طرابلس – «القدس العربي»: تشهد السواحل الغربية لليبيا تطوراً جديداً في أزمة ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتاغاز»، بعد إعلان حكومة الوحدة الوطنية بدء عمليات سحب السفينة المتضررة التي انجرفت في المياه المقابلة لساحل زوارة منذ مطلع شهر آذار/مارس الجاري. ويأتي هذا التحرك بعد أيام من التحذيرات المتزايدة من احتمال وقوع كارثة بيئية أو بحرية في حال استمرار انجراف الناقلة المحملة بكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والوقود.
وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً، الثلاثاء، بدء عمليات تأمين وسحب ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة الساحل الغربي للبلاد، في خطوة تهدف إلى منع انجرافها أكثر نحو الشاطئ وتقليل المخاطر المحتملة على البيئة البحرية والملاحة في المنطقة. وأوضحت الحكومة في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، أن مركز تنسيق البحث والإنقاذ التابع لخفر السواحل يشرف بشكل مباشر على العملية بمشاركة فرق بحرية متخصصة تمكنت من تأمين وربط الناقلة استعداداً لجرها إلى موقع آمن بعيداً عن السواحل الليبية.
وأكد البيان أن الجهات المختصة قامت بحشد جميع الموارد البحرية المتاحة للتعامل مع الوضع، في إطار خطة تهدف إلى حماية المياه الإقليمية الليبية وضمان سلامة الملاحة البحرية في المنطقة. كما أوضح أن وزارة الدفاع تتابع عن كثب موقع الناقلة التي اقتربت خلال الأيام الماضية من سواحل مدينة زوارة الواقعة على بعد نحو 140 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس.
وتأتي هذه التطورات بعد فترة من القلق المتزايد بشأن وضع السفينة التي تعرضت لأضرار في وقت سابق من الشهر الجاري. وكانت وزارة النقل الروسية قد أعلنت في مطلع آذار/مارس أن الناقلة «أركتيك ميتاغاز» تعرضت لهجوم بواسطة مسيّرات بحرية انطلقت من الساحل الليبي، وقالت موسكو إن هذه المسيّرات تتبع للبحرية الأوكرانية. وأشارت الوزارة إلى أن السفينة كانت قد انطلقت من ميناء مورمانسك في شمال روسيا قبل وقوع الحادث.
ورغم الأضرار التي لحقت بالناقلة، أكدت السلطات الروسية حينها نجاة جميع أفراد طاقمها البالغ عددهم ثلاثين شخصاً. وأوضحت أن السفينة كانت تحمل شحنة ضخمة من الغاز الطبيعي المسال في طريقها إلى ميناء بورسعيد المصري قبل أن تتعرض للهجوم الذي أدى إلى خروجها عن السيطرة وانجرافها في مياه البحر المتوسط.
وفي سياق الجهود الرامية إلى التعامل مع الأزمة، أعلنت المنطقة الحرة في مدينة مصراتة إرسال قاطرة بحرية تحمل اسم «سميدة» وعلى متنها فريق فني متخصص للمساهمة في عمليات سحب الناقلة الروسية المتضررة. ونشرت المنطقة الحرة صوراً عبر حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر القاطرة مرتبطة بحبال بحرية بالناقلة المتضررة التي بدت عليها آثار الدمار الواضحة نتيجة الحادث الذي تعرضت له.
كما تأتي عملية السحب بعد إعلان المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، السبت الماضي، تعاقدها بالشراكة مع شركة «إيني» الإيطالية مع شركة دولية متخصصة في التعامل مع حوادث ناقلات النفط والمنصات البحرية والسفن التي قد تتسبب في تسربات نفطية أو غازية. وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان تنفيذ عملية جر الناقلة إلى ميناء ليبي بطريقة آمنة تمنع حدوث أي تسرب قد يؤدي إلى تلوث بيئي واسع في البحر الأبيض المتوسط.
ورغم بدء التحركات الميدانية لمعالجة الوضع، أثارت التطورات الأخيرة جدلاً سياسياً داخل ليبيا بعد صدور بيان عن لجنة الأمن القومي في المجلس الأعلى للدولة عبّرت فيه عن قلقها من التأخر في اتخاذ إجراءات عملية لمعالجة أزمة الناقلة المتضررة. وأوضحت اللجنة في بيان لها أن استمرار الوضع دون تدخل سريع قد يؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية تهدد السواحل الليبية والبيئة البحرية في المنطقة.
وأكدت اللجنة أن حالة التباطؤ في التعامل مع الحادث تضع حكومة الوحدة الوطنية والمؤسسة الوطنية للنفط ورئاسة أركان القوات البحرية أمام مسؤولياتها القانونية والوطنية. وشدد البيان على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة على الأرض لمعالجة الوضع وضمان حماية الأرواح والممتلكات الوطنية، إضافة إلى طمأنة المواطنين بشأن المخاطر المحتملة المرتبطة بالناقلة. وأشار البيان إلى أن الوضع الراهن يتطلب تنسيقاً فورياً بين مختلف الجهات الحكومية والهيئات البحرية المختصة، خصوصاً في ظل تزايد المخاوف من احتمال حدوث تسرب من حمولة السفينة التي تعرضت لأضرار قبالة الساحل الغربي لليبيا. كما لفت إلى أن أي حادث بيئي محتمل قد تكون له تداعيات واسعة على الثروة البحرية والاقتصاد المحلي في المناطق الساحلية.
وتحمل الناقلة الروسية على متنها نحو 62 ألف طن متري من الغاز الطبيعي المسال إضافة إلى كميات من الوقود، الأمر الذي يزيد من حساسية الوضع في حال حدوث تسرب أو انفجار. ويشير خبراء في الشؤون البحرية إلى أن الغاز الطبيعي المسال يتم حفظه في درجات حرارة منخفضة للغاية تصل إلى نحو 160 درجة تحت الصفر، ما يعني أن تسربه في مياه البحر قد يؤدي إلى صدمة حرارية للكائنات البحرية قبل أن يتبخر سريعاً في الهواء.
كما يحذر متخصصون من أن امتزاج الغاز المتبخر مع الهواء في ظروف معينة قد يؤدي إلى تشكل سحابة قابلة للاشتعال، وهو ما قد يضاعف المخاطر في حال وقوع أي حادث إضافي بالقرب من السفينة. وتزداد هذه المخاوف في ظل الأحوال الجوية المتقلبة والتيارات البحرية التي قد تدفع الناقلة نحو مناطق ساحلية أو منشآت بحرية قريبة.
وتشهد المياه الإقليمية الليبية بين الحين والآخر حوادث بحرية مشابهة تتعلق بسفن تجارية أو ناقلات نفط وغاز، وغالباً ما تكون هذه الحوادث نتيجة ظروف الطقس السيئة أو أعطال فنية في السفن. ففي منتصف عام 2025 تعرضت ناقلة النفط اليونانية «فالي مورا» لانفجار في غرفة المحركات أثناء إبحارها قبالة الساحل الليبي، ما أدى إلى حالة استنفار بحري للتعامل مع الحادث».
كما شهدت المنطقة في نهاية يناير الماضي حادث غرق سفينة البضائع «ميني ستار» التي كانت ترفع علم دولة سانت كيتس ونيفيس، وذلك على بعد نحو عشرة أميال بحرية شمال شرق ليبيا بعد تعرضها لعاصفة قوية في البحر المتوسط.
وفي ظل هذه السوابق البحرية، يرى مراقبون أن حادث الناقلة الروسية الحالية يمثل اختباراً مهماً لقدرة الجهات الليبية على إدارة الأزمات البحرية والتعامل مع المخاطر البيئية المحتملة في مياه البحر المتوسط. ويؤكد هؤلاء أن نجاح عملية سحب السفينة وتأمينها سيشكل خطوة حاسمة في احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى كارثة بيئية قد تمتد آثارها إلى سواحل دول أخرى في المنطقة.