تراجيديا الدفاع عن الوطن بالنيابة


تُعد رواية «الحرب في بر مصر» للروائي المصري يوسف القعيد واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الرواية العربية الحديثة، وقد حلّت في المركز الرابع ضمن قائمة أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين. صدرت الرواية عام 1978، في مرحلة كانت فيها مصر تعيش تحولات سياسية واجتماعية عاصفة، فجاءت بوصفها إدانة فنية صارخة للفساد الطبقي، ولجور الإقطاع على الفلاحين البسطاء.
قدّم القعيد رواية عن الهوية حين تُباع وتُشترى في سوق الفساد الاجتماعي، وعن المفارقة القاسية التي تجعل الوطن، في نظر البعض، مجرد عقار، فيما يغدو عند آخرين قبراً. وتكمن حداثة الرواية في أن القعيد لم يلجأ إلى السرد الخطي التقليدي في عرض هذه المأساة المصرية، بل اعتمد تقنية تعدد الأصوات، موظفاً بنية التحقيق الصحافي ليمنح نصه كثافة توثيقية ومساءلة أخلاقية في آن واحد.
تبدأ الرواية بمدخل غير مألوف، يوحي بأن ما سيقرؤه المتلقي ليس سوى تفريغ لأشرطة كاسيت سجلها شخص مجهول، قد يكون الكاتب نفسه أو محققاً، مع أطراف القضية. وهذه التقنية ليست مجرد حيلة شكلية، بل تحمل دلالة عميقة، إذ تترك الشخصيات تكشف جرائمها وتدين نفسها بنفسها. نستمع إلى العمدة وهو يبرر فعلته بمنطق طبقي بارد، ونستمع إلى خفاجي، أو عبد الموجود في الفيلم، الأب المقهور، وهو يسوّغ بيع ابنه تحت ضغط الفقر والعجز. أما الضحية الكبرى فهي «مصري»؛ الشاب الذي بيع، وذهب إلى الحرب، ومات باسم ليس اسمه. ومع ذلك، فإن صمته يبقى الصوت الأعلى في الرواية.
ثيمة الرواية، كما الفيلم، تدور حول عمدة قرية ريفية ثري، يرفض أن يُرسل ابنه الوحيد للتجنيد الإجباري تزامناً مع حرب 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973. في المقابل، يستغل سطوته على خفير القرية الفقير «خفاجي»، ليجبره على إرسال ابنه «مصري» لأداء الخدمة العسكرية منتحلاً صفة واسم ابن العمدة. وهنا تكمن المفارقة المأساوية، التي ابتنى عليها القعيد عمله. إنه التفاوت الطبقي؛ ابن العمدة، يملك الاسم والهوية والمال، لكنه يفتقر إلى شرف الدفاع عن الأرض. بينما مصري «ابن الخفير» يملك الجسد والروح والاستعداد للتضحية، وفوق ذلك مجرد من اسمه، وسيحارب ويموت باسم سيده. الرواية والفيلم معا يجسدان فكرة الدفاع عن الوطن من قبل الفقراء نيابة عن الأغنياء. أبدع العقيد حينما منح عمله الروائي ما يسمى «الاستحواذ الوجودي»، إنه استحواذ من قبل الإقطاع الجديد، لا يشمل سرقة جهد الفلاح وعرقه في الحقل فقط، بل يشمل سرقة دمه وموته وخلوده المعنوي كشهيد.

تورية ذكية

اختيار القعيد لاسم «مصري» لابن الخفير له دلالة رمزية كبيرة. دلالة أن مصر الحقيقية هي هؤلاء الفقراء الذين يدفعون ضريبة الدم. هنا يمثل «مصري» الوطن الذي يُضحي من أجله، بينما العمدة وابنه يمثلان طبقة الأثرياء الذي يجنون الثمار بأريحية ودم بارد. حين يستشهد «مصري» في الحرب، تحدث كبرى الفواجع في تاريخ الريف المصري، فأهله لا يستطيعون البكاء عليه علناً، ولا يفتخرون به كشهيد، لأن جثته تعتبر زوراً جثة ابن العمدة. وإنه لاغتراب مرعب، ذاك هو اغتراب الموت. يا للرهبة، حين يُحرم الفقير حتى من حقه في اسمه، بل يُسرق منه قبره ليصبح واجهة اجتماعية للمزور الثري (العمدة)، وبات يُعامل كوالد للشهيد البطل. نجح القعيد في اختيار عنوان دال جداَ لروايته، فهو يحمل تورية ذكية، لكونه لا يشير فقط إلى الحرب الدائرة على الجبهة (حرب أكتوبر) في زمن أحداث الرواية، بل يشير إلى حرب أخرى، داخلية في ريف مصر. وهي حرب الطبقات، بين الذين يملكون السلطة والمال والقانون، ومن لا يملكون سوى الخوف. عدا ذلك تفضح رواية القعيد التواطؤ المؤسساتي بوساطة موظفين فاسدين وسماسرة في تمرير هذه الجريمة. إذن الفساد هنا ليس شخصياً، إنه فساد منظومة متكاملة تسمح ببيع المواطن.

نقد التعالي الطبقي

رؤية القعيد هنا تخلص إلى أن العمدة نتاج مجتمع يقدس الملكية والقوة. يرى أن ابنه خسارة بأن يموت، بينما ابن الخفير هو لا شيء، بل تكملة عدد. هذا التعالي الطبقي هو روح النقد الذي يوجهه القعيد للمجتمع في تلك الحقبة، ونستشف من رواية القعيد أن الفساد الطبقي يفرغ الانتصار العسكري من دلالته الوطنية.
غياب العدالة
تُحسم الأمور لصالح العمدة، بأن من سُيدفن شهيداً هو ابن العمدة، ما يبين غياب العدالة الأرضية. لم ينتصر الخير، ولم يُعاقب الشرير، بل استمرت الحياة، واستمر النظام الاجتماعي في طحن البسطاء. إنها صرخة تحذير بأن الوطن الذي لا يحمي أسماء أبنائه، لا يمكنه أن ينتظر منهم الولاء الدائم. هذه الرواية وثيقة حية، تتجاوز ظرفها الزمني. وتطرح سؤالاً أزلياً بشأن العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الفقر والوطنية. وهل المواطنة حق للجميع أم امتياز لمن يدفع؟ نجح القعيد في تعرية الواقع بأسلوب فني رفيع، جاعلًا من «مصري» أيقونة لكل المنسيين الذين صنعوا تاريخ أوطانهم بدمائهم، ثم سقطوا سهواً أو عمداً من ذاكرة التاريخ الرسمي. «الحرب في بر مصر» ليست رواية لتمجيد الحرب، بل هي مرثية للإنسان الذي داسه قطار المصالح، وتذكرة بأن أعظم الحروب وأشرسها هي تلك التي تدور في صمت داخل القرى والمدن، بعيداً عن ساحات القتال.

عوامل نجاح الفيلم

جعلنا الفيلم نشاهد مباراة فنية مدهشة بين قطبي التمثيل (الراحلين عمر الشريف وعزت العلايلي) تحت إدارة رائد الواقعية صلاح أبو سيف. عندما قرر الأخير التصدي لرواية «الحرب في بر مصر»، كان يدرك أنه لا يقدم فيلماً حربياً بالمعنى التقليدي، بل يقدم دراما إنسانية عن «حرب الهوية». الفيلم تراجيديا ريفية، استطاع فيها أبو سيف تحويل النص الأدبي الحداثي إلى ملحمة بصرية تضج بالمشاعر، ليجعل المشاهد يتساءل؛ هل يمكن للمال أن يشتري التاريخ؟ جاء الفيلم في مرحلة نضج أبو سيف، رائد الواقعية المصرية. لكن واقعية «المواطن مصري» اختلفت عن واقعية الخمسينيات؛ فهي هنا تعكس التفاوت الطبقي الصارخ. اعتمد السيناريو الذي كتبه محسن زايد على تكثيف الدراما بين الشخصيتين الرئيسيتين، مبتعداً عن تعدد الأصوات في الرواية، ليركز الصراع في حلبة واحدة: قصر العمدة وكوخ الخفير.
لقد عاد النجم العالمي عمر الشريف للسينما المصرية بهذا الدور، وقدم أداءً مذهلاً في ابتعاده عن الكليشيهات. وقدم شخصية العمدة «عبد الرزاق الشرشابي» الشرير الذي يفتل شاربه ويضحك بصوت عالٍ. هو يرى نفسه أباً يحاول حماية ابنه، ويرى الفلاحين حوله مجرد أدوات سُخرت لخدمته، فهم الأدنون وهو الأعلى. كما شاهدنا الأداء المبهر للشريف وقد تمثل في نظرات الانكسار أمام السلطة الأعلى منه، ونظرات التعالي على الخفير، ونظرات الطمع في الأرض.
فيما تألق النجم عزت العلايلي في شخصية الخفير «عبد الموجود» بأداء يعتمد على لغة الجسد والانكسار الداخلي. هو يمثل قلة الحيلة المتوارثة عبر الأجيال. واسم الشخصية «عبد الموجود» (وليس خفاجي كما في الرواية) يحمل دلالة سينمائية مباشرة، فهو العبد المخلص لتراب مصر، الذي لا يملك سوى التضحية.
مشهد المساومة بينهما كان ذروة الابداع في الفيلم، فحين يجلس الشريف ليقنعه ببيع ابنه، نرى العلايلي ينكمش في كرسيه وكأنه يريد أن يختفي، بينما الشريف يتمدد ويهيمن. أما النجمة صفية العمري التي قدمت شخصية زوجة العمدة، فأضافت بُعداً آخر للصراع، فهي المحرض الأول لعملية البيع بدافع الأمومة الأنانية، ما زاد من تعقيد الموقف وجعل الجريمة تبدو كأنها مؤامرة عائلية لحماية السلالة النقية «ابن العمدة توفيق» الذي أدى دوره خالد النبوي، عبر التضحية بالسلالة الرخيصة «ابن الخفير مصري» الذي أدى دوره عبد الله محمود.

نهايتان

في الرواية، تنتهي الأحداث بصمت وتواطؤ كامل، وتُدفن الحقيقة كما يُدفن الشهيد، فيما يُغيَّب الأب الحقيقي عن المشهد. أما في الفيلم، فتأتي النهاية أكثر مباشرة ومأساوية. ففي مشهد التحقيق، يلمّح المرافقان اللذان رافقا الجثمان إلى أن الجثة تعود إلى «مصري» لا إلى ابن العمدة، فيبدو عبد الموجود على وشك استعادة اسم ابنه، ولو متأخراً.
لكن سطوة العمدة تخنق الحقيقة مرة أخرى، حين يهدد بأن كشف التزوير سيورّط الجميع، بمن فيهم عبد الموجود ووسيط العملية. وعند رفع الغطاء عن الجثمان، يتراجع الأب، ويغدو صمته اعترافاً بالهزيمة أمام نظام اجتماعي لا يترك للفقير حتى حقه في تسمية موته.
ويختصر المشهد الأخير جوهر المأساة: العمدة يمتطي جواده وسط أرضه الواسعة، فيما يقف عبد الموجود منكسرًا عند جذع نخلة. يرمي إليه العمدة حزمة من النقود، لكن الأب المكلوم لا يلتفت إليها؛ لأنه خسر ابنه، وخسر اسمه، وخسر نفسه معه.
وقد واكبت هذه الخاتمة موسيقى ياسر عبد الرحمن الجنائزية، التي منحت الحزن بُعده الأعمق، فيما كرّس صلاح أبو سيف بصرياً التفاوت الطبقي، إذ ظل العمدة في موقع العلو، وظل الخفير في موقع الانكسار. غير أن لحظة مواجهة الجثمان بدت كأنها المرة الوحيدة التي يرتفع فيها الأب الحقيقي معنوياً فوق المزور.
وإذا كانت الحكاية تدور في زمن حرب أكتوبر، فإن الفيلم، وهو يُنتج في التسعينيات، يوجّه نقداً يتجاوز زمنه، إلى مجتمع صار فيه كل شيء قابلاً للبيع، حتى الوطنية نفسها. فابن العمدة ينجو، وابن الخفير يموت بدلاً عنه، في اختزال قاسٍ لعدالة غائبة ووطن يدفع ثمنه الفقراء وحدهم. لذلك يتجاوز «المواطن مصري» كونه فيلماً عن الحرب أو التجنيد، ليغدو مرثية للإنسان البسيط حين تُسلب منه الأرض والاسم وشرف التضحية معاً.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *