رام الله – “القدس العربي”: يرى الكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم، والباحث والأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بنيت على حسابات خاطئة، ما يعزز احتمالات أن تطول أكثر وتتضاعف تداعياتها.
وفي حديث خاص لـ”القدس العربي”، يقول عزم إن عدم إحراز النتائج الأولية، التي كانت متوقعة من الحرب على إيران، دفع إلى اللجوء لاستخدام أوراق جديدة بطريقة أشبه بالنهج التجريبي، مشيرا إلى أوجه تشابه بين الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 والهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
في موازاة ذلك، يرى أن سلوك إيران العسكري يظهر أنها تعتمد سياسة تهدف إلى وقف الهجمات من خلال رفع ثمنها. وحول أسباب غياب الوساطة لوقف الحرب، يخلص عزم إلى أن إيران عمليا ضربت الوسطاء، حيث لا يوجد اليوم أي جهة دولية أو نظام دولي أو أمم متحدة قادرين على التدخل لوقف الحرب. وفيما يلي نص الحوار:
يظهر في الأفق احتمالات متعددة حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. يبدو أننا أمام لحظات فيها الكثير من التصعيد، فتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة ومهلة ال 48 ساعة، توحي وكأن ما كان ممنوعا في لحظة ما، أصبح اليوم مطروحا كخيار على الطاولة من أجل كسر الإيرانيين، كيف ترى هذا المشهد؟
سأبدأ من زاوية الحسابات الأمريكية الإسرائيلية في بداية هذه الحرب، أرى أنها تشبه الحسابات التي كانت في حرب العراق 2002-2003، حيث بنيت الأمور على حسابات خاطئة، مثل أنها ستكون حرباً سريعة أو خاطفة أو ستحقق نتائج أشبه بكرة الثلج التي تتدحرج في الاتجاه المرغوب من قبل الذين بادروا إلى الهجوم. في حرب العراق، اعتقدوا أن إسقاط النظام سيليه تحولات في كل المنطقة، وأن الأمور ستسير في الاتجاه الذي يريدونه. كانت القوات التي حددوها في ذلك الوقت لحكم العراق 60 ألف جندي، لا أقول ذلك من باب العودة للتاريخ إنما من باب محاولة فهم العقلية التي تقوم على الحرب.
أعتقد هذه المرة أن الشيء نفسه حدث، ومثلما حماس أخطأت في حسابات 7 أكتوبر حيث افترضت أنه سيكون هناك وحدة جبهات، وأن إسرائيل لن تقاتل على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، وقع الجميع في الأخطاء نفسها، الجميع في كل الجهات، الحرب الأمريكية الإسرائيلية بدأت على حساب أنها قصيرة، وأنه سيحدث تفاعلات داخل إيران في الاتجاه الذي هم يرونه.
عدم حصول النتائج الأولية التي كانت متوقعة، يدفع إلى استخدام أوراق جديدة، أشبه بالنهج التجريبي
ربما ما يقوله ترامب صحيح، من ناحية كمية الخسائر التي وقعت لإيران لكن في الوقت نفسه، هناك حسابات أخرى على الأرض. عندما يسقط النظام القديم، تصبح الأمور أكثر فوضوية، يصبح من الصعب معرفة الاتجاه الذي ستسير فيه الأمور، حيث أن عدد الفواعل أو أصحاب القرار في الحرب سيزيد، وهذا ما يحدث الآن.
في الوقت نفسه، عدم حصول النتائج الأولية التي كانت متوقعة، يدفع إلى استخدام أوراق جديدة، أشبه بالنهج التجريبي، وفي الوقت نفسه فإن رد الفعل الإيراني أصبح يقوم على البحث عن أية ورقة لإثبات الوجود. المشكلة في الموضوع أنه لا يوجد أي جهة دولية أو نظام دولي أو أمم متحددة أو وساطة فاعلة، لأن إيران ضربت الوسطاء عمليا أيضا.
السؤال هنا، لماذا لا توجد وساطة، وكأن الأمر متروك لإيران وإسرائيل وأمريكا لفعل ما يشاؤون، ونرى محاولة جرجرة أطراف أخرى ليكونوا جزءا من الحرب؟
صحيح ما تقوله، من الصعب على الأمم المتحدة التحرك لأسباب متعددة، أهمها، أن الولايات المتحدة جزء من الحرب، وبالتالي، مجلس الأمن لن يتحرك في أي اتجاه لا يساير الطرف الأمريكي. روسيا، لديها مصلحة نسبية في استمرار الحرب، الآن، وبسبب أزمة الطاقة، بدأ الحديث عن إنهاء الحظر النفطي على روسيا. هناك أطراف عالمية غير قادرة على الدفع بوقف الحرب، إما لغياب المصلحة، أو لوجود أطراف هي عمليا تعيق وقف الحرب. فيما يخص الموقف الأوروبي، فقد تراجع دور الأوروبيين كوسطاء منذ فترة طويلة. خلال السنوات الماضية التي سبقت هذه الحرب، وفي بداية الحرب على غزة، تم تكليف بعض الدول الأوروبية بأدوار تفاوضية ووساطية، وعُقدت مؤتمرات متعددة تحت مظلة الأمم المتحدة، لكنها فشلت في تحقيق نتائج ملموسة. وبناءً على ذلك، تولت دول الخليج، وخصوصا قطر والسعودية، أدوارا رئيسية في المفاوضات، ويظهر هذا التوجه حتى في مسار المفاوضات الروسية-الأوكرانية، حيث لعبت دول الخليج دور الوساطة بشكل بارز.
عندما يسقط النظام القديم، تصبح الأمور أكثر فوضوية، يصبح من الصعب معرفة الاتجاه الذي ستسير فيه الأمور، حيث أن عدد الفواعل أو أصحاب القرار في الحرب سيزيد، وهذا ما يحدث الآن
تاريخيا، من يلعب دور الوسيط بين إيران والأمم المتحدة الأمريكية هو بالدرجة الأولى عمان، وكان لعمان دور أساسي في الوصول إلى الاتفاق النووي عام 2015. الآن، إيران في سياق البحث عن هدف ومحاولة لخلق توتر استهدفت موانئ نفط، السبب في ذلك هو محاولة لجعل دول الخليج تسرع في الدفع بالمفاوضات، وتسرع بالوساطة فيها. في العلاقات الدولية، هناك تعبير مهم جدا هو حافة الهاوية، بعد حافة الهاوية يمكن أن تذهب الأمور في اتجاهات تخرج عن السيطرة. المنطق الذي يحكم أي دولة في العالم، هو أنها يمكن أن تلعب دورا في موضوع الوساطة في حال كان أمنك القومي مؤمنا، وهو أمر غير موجود عند دول الخليج اليوم، وبالتالي الحسابات اختلفت حاليا حيث أصبحت دول الخليج واقعة تحت الاعتداء، وهي لم تعد في موقع الوساطة بل في موقع رد العدوان عن نفسها.
هناك محاولات قليلة هنا وهناك في الوساطة، لكن من الواضح حتى الآن، لا يوجد عملية تفاوض حقيقية، إضافة لذلك تعلمنا الخبرة أن نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) تاريخيا لم يذهب باتجاه قبول الوساطة، كانت إسرائيل ترفض أن يكون لأي طرف حق التدخل في قرارها، الوحيد الذي كان له تأثير حقيقي على قرارها هو الولايات المتحدة، والأخيرة دخلت الحرب بطلب من إسرائيل.
تحدثت عن “سياسة التجريب”، الكل يتخذ إجراءات ويبحث عن حلول في سبيل تحقيق انتصار، ترامب اقترح أن يحتل الجزر في مضيق هرمز، إسرائيل لها مصالح، إيران أعلنت عن احتمال إغلاق “باب المندب”، كيف تقرأ هذه الحلول المرتبطة بتداعيات الحرب؟
سابقا، اقترح ترامب الاستيلاء على جزيرة غرينلاند من الدنمارك، واقترح في وقت من الأوقات أن تصبح كندا جزءا من الولايات المتحدة، كذلك، اقترح الاستيلاء على جزيرة كوبا أو أن يكون له علاقة فيها، أنت تتكلم عن عقلية رئيس، وفي ظل إدارة تهمش بشكل تدريجي وكبير الدولة العميقة ومؤسساتها، وبالتالي في إسرائيل مثل الولايات المتحدة، تم وضع مسؤولين حول رئيس الوزراء في حالة إسرائيل، وحول الرئيس في حالة أمريكا، لا يصنعون قراراً بقدر ما يؤيدون القرار. وبالتالي، هذا النهج الموجود يعبر عن عملية صناعة قرار أكثر مما يعبر عن مصالح استراتيجية، الأشخاص الذين يصنعون القرار في الولايات المتحدة الآن ترامب وكوشنر وويتكوف (المبعوثان الأمريكيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف)، هؤلاء بدا عمق معرفتهما في المنطقة وتداعيات ما يحدث في المنطقة محدوداً، وبالتالي، النهج التجريبي ينم عن عدم خبرة ولا يدلل بأي حال عن أي قرارات استراتيجية وحسابات منطقية.
