طرابلس – «القدس العربي»: يتصاعد الجدل داخل الأوساط القضائية في ليبيا مع استمرار الخلاف حول المجلس الأعلى للقضاء وصدور قرارات متعارضة بين جهات قضائية في الشرق والغرب، وهو ما دفع نقابة موظفي العدل والهيئات القضائية إلى التحذير من تداعيات هذا الانقسام على وحدة المؤسسة القضائية. وبينما تتبادل أطراف قضائية بيانات وقرارات تتعلق بالنقل والندب والتعيينات داخل الهيئات القضائية، تتزايد المخاوف من تحول الأزمة إلى واقع مؤسسي دائم ينعكس على ثقة المواطنين في منظومة العدالة وعلى استقرار المراكز القانونية في البلاد.
وحذّرت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية من خطورة استمرار الانقسام داخل المجلس الأعلى للقضاء، مؤكدة أن وجود مجلسين متوازيين في الشرق والغرب قد يفتح باباً خطيراً داخل المؤسسة القضائية ويجعل الأحكام والقرارات القضائية عرضة للتشكيك. وأوضحت النقابة في بيان صدر مطلع مارس أن هذا الوضع قد يؤدي إلى حالة من الانقسام الفعلي داخل مؤسسات العدالة وربما يدفع بعض القضاة إلى الانتقال للعمل تحت مظلة المجلس الموجود في الشرق إذا صدرت قرارات متعارضة بين الطرفين. كما شددت على ضرورة معالجة الأزمة بعقلانية وإعادة النظر في القرارات الأخيرة وعلى رأسها القراران رقم 20 و31 بما يضمن استقرار المؤسسة القضائية ويجنبها الدخول في صراع مؤسساتي جديد.
وفي السياق ذاته، أكدت النقابة أن القضاء يجب أن يبقى بعيداً عن الانقسامات السياسية التي تعيشها البلاد، محذرة من أن استمرار هذا الواقع قد يهدد وحدة الجهاز القضائي ويقوض مبدأ وجود ميزان عدل واحد للدولة. وأضافت أن استقرار المراكز القانونية وحماية الثقة المشروعة للأفراد يعدان من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني، وهو ما يفرض ضرورة التعامل بحذر مع القرارات المرتبطة بالنقل والندب داخل الهيئات القضائية، خاصة أنها جاءت بعد إجراءات قانونية وامتحانات ومراحل تنظيمية مر بها المعنيون بالأمر.
في المقابل، أعلن المجلس الأعلى للقضاء رفضه ما وصفه بصدور قرارات وبيانات من جهات «منتحلة لصفته» تتعلق بنقل وندب أعضاء في السلطة القضائية، مؤكداً أن تلك القرارات تمثل اغتصاباً للسلطة القضائية والإدارية ولا تتمتع بأي أثر قانوني. وأوضح المجلس في بيان أنه يتابع هذه التطورات عن كثب، داعياً القضاة والجهات القضائية إلى عدم التعامل مع تلك القرارات، مشيراً إلى أنه سيتخذ الإجراءات القانونية بحق أي جهة تتجاوب معها أو تتعامل بها.
وأضاف المجلس أن ما يحدث يمثل محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع داخل السلطة القضائية وتقسيمها، مؤكداً تمسكه بوحدة القضاء واستقلاله. وأكد أن أي قرارات تصدر خارج الإطار القانوني المعترف به تعد معدومة الأثر ولا تساوي الحبر الذي كتبت به لانعدام ولاية الجهة التي أصدرتها، مشدداً على أنه سيواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المؤسسة القضائية والحفاظ على حقوق أعضائها.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة قرارات صدرت في شباط / فبراير الماضي تقضي بنقل وندب وتكليف عدد من أعضاء الهيئات القضائية للعمل في محاكم استئناف سرت وبنغازي وأجدابيا، وهي قرارات اعتبرها مراقبون جزءاً من إعادة ترتيب المشهد القضائي في ظل تصاعد الخلاف حول مرجعية المجلس الأعلى للقضاء. وتشمل تلك القرارات نقل عدد من القضاة وتكليف رؤساء لمحاكم وفروع إدارات قضائية جديدة، مع إعطاء الإذن ببدء العمل في بعض محاكم الاستئناف فور استكمال تقارير الجاهزية.
ويرى مراقبون قانونيون أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف قانوني حول تفسير الأحكام أو حدود الاختصاص، بل تحولت إلى أزمة مؤسسية تعكس حالة الانقسام السياسي الأوسع في البلاد. ويشير هؤلاء إلى أن وجود مرجعيتين متوازيتين لإدارة السلطة القضائية قد يؤدي إلى تضارب في القرارات الإدارية والتنظيمية، ما يهدد استقرار منظومة التقاضي ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة.كما يحذر قانونيون من أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس على شرعية الأحكام القضائية وعلى عمل المحاكم في مختلف المناطق، خاصة إذا بدأت الهيئات القضائية في التعامل مع قرارات صادرة عن جهات مختلفة. ويؤكد هؤلاء أن القضاء يمثل أحد آخر مؤسسات الدولة القادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من وحدة الدولة القانونية، وأن انقسامه قد يفتح الباب أمام حالة من عدم اليقين القانوني ويؤثر على مختلف الملفات السياسية والاقتصادية.
وتتزامن هذه الأزمة مع استمرار الانقسام السياسي في ليبيا بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويضع المؤسسة القضائية في قلب التجاذبات السياسية. ويؤكد مراقبون أن معالجة الأزمة تتطلب حسم المرجعية القانونية داخل السلطة القضائية وإبعادها عن الصراع السياسي، حفاظاً على استقلال القضاء وضمان استمرار دوره كمرجعية للفصل في النزاعات وحماية الحقوق.