بين فانوس وخيمة وأزيز طائرة.. سينما “الأجنحة الصغيرة” تهزم عتمة الحرب في رمضان غزة


غزة- “القدس العربي”: تحت سقف خيمة بيضاء لا تقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف، وُلدت نافذة صغيرة على عالم آخر. في حي الرمال، في قلب نادي المشتل الرياضي، الذي طالته الهجمات الإسرائيلية وخلّفت في ساحته ندوبًا من إسمنتٍ متشقق وحديدٍ معرّى، نُصبت خيمة “سينما الأجنحة الصغيرة” كأنها إعلان تحدٍّ سلمي للاحتلال: هنا، رغم الركام، يمكن للحياة أن تعرض فيلمًا آخر.

ضوءٌ مؤقت

في الداخل، افترش الأطفال الأرض في مساحة محدودة، متلاصقين كأنهم يحتمون ببعضهم من ذاكرة عامين ثقيلين. شاشة بيضاء عُلّقت على قماشٍ مشدود، وجهاز عرض بسيط يشقّ العتمة بخيطٍ من الضوء، ليحوّل المكان إلى قاعة سينما بدائية، لكن كاملة الدهشة. لم تكن المقاعد وثيرة، ولا الصوت محيطيًا، غير أن الوجوه الصغيرة كانت كافية لتملأ الفراغ بالمعنى.

انعكست ألوان فيلم الرسوم المتحركة “راتاتوي” على الوجوه التي اعتادت لون الغبار. حمرةٌ خفيفة على الخدود، وبريقٌ في العيون، وابتسامات تتسلل على استحياء قبل أن تنفجر ضحكًا جماعيًا يغلب صمت المكان المثقل بالجراح. للحظات، بدا أن الطائرات صمتت في الذاكرة، وأن أزيزها استحال موسيقى بعيدة لا تصل إلى هذا الركن المضيء.

على أطراف الخيمة، انشغل متطوعون بضبط الأسلاك وتثبيت جهاز العرض. كانت أيديهم تتحرك بخفة، كأنهم يحمون شعلةً صغيرة من ريحٍ عنيدة. الضوء الذي يخرج من الجهاز ليس مجرد تقنية، بل فعل مقاومة ناعم، يصرّ على أن للطفولة حقًا في الصورة كما لها حق في الهواء.

خارج الخيمة، تدلّت حبال زينة ملونة بمثلثاتها الصفراء والزرقاء، تستعيد لرمضان هيبته المفقودة وسط خيام النزوح الرمادية. فوانيس صغيرة عُلّقت على مداخل القماش، وأصوات الأطفال تتداخل مع دعوات الأمهات عند اقتراب موعد الإفطار، في مشهدٍ يعيد للذاكرة رمضانًا آخر كان يُحتفل به في بيوتٍ قائمة.

لم يكن العرض مجرد ترفٍ عابر. بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية، التي دفعت آلاف العائلات إلى النزوح وفقدان المنازل والكهرباء وشاشات التلفاز، صارت هذه الشاشة البيضاء تعويضًا رمزيًا عن كل ما غاب. هنا، يستعيد الأطفال طقس الاجتماع بعد الإفطار، ولو على ترابٍ مفروش، بدل أريكةٍ دافئة.

تندرج هذه الفعالية ضمن مبادرة “سينما الأجنحة الصغيرة” التي تنظمها مؤسسة رشيد مشهراوي الثقافية، بهدف خلق مساحة آمنة للأطفال في مخيمات النزوح. مساحةٌ تُعلّق فيها الحرب خارج القماش الأبيض، وتُمنح فيها “الأجنحة الصغيرة” فرصة التحليق، ولو لساعتين، بعيدًا عن مشاهد القصف والدمار التي حفرت نفسها في الذاكرة.

