تونس ـ «القدس العربي»: حين يحلّ شهر رمضان المعظم في تونس، لا تكتفي العاصمة بأن تعيش على إيقاع الصيام والقيام، بل تستعيد ذاكرتها الفنية وتفتح أبوابها لليالٍ تتزيّن بالموسيقى والأنوار وروح اللقاء. فمنذ عقود، ارتبطت ليالي رمضان بالحركة الثقافية، وأصبحت السهرات الفنية جزءًا من الطقس الاجتماعي للعائلات التونسية التي تبحث، بعد الإفطار، عن فسحة جمالية توازن بين الجانب الروحي والمتعة الفنية. وفي قلب هذا المشهد، برزت محطات أساسية صنعت تقاليد راسخة، لعلّ أبرزها مهرجان المدينة بتونس العاصمة، الذي شكّل لسنوات طويلة المرجع الأول لتنشيط ليالي رمضان، قبل أن تتكاثر حوله المبادرات والتظاهرات، في مشهد تعددي يطرح أسئلة حول المنافسة والتكامل والهوية الثقافية.
ذاكرة الصمود والريادة
على امتداد أكثر من أربعين سنة، تمكّن مهرجان المدينة بتونس العاصمة من الصمود في وجه تحوّلات ثقافية واقتصادية متلاحقة. فقد وُلد في سياق خاص، كان الهدف منه إعادة الروح إلى ليالي العاصمة بعد فترة من الركود، خاصة إثر التحوّلات التي عرفها حي باب سويقة في مطلع ثمانينات القرن الماضي، حين فقد الكثير من قاعاته وفضاءات عروضه. فجاء المهرجان ليعيد الاعتبار للمدينة العتيقة وأزقتها، ويحوّلها إلى مسرح مفتوح للفن الأصيل.
ورغم ما واجهه المهرجان من صعوبات، سواء من خلال منافسة مهرجانات أخرى له، أو من خلال غياب الرعاة والممولين في السنوات الأخيرة، وهو ما حدّ من قدرته على استقدام نجوم عرب وأجانب، فإنه بقي صامدًا، محتفظًا بهيبته ورمزيته. بل إنّ نجاحه التاريخي جعله نموذجا يُحتذى، إلى درجة أن عدة مدن وقرى في أنحاء البلاد أعلنت، بعد سنوات قليلة من تأسيسه، عن إطلاق «مهرجانات مدينة» خاصة بها أسوة بالعاصمة ومدينتها العتيقة.
إن هذا الانتشار يمكن قراءته من زاويتين: فمن جهة، هو دليل على نجاح الفكرة ونجاعتها في تحريك المشهد الثقافي الرمضاني التونسي. ومن جهة أخرى، قيامه بدوره المتميز في إبراز الهوية التونسية وروح الأصالة التي تميز هذا الشعب مما جعله يتحول إلى فكرة ملهمة وصيغة جاهزة قابلة للاستنساخ.
من الريادة إلى التشتت
في سنواته الذهبية، استضاف مهرجان المدينة أسماءً كبيرة صنعت ذاكرة الطرب في تونس والعالم العربي، على غرار لور دكاش، مارسيل خليفة، ميادة بسيليس، ديانا حداد، وشيخ الطرب صبري المدلل. كانت تلك السهرات بنظر الكثيرين لحظات استثنائية، اجتمعت فيها العائلات حول الفن الراقي، وشعر الجمهور أنه جزء من حدث ثقافي جامع.
غير أنّ المشهد تغيّر تدريجيًا وتعدد، فقد ظهرت فضاءات جديدة، بعضها راقٍ ومجهّز تقنيًا، استقطب فنانين وجمهورًا واسعًا. كما بادرت مؤسسات ثقافية عريقة إلى إطلاق برمجتها الخاصة خلال رمضان، على غرار المسرح الوطني التونسي بالحلفاوين، ومسرح الأوبرا بتونس بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، والمعهد الرشيدي. كما أن هناك عروضا فنية وثقافية رمضانية باتت تُنظم بمراكز ثقافية داخل المدينة العتيقة التي تعبق أصالة وروحا تونسيتين بفنها المعماري التقليدي الجميل.
هذا التنوع أغنى الساحة بلا شك، ووسّع دائرة الاختيار أمام الجمهور، لكنه في المقابل أدّى إلى تشتت جمهور مهرجان المدينة الأصلي، الذي لم يعد يحتكر المشهد كما في السابق. وبات عشاقه يشعرون بشيء من المرارة حين يرون روّاد المدينة العتيقة يتجهون إلى فضاءات أخرى، أحيانًا دون أن يعلموا بوجود عرض للمهرجان العريق نفسه.
المنافسة بين الإثراء والتحدي
لا يمكن إنكار أن التعددية الثقافية خلال رمضان تُعد مكسبًا حقيقيًا، فهي تعبّر عن حيوية المجتمع ورغبته في الابتكار. غير أن السؤال الذي يظلّ مطروحًا هو: هل كان من الممكن توحيد هذه الجهود تحت مظلة كبرى تعزّز صورة مهرجان المدينة كمرجعية رمضانية؟ أم أن التنوع هو في حد ذاته ضمانة للإبداع والتجدد؟
في الواقع، أفرزت هذه الوضعية نوعًا من التحدي بين المنظمين، الذين أصبحوا يتنافسون على استقطاب جمهور جديد، غالبًا ما يميل إلى الأسماء الرنانة حتى وإن لم تكن تمتلك دائمًا عمقًا فنيًا مميّزًا. وهنا يبرز إشكال الذوق، حيث يندفع بعض المتفرجين وراء موجات فنية عابرة، دون تمييز واضح بين العمل المتقن وذلك الأقل جودة. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في أن يتحول هذا التنافس إلى دافع للارتقاء بالمحتوى، بدل الاكتفاء بمنطق الاستهلاك السريع.
وجه آخر للهوية الموسيقية
في خضم هذا المشهد المتعدد، يبرز مهرجان «ترنيمات» كمثال على المبادرات التي تراهن على الأصالة والتجديد في آن واحد. ففي دورته الحادية عشرة، يختار هذا المهرجان تكريم أحد أعلام الموسيقى التونسية، محمد التريكي، الذي يُعدّ شاهدًا على قرن من التحولات الموسيقية في البلاد. تكريمه ليس مجرد احتفاء بشخص، بل استعادة لذاكرة فنية كاملة لهرم من أهرام الموسيقى التونسية في القرن العشرين.
ويأتي هذا التكريم في إطار مؤسسة عريقة هي الرشيدية أو المعهد الرشيدي، التي شكّلت منذ تأسيسها ركيزة أساسية في حفظ المالوف والتراث التونسيين. وتحتضن فعاليات هذا المهرجان فضاءات رمزية، من بينها المسرح البلدي العريق بتونس، الذي يظلّ شاهدًا على أعرق السهرات الفنية في العاصمة.
وبقيادة المايسترو نبيل زميت، يُقدَّم المهرجان قراءة موسيقية جديدة لرصيد الرشيدية، تتوزع بين الموشحات والمقطوعات، في محاولة للجمع بين الوفاء للأصل والبحث عن صياغات معاصرة. وتشارك في هذه السهرات أصوات أصيلة متميزة، على غرار الفنانة درصاف الحمداني، المعروفة بحضورها الدولي وتمكّنها من الطرب الأصيل، ومحمد بن صالح، الذي يُعدّ من الأصوات الشابة الواعدة في الساحة التونسية.
ويمتد برنامج «ترنيمات»على مدى أسبوع، جامعًا بين عروض تراثية صرفة، وأخرى تميل إلى التجريب. إضافة إلى سهرات صوفية تستحضر البعد الروحي للشهر الكريم.
نحو رؤية ثقافية متكاملة
إن قراءة المشهد الثقافي الرمضاني في تونس تكشف عن معادلة دقيقة: بين مهرجان المدينة الذي يمثّل الذاكرة والرمزية، ومبادرات مثل «ترنيمات» التي تجسد روح التجديد والانفتاح. فلا تعارض بين الاثنين، بل يمكن النظر إليهما كوجهين لعملة واحدة: عملة الثقافة الوطنية التي تبحث عن التوازن بين الأصالة والتحديث.
وربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى تفكير استراتيجي أعمق، يضع نصب عينيه مسألة التنسيق بين الفاعلين الثقافيين، دون المساس باستقلالية كل تجربة. فالثقافة ليست سباقًا نحو استقطاب أكبر عدد من المتفرجين فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية في تشكيل الذائقة العامة وتعزيز الحس النقدي لدى الجمهور.
وبالنهاية، تبقى ليالي رمضان في تونس مساحة للتلاقي بين الروح والفن، بين التاريخ والحاضر. وسواء في أزقة المدينة العتيقة أو على ركح المسرح البلدي، يظلّ الرهان الحقيقي هو الحفاظ على جودة العروض وعمقها، حتى تبقى هذه الليالي وفية لذاكرتها، ومفتوحة في الآن ذاته على آفاق جديدة من الإبداع.