لندن- “القدس العربي”:
قالت مجلة “إيكونوميست” إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه أربعة خيارات سيئة، ولا يضمن أي منها وقف الحرب أو تخفيف الأزمة الاقتصادية التي أنتجتها.
وقالت إن استراتيجية دونالد ترامب تجاه إيران أشبه بتقلبات الطقس في ولاية فلوريدا: إن لم يعجبك، فانتظر خمس دقائق، لتعرف وضعه.
ففي يوم الجمعة، قال الرئيس إن الحرب الأمريكية “تقترب من نهايتها”، وأضاف أن أهدافها العسكرية قد تحققت إلى حد كبير، وبدا غير مكترث بإغلاق إيران المستمر لمضيق هرمز، لأن أمريكا لا “تستخدم” الممر المائي. وبعد يوم، أي السبت، غير خطابه التصالحي، حين منح إيران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح المضيق، محذرا إياها من أن “أمريكا ستمحو محطات الطاقة الإيرانية، بدءا بأكبرها”. ومن هنا انتهى الحديث عن تراجع وتيرة الحرب.
وتعلق المجلة أن المدافعين عن الرئيس يقولون إن تهديده الكلامي هو جزء من الخطة، ذلك أن ترامب يحتفظ بخياراته مفتوحة، ويبقي إيران في حالة تأهب دائم. أما بالنسبة للجميع تقريبا، فمن الواضح أن أمريكا دخلت هذه الحرب باستراتيجية خاطئة، بدءا من فشلها في توقع إغلاق إيران للمضيق.
ومع دخول القتال أسبوعه الرابع، أمام ترامب أربعة خيارات للمضي قدما: الحوار، الانسحاب، الاستمرار، أو التصعيد. وإن لم يختر أحدها بعد، فذلك لأن جميعها خيارات غير مجدية.
أمام ترامب أربعة خيارات للمضي قدما: الحوار، الانسحاب، الاستمرار، أو التصعيد. وإن لم يختر أحدها بعد، فذلك لأن جميعها خيارات غير مجدية
وفي الخيار الأول، التفاوض، هناك قلة تتناقص بين الدبلوماسيين ممن تعتقد أن هناك إمكانية لتوصل أمريكا وإيران إلى اتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن هذا الخيار يبدو الأقل ترجيحا، نظرا للصعوبات التي تعترض سبيل جمع الطرفين معا. فبعد تعرض إيران لهجومين أثناء مفاوضاتها مع أمريكا، بات من المفهوم ترددها في خوض جولة أخرى من المفاوضات. وتشهد قيادتها حالة من الفوضى، إذ لم يظهر المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، منذ توليه منصبه في التاسع من آذار/مارس.
وقد تتساءل أمريكا عما إذا كان أي وسيط إيراني يمثل النظام حقا. وحتى اختيار الوسيط قد يكون معقدا. فقد توسطت عُمان في الجولتين السابقتين، لكنها أغضبت جيرانها الخليجيين بموقفها المتعاطف مع إيران طوال فترة الحرب. وسيصر هؤلاء على وسيط بديل، وهنا تبدو قطر المرشح الأوفر حظا.
كما أن خيارا محدودا يستبدل فيه تخفيف العقوبات المفروضة على إيران بفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني لن يكون كافيا، فستدخل أمريكا أي مفاوضات بمطالب متشددة: فهي تريد أيضا من إيران قبول قيود صارمة على برنامجها الصاروخي وإنهاء دعمها للجماعات الوكيلة. ولدى إيران قائمة مطالبها الخاصة، والتي تشمل تعويضات عن الحرب وإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. ولا يرغب أي من الطرفين في تقديم تنازلات.
وفي وضع لم يتمكن فيه ترامب من إنهاء الحرب باتفاق، فربما حاول إنهاءها بأي طريقة تعجبه والتخلي عنها. وهناك من في دائرة مستشاريه من سيدفع إلى إعلان النصر. وقد يعلن، مع بعض المبالغة بلا شك، أن القدرات العسكرية الإيرانية قد تحطمت، فقد أغرق أسطولها البحري ودمر مصانع صواريخها. وربما كان هذا الخيار الملائم له، ويعمل من خلاله الرئيس على تسويق حملة عسكرية بدون نتائج واضحة على أنها انتصار حاسم. وهو ما فعله في حزيران/يونيو عندما ادعى أن البرنامج النووي الإيراني قد “دمر” بالضربات الأمريكية، متجاهلا وصفه البرنامج النووي نفسه، بعد ثمانية أشهر، بأنه لا يزال تهديدا.
وتعلق المجلة أن ترامب سيجد هذه المرة صعوبة في إقناع الناخبين، فقد ارتفعت أسعار البنزين في أمريكا بنسبة 34% مقارنة بالشهر الماضي. لكن غالبية قاعدته الجمهورية لا تزال تؤيد الحرب، وإنهاءها الآن سيمنح صدمة أسعار النفط سبعة أشهر للانحسار قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
وستظل هناك مشاكل أخرى عصية على الحل، فلا تزال إيران تمتلك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60%، وعزما جديدا على تحويله إلى قنبلة نووية. كما ستنتهي الحرب وهي تسيطر سيطرة تامة على مضيق هرمز. فعلى مدى نصف قرن تقريبا، كان ضمان تدفق النفط من الخليج العربي محور السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وإنهاء الحرب الآن يعني التخلي عن هذا المبدأ، مما سيغضب دول الخليج التي ستخشى من الابتزاز المستمر. وقد أبدى بعض المسؤولين الإيرانيين بالفعل رغبتهم في فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، ولن ترضى إسرائيل بذلك أيضا.
ترامب، الذي بدأ هذه الحرب، ليست لديه طريقة سهلة لإنهائها
وهو ما يقود إلى الخيار الثالث، الاستمرار على النهج الحالي. وبإمكان أمريكا وإسرائيل مواصلة شن غارات جوية لعدة أسابيع أخرى. وهو ما تفضله إسرائيل، ويقول قائد الجيش إن الحملة ستستمر طوال فترة عيد الفصح، الذي ينتهي في 9 نيسان/أبريل. ويرى بعض المتشددين في واشنطن أن بضعة أسابيع أخرى من الهجمات على القوات المسلحة الإيرانية ستؤدي إلى انخفاض إطلاق الصواريخ والمسيرات، الذي ينخفض بطريقة ملحوظة، وربما أدى القصف إلى انهيار النظام. وفي هذه الأثناء، سيكون لدى أمريكا متسع من الوقت لإرسال المزيد من السفن الحربية إلى المنطقة والعمل على تشكيل تحالف لتوفير الحماية عبر المضيق. ومع ذلك، لا يوجد ما يضمن نجاح أي من هذه الإجراءات. وقد يصل النظام إلى نقطة تحول، وربما لا يصل إليها، فمن الصعب التأكد من ذلك. وطالما ظلت إيران قادرة على مواصلة شن هجمات متفرقة على السفن، فمن المرجح أن تتمكن من إبقاء المضيق مغلقا ومنع ترامب من تحقيق النصر.
ففي مواجهة احتمال نشوب حرب طويلة، فقد تصعد إيران هجماتها على البنية التحتية الحيوية في الخليج. وفي كلتا الحالتين، ستتزايد الكلفة الاقتصادية، وستؤدي الهجمات الإيرانية المستمرة إلى استنزاف مخزون صواريخ الاعتراض الدفاعية في إسرائيل والخليج.
ويبقى لدى ترامب خيار رابع وأخير، وهو التصعيد لخفض التصعيد، على حد وصف وزير الخزانة سكوت بيسنت في 22 آذار/مارس. فقد ينفذ ترامب تهديده بضرب محطات الطاقة الإيرانية، وبإمكانه إصدار أوامر لقوات المارينز بتنفيذ عمليات إنزال برمائية للاستيلاء على جزيرة خرج، التي تضم ميناء تصدير النفط الإيراني الرئيسي، أو ثلاث جزر متنازع عليها بين إيران والإمارات العربية المتحدة، والتي تحتل موقعا استراتيجيا بالقرب من المضيق. كما يمكنه إرسال قوات كوماندوز لمحاولة تأمين اليورانيوم المخصب. ولكن التصعيد سيكون محفوفا بالمخاطر، فيجب على قوات المارينز التي تستولي على الجزر الإيرانية الدفاع عنها، معرضة نفسها لمخاطر هجمات الطائرات المسيرة المنتظمة. وقد تتطلب غارة على المنشآت النووية الإيرانية من قوات الكوماندوز تأمين الأراضي المعادية لأيام، وستواجه دول الخليج خطرا أكبر.
فقد هددت إيران بالفعل بضرب محطات توليد الطاقة وتحلية المياه التابعة لها إذا ما استهدفت أمريكا شبكة الكهرباء لديها. وقد تؤدي غارة على جزيرة خرج إلى هجمات أوسع نطاقا على منشآت النفط والغاز في الخليج. وتسبب الهجوم الصاروخي الباليستي الإيراني على محطة قطر للغاز الطبيعي المسال في 18 آذار/مارس في أضرار جسيمة، لدرجة أن 3% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية قد تتوقف عن العمل لمدة تصل إلى خمس سنوات، وفقا لمسؤولين قطريين.
ولن يكون أي من الخيارات ضامنا لوقف الحرب، وحتى لو أعلن ترامب “النصر”، فستبقي إيران المضيق مغلقا، وقد تراهن على جعل هذا الصراع أكثر تكلفة لترامب بشكل يردعه عن أي صراع مستقبلي. وربما واصل ترامب الضغط لبضعة أسابيع أخرى ليجد نفسه في الورطة نفسها، ذلك أن التصعيد ليس غاية في حد ذاته.
وماذا ستفعل أمريكا بجزيرة خرج إذا رفضت إيران التفاوض على اتفاق بشأنها؟ فترامب، الذي بدأ هذه الحرب، ليست لديه طريقة سهلة لإنهائها.