ترامب يريد أن يتنصل من المعرفة، والحقيقة أنه لا يريد أن يعلم
بصراحة يدهشني جانب من تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، وما يتم تداوله في بعض وسائل الإعلام الأمريكية، تشعر أن أمريكا ليست دولة تتخذ سياسات وقرارات من دون دراسة؟
كما قلنا سابقا حول فريق ترامب في الإدارة الثانية، لاحظ أن ترامب في إدارته الأولى غيّر مجموعة كبيرة من المسؤولين في أول عامين من حكمه، رغم أن بعضهم كان يمينيا وعنيفا ومؤيدا للسياسات العدائية والهجومية، مثل جون بولتون وغيره كثير. لكن، الفرق أن هؤلاء الأشخاص كان لديهم خبرة سياسية، اليوم نرى أنه جلب مدراء شركات كبرى وعينهم، كما قامت فكرته على جلب فريق سياسي أهم ما يميزه أنه غير معارض وليس صاحب رأي. وهذا أولا. ثانيا، هناك نقطة مهمة جدا في منطق الحروب والهجمات العسكرية، فالسياسي عندما يتخذ قرار الحرب لا يبحث عن عملية صناعة قرار حكيمة، باستثناء قلة من السياسيين الذين يمكن أن يبحثوا عن ذلك، السياسي عندما يأخذ قرارا يصبح همه الوحيد البحث عمن يؤيد قراره، وليس العكس. أنا رجعت للبحث في حرب العراق الأولى لأن هناك تشابها في أمور كثيرة، الوضع في تلك الحرب كان أفضل بمراحل، حيث أن الخبراء في مراكز الأبحاث الأمريكية قدموا تقدير موقف غير مؤيد للحرب، ووضعت كلها جانبا.
ترامب عندما يقول لم يخبرني أحد، يجعلنا نفكر أنه ربما أخبروه لكن هو لا يريد أن يسمع، عندما ترى الاستجوابات التي تحدث في الكونغرس تكتشف ذلك، أما تقديرات المسؤولين الذين جلبهم، وأغلبهم مشكوك في مدى خبرتهم، تقول إنهم أوضحوا أن إيران لم تصل لمرحلة السلاح النووي، ولم تصل إلى مرحلة خطيرة في التخصيب. يبدو لي أن الأساس أن ترامب يريد أن يتنصل من المعرفة، والحقيقة أنه لا يريد أن يعلم.
من خلال وجودك في منطقة الخليج وتحديدا قطر، بعد أن أصبح الخليج ساحة معركة لم يكن طرفا فيها، هل يمكن أن يتحول الموقف الخليجي من هذه الحرب التي يرفضها، ويرفض حتى اللحظة الانخراط فيها؟ وهل يمكن لإسرائيل أن تكون معنية بالتصعيد أكثر لتعزيز خسارة الخليج؟
إسرائيل لديها مخطط هيمنة في كامل المنطقة، هذا أكيد، وهذا ما يقوله نتنياهو، أي أنه غير الشرق الأوسط والعالم، أستبعد أن يحصل تحول في موقف دول الخليج، أزعم أن دول الخليج وخصوصا السعودية وقطر وعمان لديهم نوع من الحسابات الواضحة تماما إلى جانب حالة من العقلانية والمعرفة العميقة لمفهوم المصلحة القومية، صحيح أن الوضع حساس، لكن لن يترتب على الموقف أي تحول. وبالمناسبة، عندما أُبرم اتفاق أوباما مع إيران، لم يكن هناك قبول واضح من دول الخليج له، لأسباب عدة، أبرزها أن الاتفاق تم دون مشاورات معها. ومع ذلك، تدرك هذه الدول اليوم، في ضوء التحولات الناتجة عن الحرب وتداعياتها، أن ما يحدث لا يصب في مصلحتها، وأن توسع النزاع لا يخدم مصالحها. شخصيا، أستبعد حدوث تحول كبير في موقفها.
نلحظ أن الحديث عن “باب المندب” أصبح أكثر حضورا، كيف ترى ذلك في ظل تصاعد حروب الطاقة؟
كان الحديث عن الحوثيين بصفتهم من الفواعل التي يمكن أن تستهدف “باب المندب”، إلى جانب بعض الموانئ التي شكلت بدائل للتصدير. تأتي هذه التحركات وفق خطة إيران نفسها، في محاولة لممارسة الضغط على العالم من خلال خلق أزمات في الطاقة والنفط، ضمن سعيها لاستخدام أوراق ضغط متعددة. ما تقوم به إيران يهدف إلى رفع “الثمن” على الجميع عبر هذه الهجمات والسيناريوهات، فهي سياسة تعتمد على محاولة وقف الهجمات عبر جعلها مكلفة، ويُعد “باب المندب” وغيره مثالا واضحا على ذلك.
المؤكد أن نتنياهو يختلف عن ترامب، لديه حسابات شخصية واضحة أكثر، ولديه حسابات استراتيجية واضحة أكثر
تحدثت عن صفات ترامب بصفته رئيسا، ماذا عن نتنياهو، كيف تقرأ شخصيته وعلاقتها باستمرار الحرب؟
لدى نتنياهو أربعة حسابات رئيسية: الأول يتعلق بالانتخابات المقبلة التي يترقبها، والثاني بمحاولة الخروج من استكمال الانقلاب الذي يشنّه داخل إسرائيل من خلال تهميش القضاء ومؤسسات الدولة التي قد تعارضه كرئيس. أما الثالث فيتصل بمحاولة تفادي أي محاسبة قانونية، سواء بسبب قضايا الفساد أو أحداث 7 أكتوبر، فيما يرتبط الرابع بمخطط للهيمنة الإقليمية الكبيرة واعتقاده بأنه قادر على فرض تطبيع العلاقات على باقي الدول. ويبدو أن الأمور، قبل اندلاع هذه الحرب، لم تكن تسير في أي اتجاه يخدم مصالحه، وهو يعتقد أنه إذا أعاد خلط الأوراق وتمكن من إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه، فإن ذلك سيؤدي إلى اختلال كبير في موازين القوى في المنطقة.
نتنياهو يعمل على أن تصبح إسرائيل هي العامل الأساسي بشكل أكبر في موازين القوى. فبعد العراق، أصبحت إيران تشكل نوعا من عوامل توازن القوى في المنطقة، “خطة بن غوريون” القديمة التي كانت تقوم على التحالف مع الدول المحيطة بالدول العربية مثل إثيوبيا وتركيا وإيران، وذلك ذهب مع التحول الذي جرى في تركيا ومجيء حزب العدالة والتنمية والثورة الإيرانية. الآن، يبدو أن لدى نتنياهو طموحا وأملا في أن يبني شيئاً من هذا النوع، يفرض التطبيع على الدول العربية، وفي الوقت نفسه يتحالف مع الدول المحيطة بالعالم العربي. المؤكد أن نتنياهو يختلف عن ترامب، لديه حسابات شخصية واضحة أكثر، ولديه حسابات استراتيجية واضحة أكثر.
تحدثت في البداية عن تشابه بين حرب العراق الأولى وهذه الحرب على إيران، هل لك أن تتحدث عن ذلك من حيث عوامل التشابه والاختلاف؟
المعلم الأول يتمثل في أن حرب العراق الأولى قام بها المحافظون الجدد، وهم كانوا جمهوريين إلى حد كبير واعتمدوا على الحزب الجمهوري. كان لدى هؤلاء فكرة تطهير الأنظمة لمصلحة الوطن، كما كانوا يرفعون شعارات مثل: الديموقراطية وتحرير العراق. اليوم نرى أن ترامب واضح تماما حيث يقول إن هذه الأمور لا تعنيه، بل كل ما يهمه هو توافق مصالح الدول مع مصالحه. نتنياهو يعتقد أيضاً بالسيطرة عبر تغيير الأنظمة السياسية، النظام السياسي الذي لا يسير معه يمكن أن يغيره، وبالتالي هناك تشابه رغم أن أجندة الحرب الديموقراطية غائبة، رغم أننا نرى أنها تستخدم من خلال الحديث عن حرية الشعب الإيراني. ثانيا، كان هناك ملمح يتمثل في عدم إدراك التداعيات. عندما حدثت حرب العراق، لم يكن هناك إدراك لطبيعة التركيبة الديموغرافية الطائفية القومية داخل العراق، وكذلك الانقسام الاثني في العراق، وهي تشبه حالة عدم فهم نسيج المجتمع الإيراني والتركيبة الإيرانية الداخلية. ثالثا، ربما كانت القوى التي رصدت في ذلك الوقت للعراق كافية لإسقاط النظام بسهولة، لكنها لم تكن كافية لتمرير المخطط الأمريكي في العراق وإجراء التحول السياسي الاجتماعي الذي توقعوا تحقيقه. أعتقد أن ذلك حدث هذه المرة أيضا، فالقوى التي تم حشدها على ضخامتها، هي أقل من متطلبات الأهداف الأمريكية الإسرائيلية.