيها معظم صادرات النفط الإيرانية، والاستيلاء على جزر أخرى، بل وحتى احتلال مناطق في إيران تسمح بفتح مضيق هرمز.

بين حين وآخر، تظهر تقارير في وسائل الاعلام الأمريكية عن محاولة عملية لحل المشكلة التي شغلت الإدارة الأمريكية قبل إغلاق إيران لمضيق هرمز بطريقة متوقعة تماماً، وهي مشكلة الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب. ويؤكد الخبراء أن هذا سيحتاج إلى عملية معقدة جداً، بسبب توزيع اليورانيوم في ثلاثة مواقع تحت الأرض، ولأن إيران تستعد لاحتمالية هذا التحرك منذ فترة طويلة.

في حالة انهيار إيران أمام الضغط العسكري – الأمر الذي يشكك فيه الكثير من الخبراء – لا تتوقع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حالياً تصميماً أمريكياً على اتخاذ إجراءات لإسقاط النظام. قد يعلن ترامب النصر ويقلص الحضور الأمريكي العسكري في الخليج تدريجياً، ويلقي بالمشكلة الملحة على مسؤولية المجتمع الدولي. سيواجه النظام في طهران صعوبة على المدى البعيد في إدارة دولة فاشلة مع بنى تحتية مدمرة، وقد يمهد ذلك الطريق لتجدد موجة الاحتجاجات التي تم قمعها بوحشية في كانون الثاني الماضي. وتخشى إسرائيل من أن القيادة التي نجت من الحرب ستقتنع بضرورة الذهاب إلى خيارها الاحتياطي، وهو القدرة النووية العسكرية، حتى لو كان ذلك جزئياً ومرتجلاً مقارنة مع المشروع النووي الأصلي. بعد مرور شهر وأكثر على الحرب، أصبح الوضع الحقيقي لإيران، اقتصادياً وعسكرياً، مخيفاً. وتكمن المشكلة في أن إنهاء الحرب بالنصر وإسقاط النظام غير كاف بالضرورة.

ضعفاء، لكنهم مصممون

عقب حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي، حققت إسرائيل وأمريكا تفوقاً جوياً كاملاً على إيران. ومن المرجح أن الهجمات المنهجية تسببت بأضرار كبيرة لسنوات. ومثلما ذكر هنا قبل الحرب، يصعب استغلال هذه القوة الجوية الهائلة لإاجبار إيران على الخضوع لإملاءاتها (حتى لو ما زال ذلك ممكناً)، بل والأصعب هو إجبارها على تغيير النظام. من خططوا للهجوم في الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يجدوا حلاً لهذه المعضلة حتى الآن. ورغم التفوق العسكري الكبير، لا يبدو ان هناك تحركاً أمريكياً أصيلاً لحل هذه المعادلة. لم يكن هذا مفاجئاً؛ فبعض الوعود المتعلقة بنجاح القوة الجوية تبدو وكأنها مأخوذة من الجدل الذي كان يجري حول عمليات القصف الأمريكية في شمال فيتنام في نهاية ستينيات القرن الماضي. في ذلك الحين، زعم بأن العالم لم يشاهد مثلها، ومع ذلك لم تستسلم حكومة هانوي.

في مقابلة في هذا الأسبوع في “بودكاست” (مجلة فورين افيرز)، قدم الدبلوماسي المخضرم بيل بيرنز، الذي شغل منصب رئيس الـ .سي.آي.ايه في إدارة بايدن، صورة قاتمة للحرب. وقال بيرنز، الذي لا يعدّ من مؤيدي ترامب، بأن الرئيس لم يدرك قدرة النظام الإيراني على البقاء، ولم يتوقع قرار طهران تحويل الصراع إلى حرب اقتصادية ذات تأثيرات عالمية. وقال: “افترض الإيرانيون أن بإمكانهم تحمل الضربات أكثر مما تستطيع الولايات المتحدة تحمله من أضرار اقتصادية. دخلنا في مأزق عميق، وكل خيارات الخروج منه صعبة”. وحسب أقواله، فإن النظام الذي يتشكل الآن في إيران “أضعف، لكنه أكثر شراً وتطرفاً، وأقل انفتاحاً على التسوية”. وأضاف بأنه بعد موجة الاحتجاجات، دخلت القيادة إلى طريق لا رجعة عنه نحو الانهيار، وربما الحرب قللت وتيرته.

في هذا النقاش، تشغل إسرائيل مكانة هامشية نسبياً. كان لنتنياهو تأثير كبير على قرار ترامب شن الحرب الحالية، لكن استمرارها سيتحدد في المقام الأول من خلال اعتبارات أمريكية داخلية، بدءاً بالأضرار التي تعرض لها الاقتصاد، وانتهاء بانتخابات نصف الولاية في الكونغرس في تشرين الثاني القادم.

في غضون ذلك، تزداد الأضرار على الجبهة الداخلية. يعترف الجيش الإسرائيلي بأن الصواريخ العنقودية تشكل صعوبة جديدة أمام أنظمة الاعتراض، إلى جانب تراكم الإصابات المباشرة بسبب الصواريخ ذات الرؤوس الحربية الكبيرة (حسب “هآرتس”، هناك 16 إصابة منذ بداية الحرب وحتى أمس). قبل يومين، قتل أربعة إسرائيليين في حيفا بسبب إصابة بيتهم إصابة مباشرة، يعتقد أنها ناتجة عن جزء كبير من صاروخ لم ينفجر. عدد الضحايا غير مرتفع بشكل خاص، لكن لا يمكن تجاهل عدد الضحايا والأضرار، لا سيما مع وضوح أن مخزون صواريخ الاعتراض المتاحة لمنظومة الدفاع الجوية، يبقى محدوداً.

وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أعلن أمس عن صفقة لتسريع التسلح بصواريخ حيتس. الأرقام وبحق غير متاحة للجمهور، لكن يمكن القول إنها خطوة كان يمكن اتخاذها في السابق، ربما بمساعدة الأموال الإضافية المخصصة لشركاء الليكود في الائتلاف. أمس، عين كاتس الرئيس التنفيذي السابق بوعز ليفي في منصب رئيس مجلس إدارة الصناعات الجوية الإسرائيلية (هذا تعيين مناسب على الأقل للتغيير). جاء هذا بعد أن بقي مجلس إدارة الشركة دون رئيس دائم لأكثر من سنة، في حالة الحرب، بسبب الصراع على السلطة بين وزراء الليكود.

في مثل هذه الظروف، تحتاج الحكومة إلى حرف الانتباه يومياً. ومن هنا جاءت الاتهامات الموجهة للمحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة وإيهود باراك. ومن بين وسائل حرف الانتباه الأخرى، قضية إقالة المتحدث باسم الكنيست، وبعد ذلك إعادته ثم إقالته. من ناحية نتنياهو، الأفضل التحدث عن هذا الأمر بدل التحدث عمن تقع المسؤولية عن مذبحة 7 أكتوبر، أو عرقلة إمكانية التحقيق معه أو فشل الحكومة في إدارة أزمة الجبهة الداخلية في الحرب الحالية، أو الوضع في الجبهات الثانوية، في لبنان وقطاع غزة.

مثل حجم التوقعات

إذا لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار في إيران، فمن المرجح أن تستمر الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. ثمة تشابه بين وضع حزب الله ووضع راعيتها. في مساء 7 أكتوبر، بعد المذبحة بفترة قصيرة، خُدع جميع أعضاء المحور الراديكالي بقيادة طهران بفكرة هزيمة قريبة لإسرائيل، إلى درجة أنهم وضعوا خطة إيرانية لتدميرها. لم تعد هذه الحال الآن بعد مرور سنتين ونصف بالضبط. لكن الإيرانيين وحزب الله عدلوا التوقعات؛ فهم الآن يخوضون حروباً هدفها الانتصار. وما داموا صامدين بعد تبادل الضربات، فسيعتبر هذا انتصاراً لهم.

لقد ظهرت الجولة السابقة بين إسرائيل وحزب الله أكثر حسماً من الجولة السابقة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وبين إيران من الجهة الأخرى في حزيران 2025. لقد فقد الحزب رئيسه حسن نصر الله، ومعظم قادته البارزين أصحاب الخبرة، وجزءاً كبيراً من ترسانته الصاروخية متوسطة المدى، وتعرض أيضاً لهجوم بأجهزة البيجر ما ادى إلى انهيار معنوياته وتضرر معظم بنيته التحتية القتالية في جنوب لبنان. ومنذ ذلك الحين، امتنع الحزب عن إطلاق النار على إسرائيل، رغم أن الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من 400 من أعضائه في شباط الماضي، واغتال رئيس أركانه.

هذه الإنجازات، إضافة إلى امتناع حزب الله عن المشاركة في حرب حزيران الماضي وقطع خطوط التهريب من إيران عبر سوريا، كل ذلك أثار الأوهام في الجانب الإسرائيلي. فقد احتفل نتنياهو والوزراء والجنرالات بالانتصار على حزب الله. ولمحوا في برامج التلفزيون إلى أن الحزب قد أنهى دوره التاريخي. وهذا أدى إلى فجوة بين توقعات الحكومة والجيش وتوقعات الشعب، لا سيما سكان المنطقة الشمالية، التي ازدادت عند بداية الحرب الحالية. وتبين أن حزب الله، حتى بشكل محدود، يمكنه إلحاق خسائر بإسرائيل، ولا يجد صعوبة في العودة إلى القتال.

صحيح أن رئيس الأركان إيال زامير يتحدث عن قتل أكثر من 1000 عنصر من حزب الله منذ 28 شباط الماضي، لكن إطلاق النار لم يتوقف، حيث يتم إطلاق 100 صاروخ ومسيرة كل يوم على قوات الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، وعلى البلدات الشمالية. وإن اعتراف ضابط كبير بعدم تمكن الجيش من نزع سلاح حزب الله بشكل كامل بالنهج الحالي، خلافاً لتصريحات نتنياهو وكاتس وزامير، أثار ضجة صغيرة. وقال الخبير في شؤون حزب الله، الدكتور شمعون شبيرا، لـ “هآرتس” بأن “تصوراً خاطئاً للواقع في لبنان قد ترسخ في الوعي الإسرائيلي، في المكاتب والأستوديوهات، حيث تحققت نجاحات باهرة في الجولة السابقة وخسر حزب الله جزءاً كبيراً من سيطرته على جنوب الليطاني، وسحب قوة الرضوان نحو الشمال. ولكن ثمة صورة مزيفة لهزيمة حزب الله بدت مرسومة هنا. عملياً، ما زال لديه آلاف الصواريخ، حتى لو كان بعضها قصير المدى نسبياً”.

في الشهر الماضي، نقلت “رويترز” عن مصادر في حزب الله تقريراً حول جهود إعادة ترميم الحزب بمساعدة إيران. وحسب هذه المصادر، أرسلت إيران عشرات القادة والمدربين إلى لبنان لمساعدته في إعادة الترميم. وركز حزب الله على الحفاظ على قدرته العسكرية في شمال الليطاني، وغيّر مفهومه العملياتي جذرياً. وحسب التقرير، قام الأمين العام للحزب نعيم قاسم، بعقد مجلس الجهاد ثلاث مرات ل صياغة هذه التغييرات، وقرر الانتقال إلى مفهوم “التماسك”؛ أي الثبات حتى النصر.

حزب الله الذي كان يعمل كجيش إرهاب منظم مع قدرات كبيرة، وغير مركزي في سلسلة القيادة، نقل السلطة إلى قادة ميدانيين من الرتب المتوسطة، وعاد ليكون منظمة حرب عصابات. لم يكن غياب الرد الكامل على الهجمات الإسرائيلية حتى شباط نتيجة ضبط النفس فقط، بل رؤية بعيدة المدى.

هآرتس 7/4/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *