تعتبر الرواية من أهم أجناس الكتابة حثّا على الحكاية، استعادة ما يقوله الناس وينشغلون به، وما يزعجهم، أو يشكل انتصاراتهم الحقيقية والوهمية، إنّها الحكايا التي تجعل الإنسان لا يكف عن الكلام، لأنّه يريد أن تخرج حكايته إلى العلن، وهذا عادي إذا عرفنا أنّه: «حتى حين يخلد الجسد للنوم، يظل العقل مستيقظا طوال الليلة، يروي القصص لنفسه»، كما يقول جوناثان غوتشل في كتابه «الحيوان الحكّاء.. كيف تجعل منّا الحكايات بشرا؟». هذا ما أغراني في رواية بسيطة للجزائرية عائشة بنور، «ماتريوشكا.. أرواح من قطن».
تستمر كلثوم الشّخصية الرئيسية في الرّواية في الانتقال في المكان مستدعية الذاكرة التي تراها أمامها في صندوقها الذي تضع فيه عرائسها التي كبرت معها. بداية هي متخصّصة في الآثار، تنطلق من مكان التنقيب في «تيبازة» هذه المدينة الساحلية التي تحضن الضريح الملكي الموريتاني المسمّى «قبر الرومية»، الذي «شيّده الملك يوبا الثاني الجزائري.. زوجته كليوباترا سيليني الثانية، ابنة كليوباترا ملكة مصر الفرعونية»، هكذا تبدأ الرّواية بتشريح المكان التاريخي وربطه بعمق الحكاية الإنسانية في مصر الفرعونية، علاقات ممتدة في الزمن بين النّاس الذين تربطهم الحكاية، ما الذي قذف يوبا ابن عنابة على نساء الفراعنة؟
تنتقل كلثوم من تيبازة مكان التنقيب إلى قسنطينة حيث «المتحف» الذي سيستعيد لوحة «المجاعة» لغوستاف غيومييه المرسومة عام 1869، ثم تعود أدراجها إلى مسقط رأسها في قرية سيدي عبد الرحمن في ضواحي مدينة تنس الساحلية.
التنقيب في عالم كلثوم عبارة عن اكتشاف لبقايا حكايات منطمرة تحت طبقات الأرض، وفي الوقت نفسه ردم لحكاياها التي لا تريد أن تصاحبها ربّما، أو لا تزعج حاضرها الأكثر انزعاجا من نفسه، ولهذا وهي تمسح التراب عن مومياء صغيرة، تذكرت «عرائسها الصغيرة» الشبيهات بدمية ماتريوشكا، التي تقع كل دمية في قلب دمية أخرى، إنّها طبقات الذاكرة التي تخفي حكايا كلثوم الشبيهة بطبقات الأرض، التي احتفظت بحكايا الأمم البادية، أرض شبيهة بذاكرة، تراب معلّق على أهداب كلثوم حين لا يتبقى في الدرب سوى الحكاية كملاذ لتفسير شيء من هول الحياة وما تخبّئه لنا، فكلثوم سوف تكشف في نهاية الحكاية مأساتها، زوجها الذي تاه في دروب الحياة، رفيقها في التنقيب، لكنّه أصبح لا يعرفها بسبب عمل إرهابي مما شهدته الجزائر في تسعينيات القرن المنصرم، أودت بحياة والديه فصرخ ثم ترك ذاكرته ينهشها النسيان، وتُركت كلثوم للمأساة، امرأة ضاعت بين ذاكرتين، ذاكرتها التي تتجاوزها أحيانا كمحاولة لاستذكار فقط ما عبرته من جمال المكان، أسفار قادتها إلى مناطق من الوطن، وذاكرة خالد زوجها المنفية في الفقد المطبق على حكاية الزواج المنسية.
تتكرّر لازمة أدبية في الرّواية: «تغيّرت الأمكنة يا كلثوم»، تؤكد لنفسها أنّ ما نعيشه ومنه المكان نسبي، غير ثابت، يتسلّل هذا الوعي بالنّسبي مما تراه كلثوم من خلال تنقيبها في أركيولوجيا المكان، في التاريخ الذي يتداعى أمام يديها الحافرتين عن خبايا الأزمنة المتعاقبة، لتصل إلى أنّ «المدن صناديق مغلقة»، فنحن نجهل تاريخها، الناس هؤلاء الذين يحبّون الحكايا، حكاياهم، نجدهم يتغافلون عن حكايا الأمكنة، وبذلك تفلت منهم أشياء ثمينة، ربّما لو أدركوها لكانوا بشرا حكّائين عارفين، كما ذلك التائه الصوفي في الصحراء «لخضر بن خلوف» صاحب قصيدة «راس المحنة» أو «رأس ابن آدم»، الذي عثر على جمجمة لعابر للصّحراء عابد لله متوجّه إلى البقاع المقدّسة فتعرّض له قُطّاع الطرق وقتلوه، وبقيت الجمجمة شاهدة على ما سترويه الحكاية، أو «الصناديق المغلقة» بتعبير الرواية.
في منعرج جمالي في الرّواية تبزغ جملة درويش الشعرية في همس لكلثوم وهي تستفيق من حلم: «الجميلات هنّ الصغيرات»، هل هنّ دمياتها الرّاقدات في صندوق ذكرياتها المستقرة في طفولة بعيدة؟ أم هنّ جميلات الذّاكرة النضالية الوطنية، ومنهنّ جميلة بوحيرد؟
تدعو كلثوم أمّها «موشومة الجبين»، على عادة النّسوة في وقت مضى، كنّ يخضعن لوشوم تزيّن وجوههنّ، الوشم ذاكرة، تعبير عن زمن مضى وترك أثرا، الوشم لم يكن فقط تلك اللمسة الجمالية، بل كان أيضا الهوية التي يجب أن تسم امرأة تعتز بكونها فاعلة في محيطها ودالة على شخصيتها، وفق تاريخ ووطن ووجوه لا تشبه وجوها أخرى. ولِمَوْشومة الجبين صندوقها الخاص الذي يختلف عن صندوق كلثوم، امرأتان ترتبطان بعلاقة الأمومة ولكن لكل منهما ذاكرته الخاصة، فالتاريخ لا يقبل التداخل في معطياته، كل منعطف منه يمتلك إحداثياته الخاصة التي تشتغل وفق معنى معينّ، يجعلها قابلة للاندراج في متغيّرات الزمن.
كلثوم، وهي تصف بيتها، تذكر أنّ لأمها طاولة تعلوها «لوحة تعتزّ بها، للمناضلة جميلة بوباشا، بتوقيع الفنّان الإسباني بيكاسو». إحالة إلى نوع من الدراما تتفاعل في هذه الجملة لأنّها تضم بعض المتناقضات التي تحرّك التاريخ وتمنح لصناديق الذاكرة ذلك المعنى الذي نجهله، حين لا نمكّن ذواتنا من معرفة الأمكنة. بيكاسو الذي رسم المناضلة جميلة هو ذاته الذي رسم «نساء الجزائر» عام 1954، في لوحة عارية تكعيبية متأثرا بلوحة أوجين دو لاكروا «نساء الجزائر في مخدعهنّ» 1834، وهو ما يكشف صراع القناعات داخل صندوقه الخاص، لكنّه هو أيضا الذي رسم «غيرنيكا» 1937 اللوحة التي تدين الحرب. جميلة بوباشا المعروفة بجميلة بوحيرد المناضلة التي تزوّجها بعد الاستقلال محاميها الفرنسي جاك فيرجيس، وهنا يتشكل صندوق ذاكرة الحب داخل بوتقة النضال، جميلة التي تواجه الاستعمار تلهم العالم بقصة نضالها ضد الظلم، تصنع صندوقها الذي يضيء عتمة زاوية النسيان ويجعل الذاكرة في تفاعل مع الأحداث منجزة عالما ينسج سدى التاريخ بمنطق النضال.
في منعرج جمالي في الرّواية تبزغ جملة درويش الشعرية في همس لكلثوم وهي تستفيق من حلم: «الجميلات هنّ الصغيرات»، هل هنّ دمياتها الرّاقدات في صندوق ذكرياتها المستقرة في طفولة بعيدة؟ أم هنّ جميلات الذّاكرة النضالية الوطنية، ومنهنّ جميلة بوحيرد؟ أم هنّ جميلات الوطن السّائرات في منازل الراهن، الباحثات عن ذات تسكنها القيمة وتثبّتها الذاكرة وينكشف بها المعنى؟
«هذه الدمى تذكرني بقصة فرانز كافكا والدمية الضائعة». تحيل دمى كلثوم إلى كافكا وقصته «كافكا والدمية المسافرة» والتي نقلت «كشهادة من شريكته دورا ديامنت». سفر الحكاية لا ينتهي، كما سفر دمية كافكا، دمية الصغيرة المفقودة، والتي وجدها كافكا تبكي فأخبرها أنّ دميتها سافرت لرؤية العالم، وأنّها أرسلت له رسالة سيحضرها لها غدا، واستمرت الرّسائل إلى أن شعر بدنو أجله فأحضر لها دمية جديدة، لمّا رأتها الصّغيرة قالت له: لا تشبه دميتي، فأخرج من الدمية رسالة تقول: «لقد غيّرتني أسفاري»، ربما هي الرحلة الوجودية التي تغيّرنا حتما، لكن دوما يبقى فينا ذلك الأثر الذي تحمله دمية كافكا ودمى كلثوم، أثر لا يتغيّر، يستمر يحمل ذاكرة الشّيء الذي منّا وفينا، صحيح يغيب ولكنّه يعود في صورة أخرى، المهم أنه عاد، وسيتعرّف علينا كما نتعرّف عليه، لأنّ فيه شيء من الذاكرة الوفية لأشيائها الأولى، ولأنّ هذا المعنى قوي في صندوق كلثوم، فُتحت النهاية على أقوى عنصر في الذاكرة ويتعلق بالنضال ضد الظلم، نضال الجزائري ضد الغاصب الفرنسي: «يمكن أن نطوي الصفحة لكن مستحيل أن نمزّقها»، تلك ذاكرة خالد زوج كلثوم التي ربّما ستعود، أو ربّما لا تعود، لكنّها ستبقى مكرّسة في ذاكرة كلثوم، فإن لم يعرفها فهي تعرفه، ليس المهم وجود الدمى «ماتريوشكا»، المهم أنّ فكرتها فتحت الحكاية على الإنسان المهيّأ لفتح صناديقه وإعادة ترتيبها بما لا يجعلها نهبا للنسيان.
كاتب جزائري