«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهي تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلا لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرسا فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي.
تلك هي السطور الأولى من كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» الذي صدر من دار أكورا المغربية للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف. وهو كتاب ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالأدب الشخصي، على الرغم من أن الدار صنفته باعتباره كتاب «مذكرات». وهو كذلك لو لم يستجب كاتبه إلى رغبته في ألا يكون الزمن هو الوسادة التي يضع عليها رأسه ليحلم. هو أقرب إلى أن يكون كتاب أحلام مستلهمة من شعور عميق بالفقدان الذي يشد القارئ إلى طبقات المدينة المشدودة بعضها إلى بعض بخيط يزينه النسيان، بالكلمات الغامضة والأصوات الخفية وعطور اللقاءات المحلقة.
«سنة أخرى من الاشتياق» هو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ حوالي ثلاثين سنة. لذلك فإنه لا يستعيدها وثيقة واقعية، بل باعتبارها حلما، يُخيل إليه أنه عاشه من غير أن يكون على يقين من ذلك. هذا ما ألقى ظلاله على أسلوب الكتابة، الذي سعى الكاتب من خلاله إلى اقتناص مشاهد للمكان ذاته في أزمنة مختلفة وبأناس، بعضهم موتى والبعض الآخر أحياء. وإذ يرسم مؤلف الكتاب خريطة وهمية لبغداد، فإنه في الوقت نفسه يهب عاطفته فرصة أن تتماهى مع الأشكال التي تجسدها.
نقرأ في الكتاب «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمر بالمدن كما لو أنها هي التي تمر بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر وأليوت وفرجينيا وولف وجيمس جويس وكلود مونيه وشارل بودلير وبروست وروفائيل وباخ وغوته وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلا. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حيا من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».