شاشة في الذاكرة

ليان، تسع سنوات، جلست في الصف الأمامي تقريبًا. كانت تميل برأسها قليلًا إلى اليسار، تتابع المشهد كأنها تخشى أن يفوتها تفصيل واحد. تقول بصوتٍ مفعم بحماسة طفولية: “أنا سعيدة جدًا اليوم؛ ففي السابق كنا محرومين من كل شيء، أما الآن فقد أصبح حالنا أفضل والحمد لله”. تتوقف لحظة، ثم تبتسم

وتضيف لـ”القدس العربي”: “لقد توفرت لنا الكهرباء أخيرًا، بعد أن قضينا وقتًا طويلًا محرومين منها، والحمد لله أننا استعدناها الآن”.

بالنسبة إلى ليان، ليست الكهرباء مجرد خدمة. هي عودة الضوء إلى البيت، وعودة الشاشة إلى الجدار، وعودة السهرة العائلية التي انقطعت فجأة تحت ضغط الحرب. تشرح ببراءة ناضجة: “كنا نجلس في الظلام طويلًا، لا نرى إلا ضوء الشموع. اليوم أشعر أن النور عاد قليلًا إلى حياتنا”. في كلماتها، تختلط تفاصيل يومية بسيطة بإحساس عميق بالخسارة والاستعادة.

تضحك ليان وهي تشير إلى الشاشة: “أحببت الفيلم، وأحببت أن نجلس جميعًا معًا. أشعر كأننا في بيتٍ كبير”. في جملتها تلك، تختصر الطفلة معنى المبادرة: إعادة خلق بيتٍ رمزي داخل خيمة، وإعادة تعريف الأمان بوصفه اجتماعًا حول قصة، لا مجرد جدران من إسمنت.

يدٌ حانية

الأستاذة نعمة علي، متطوعة في المبادرة، تتحرك بين الأطفال بعينين يقظتين وابتسامةٍ دافئة. تقول: “فعاليتنا عبارة عن سينما ميدانية متنقلة تجوب أرجاء قطاع غزة من شماله إلى جنوبه. كانت انطلاقتنا في نهاية العام المنصرم 2025، لكننا انطلقنا مجددًا بحلة جديدة مع بداية كانون الثاني / يناير 2026”.

تضيف وهي تنظر إلى الزينة المعلقة: “اليوم، وفي اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك، أردنا أن نضفي طابعًا مختلفًا؛ فرمضان يمتاز بخصوصيته الروحانية”.

تتحدث نعمة لـ”القدس العربي” عن عامين قاسيين: “لقد عاش أطفالنا عامين من الحرب، فقدوا خلالهما تلك الأجواء الروحانية التي اعتادوا عليها قبل الحرب؛ من زينة وفوانيس وإضاءة وتلك التفاصيل الجميلة التي يحلم بها كل طفل في العالم، وليس أطفال غزة فحسب”. تشير إلى الأطفال الجالسين متقاربين: “رغم أن الحرب لم تضع أوزارها تمامًا، إلا أن حدتها قد خفت، ونحن نسعى اليوم لإخراج الأطفال من دائرة الضغط النفسي وحالة الكآبة التي عايشوها”.

وتتابع: “لقد اعتاد هؤلاء الصغار على شاشة التلفاز في منازلهم، وعلى الدفء الأسري والاجتماع لمشاهدة البرامج بعد الإفطار، لكن الواقع اليوم هو غياب التلفاز والكهرباء، بل وغياب المنازل ذاتها”. تتنهد قليلًا، ثم توضح بحزم: “أردنا جمع الأطفال داخل المخيم ليعيشوا أجواء رمضان، فزينا لهم المكان ليرتادوا هذه السينما الميدانية”.

تختم بابتسامة رضا: “تجدهم يجلسون متقاربين، يحتضن بعضهم بعضًا، ويتكئون على رفاقهم كأنهم إخوة في بيت واحد. هذا ما أردنا منحه لهم خلال هذا الشهر الفضيل، وآمل أن نكون قد وفقنا في إدخال السرور إلى قلوبهم بأبسط الإمكانات وأقل القليل”. في كلماتها، يتحول العمل التطوعي إلى فعل رعاية جماعي، تتكئ عليه طفولة أنهكها النزوح.

حلمٌ صغير

في زاوية الخيمة، كان أحمد عبد العزيز، في العاشرة من عمره، يصفق بحماسة كلما انتصر بطل الفيلم. يقول: “عندما أشاهد الفيلم أنسى أصوات القصف.

أشعر أنني في مكان بعيد”. يسكت لحظة، ثم يضيف: “أريد أن أصبح مخرجًا يومًا ما، لأصنع أفلامًا تجعل الأطفال يضحكون”.

يحكي أحمد لـ”القدس العربي” عن تنقل عائلته بين أماكن نزوح متعددة: “ننتقل من مكان إلى آخر، نحمل أشياء قليلة. لكن اليوم شعرت أن لدينا شيئًا ثابتًا، شاشة نعود إليها”. بالنسبة إليه، الثبات ليس عنوانًا بريديًا، بل موعد عرضٍ ينتظره.

ينظر إلى المتطوعين بإعجاب: “هم يجعلوننا ننسى قليلًا. هذا يكفي”. في بساطة عبارته، تتجسد وظيفة السينما هنا: ليست ترفًا ثقافيًا، بل استراحة نفسية في سباق البقاء.

رؤيةُ أمل

المخرج رشيد مشهراوي، صاحب رؤية المبادرة، يضع المشروع في سياقه الأوسع: “تندرج مبادرة (سينما الأجنحة الصغيرة) ضمن أنشطة وفعاليات (مهرجانات الأمل) التي تشرف عليها مؤسسة مشهراوي الثقافية بالتعاون مع برنامج “حكمة فلسطين” وبمشاركة واسعة من مؤسسات أهلية ودولية”. يؤكد أن الفكرة ليست عرضًا عابرًا، بل مسارًا ممتدًا على مدار عام كامل.

يضيف لـ”القدس العربي”: “نحن نقدم هذه السينما للأطفال بهدف انتشالهم من غياهب حالة الحرب والقصف والدمار، ومعاناة فقدان الأهل والأحبة، ومرارة النزوح المستمر من مكان إلى آخر. نحاول جاهدين تخفيف وطأة المعاناة عنهم بعد المرحلة القاسية التي عاشوها خلال العامين الماضيين”. في تصريحه، تتحول السينما إلى أداة ترميم نفسي، لا مجرد شاشة.

ويكشف عن طموح واسع: “في عامنا الحالي 2026، نستهدف الوصول إلى نصف مليون طفل في قطاع غزة؛ حيث ستستمر العروض السينمائية التي بدأت في الأول من كانون الثاني / يناير، ومن المقرر أن تتواصل حتى الحادي والثلاثين من كانون الأول / ديسمبر 2026”. رقمٌ كبير في جغرافيا صغيرة، لكنه يعكس إصرارًا على أن يكون الضوء جوالًا، لا حبيس خيمة واحدة.

ختامٌ مختلف

حين ينتهي العرض، لا تُطفأ الأنوار فورًا. يبقى الأطفال جالسين دقائق إضافية، كأنهم يؤجلون العودة إلى واقع الخيمة بلا شاشة. يخرجون تباعًا، تتدلى الزينة فوق رؤوسهم، وتعود الرمال إلى أقدامهم، لكن شيئًا خفيفًا يرافقهم: ذكرى ساعتين بلا خوف.

في غزة، قد لا توقف السينما حربًا، لكنها تمنح هدنة داخل القلب. “سينما الأجنحة الصغيرة” ليست مشروعًا ثقافيًا فحسب، بل محاولة لإعادة تعريف رمضان بوصفه موسمًا للفرح المشترك، حتى لو كان تحت سقفٍ من قماش. في نادي المشتل، تعلّم الأطفال أن الضوء يمكن أن يُصنع، وأن الأجنحة، مهما صغرت، قادرة على التحليق فوق الركام.

      



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *