تراجيديا «صحاب الأرض» في الرؤية الوثائقية بعد انتهاء المُسلسل


ليس هناك حاجة للتأكيد على أن مُسلسل «صحاب الأرض» كان هو الأبرز والأقوى بين دراما رمضان قاطبة، رغم تنوع وتميز الأعمال الأخرى.
فثمة حقيقة لا بد من ذكرها، ألا وهي ذلك الاهتمام الجماهيري الكبير بمُتابعة الأحداث يوماً بيوم خلال الحلقات التي انتهت بانتصاف الشهر الكريم، واختُتمت برؤية توثيقية شديدة التأثير والحُزن، أعدها المخرج كريم الشناوي، بالاتفاق مع المخرج بيتر ميمي، كرسالة تلخيصية لما تم طرحه من وقائع حقيقية لم يتسرب إليها الباطل، ولم يشبها إدعاء قط، بل بلورتها الدراما، وركزت على تفاصيلها، كي تظل راسخة في أذهان الأجيال القادمة جيلاً بعد جيل.
لقد برهنت الرؤية الوثائقية الختامية للشناوي، على صدق ودقة ما ورد في المُسلسل من تفاصيل إنسانية كان لها الأثر البالغ في تحريك مشاعر الملايين من كل أرجاء الوطن العربي، فقد أدى التفاعل والانفعال الشديدين بالعمل التاريخي الفارق إلى ردود أفعال شعبية من الجانبين المصري والعربي، وردود أفعال رسمية أو شبه رسمية من الجانب الإسرائيلي، في محاولة من الأخير لنفي ما نقلته الدراما نقلاً أميناً للإحاطة بما ارتكبه الاحتلال من جرائم فاقت المعقول، وتجاوزت حدود الوصف. ما دعا جنرالات الإبادة إلى التشكيك في الوقائع والأحداث، مُتجاهلين عيون العالم التي شاهدت الحرب وتابعت ساعاتها وأيامها وشهورها وسنواتها القاسية على الهواء مُباشرة.

ولأن دفوع الكيان الصهيوني إزاء جرائمه، اتسمت بالسطحية والعمومية، وفشلت في التشويش على الحقائق الدامغة المُسجلة صوتاً وصورة، كان لزاماً على صُناع مسلسل «صحاب الأرض»، الرد بما لا يدع مجالاً آخر للتشكيك، حيث أعقبوا الحلقات الدرامية ببانوراما واقعية، تضمنت شهادات حية من الأبطال الحقيقيين في غزة، مسرح الأحداث وساحة القتال الواسعة والمُمتدة التي شهدت المجازر والمذابح وعاش أهلها الصامدين الصابرين أحلك الظروف واللحظات، وفق ما ذكروه وصرحوا به داخل متن الرؤية الوثائقية البانورامية الفريدة من نوعها شكلاً وموضوعاً.
لقد حرص صُناع العمل بدعم كامل من الجهات السيادية المصرية على تسجيل التفاصيل والخطوات الحقيقية والواقعية كافة، لمسيرة التخريب والتدمير والإبادة الجماعية، ومراحل الإنقاذ عبر المُساعدات الطبية واللوجستية، ورحلات التنقل الخطرة من مكان لمكان، تحت رعاية الهلال الأحمر، بلا أدنى اكتراث بالعواقب، أو احتمالات الترصد والانتقام من جانب قوات الاحتلال المُتناثرة، على طول الحدود والطُرق والممرات الواصلة بين غزة ورفح المصرية.
إن جُل ما عرضته البانوراما الختامية عقب انتهاء الحلقات الدرامية، جاء مُتصلاً اتصالاً مُباشراً برحلة الأطفال المُبتسرون، الذين أخرجتهم القوات الإسرائيلية بالقوة وألقت بهم بين الركام بعد تدمير المُستشفيات والحضانات وأجهزة التنفس، وكل مقومات الحياة، ليُصبحوا في لحظات معدودة مشاريع شهداء قبل أن ترى عيونهم النور.
وفي المقابل وقفت أمهات الأطفال عاجزات عن إحداث أي تغيير، يملؤهن الرُعب وتعتصر أرواحهم الآلام على فلذات أكبادهم من الأبرياء الذين أوجدتهم الظروف الصعبة في مواجهة النار والبارود والقنابل والمُفخخات والألغام. ما اجتهد المُسلسل في عرضه مُخففاً لعدم إصابة الجمهور بالهلع والذُعر، مُكتفياً ببعض النماذج القليلة كعينات لفداحة الكوارث والجرائم، شاهدته الملايين من المُشاهدين مُجسداً تماماً في الصور الحقيقية للأطفال البالغ عددهم مئات الضحايا، والموثق بشهادات الأمهات الناجين من الحرب الضروس، حيث حكت كل أم تجربتها المريرة مع المقتلة التي استمرت لأكثر من عامين متواصلين، وسط صمت مُريب من العالم ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المُتحدة. كذلك تضمنت بانوراما ما بعد الدراما، شهادات الأطقم الطبية من أطباء وفرق تمريض وفنيين مُتخصصين وسائقي سيارات الإسعاف، شهادات مُقدرة ومُعتبرة عن صدق نواياهم وتفانيهم في إنقاذ الأطفال، بالإسراع إلى استقبالهم على بوابات المعبر من الجهة المصرية، مُحتشدين بالحماس ومزودين بالأجهزة الطبية والعربات المُجهزة وأنابيب الأوكسجين وأجهزة التنفس الصناعي، للحيلولة دون تعرض الثروة البشرية الوليدة، المُتمثلة في الأطفال الصغار لأي مُضاعفات من شأنها أن تُنهي حياتهم قبل الوصول للمُستشفيات، التي أعلنت بدورها حالة الطوارئ القصوى في جميع الأقسام لتوفير ما يلزم من الخدمات الصحية والجراحية العاجلة والسريعة.

لقد لعب مسلسل «صحاب الأرض» بكل أبطالة الرئيسيين والثانويين، منة شلبي وإياد نصار وكامل الباشا وتارا عبود وآدم بكري وعصام السقا، أدواراً ريادية شاملة لجلاء الحقيقة وتوثيقها، فجاء التأثير بقوة الأداء وصدق المشاعر نفسها، فلا حيلة للمُشككين في الإعلام الصهيوني لمواجهة الوثائق والمسندات بكل صورها ومعانيها.
ولا حرج إذن على الدراما المصرية الفلسطينية في فضح المُمارسات وكشف المؤامرات على الشعب الأعزل، الذي يواجه الموت بكل بسالة وإباء وكبرياء.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *