اعتمد النظام السياسي البريطاني على وجود حزبين رئيسيين في الساحة، يتنافسان على الحكم وهما، حزب العمال وحزب المحافظين. وتم تداول السلطة بينهما على مرّ عقود كحكم انفرادي، ما عدا فترة بسيطة بين 2010 و2015 بعد انتهاء حكم حزب العمال بقيادة توني بلير، ثم جوردون براون. فاضطر حزب المحافظين للتحالف مع حزب الأحرار الديمقراطيين بقيادة ديفيد كاميرون ونيك كليغ لمدة 5 سنوات. انفرد حزب المحافظين بعدها بالحكم من 2015 حتى 2024 عندما فاز حزب العمال بالانتخابات بأغلبية ساحقة أتت برئيس الوزراء الحالي كير ستارمر إلى الحكم.
من أهم ما حدث في فترة حكومة المحافظين كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) وجائحة كورونا. كما أنه على غير العادة، تعاقب 5 أفراد من حزب المحافظين على رئاسة الوزراء، كان من ضمنهم لير تراس، التي حكمت 45 يوما فقط، استقالت بعدها بسبب سياساتها الاقتصادية التي زعزعت ثقة الأسواق المالية. كما كان بوريس جونسون من أكثر رؤساء الوزراء جدلا. ويذكر أيضا أن آخر رؤساء الوزراء من حزب المحافظين كان ريشي سوناك الهندي الأصل، وكان أول رئيس وزراء من الأقليات في تاريخ بريطانيا.
لا يعتمد النظام النسبي في بريطانيا، بل النظام المناطقي، إذ يصوت الناخبون لمرشح في منطقتهم من الأحزاب، أو المستقلين ويفوز بتمثيل المنطقة من يحصل على أعلى نسبة أصوات ويقوم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المنتخبين لعضوية البرلمان بتشكيل الحكومة. مع العلم أن عدد أعضاء البرلمان 650 عضوا. وكلما ارتفعت أغلبية الحزب في البرلمان، شعر بقوته واستطاع تمرير برنامجه الذي وعد به قبل الوصول للسلطة.
حصل حزب العمال الحاكم على 411 مقعدا في انتخابات عام 2024 ما أعطاه أغلبية 239 مقعدا. وهذه أغلبية عالية أهلته لأن يمرر كل برامجه، إلا التي واجهت رفضا كبيرا من أعضائه، والتي كانت قليلة. ويتبع أغلب الأحزاب نظام الويب، أو اشتراط أن يصوت أعضاء الحزب في البرلمان مع أمر القيادة، أي أن عضو البرلمان ليس حرا بالتصويت كما يشاء، أو حسب رغبة من صوت له في منطقته، إذا خالف ذلك أمر القيادة. ويخاطر من يصوت ضد أوامر القيادة بتجميد عضويته.
بدأ يتجلى أن المواطن البريطاني، سئم من الحزبين الكبيرين العمال والمحافظين، بسبب فشل سياساتهما عموما، ومع ذلك يتعاقبان على السلطة، وبدأ يبحث عن خيارات أخرى
ولكن ما بدأ يتجلى هو أن المواطن البريطاني، سئم من الحزبين الكبيرين العمال والمحافظين، بسبب فشل سياساتهما عموما، ومع ذلك تعاقبهما على السلطة، وبدأ يبحث عن خيارات أخرى. وقد يؤدي ذلك إما إلى الإتيان بأحد الأحزاب الأخرى للسلطة، أو يضطر الحزب الفائز بأغلبية صغيرة إلى التحالف مع حزب أو أحزاب أخرى حتى يستطيع الحكم.
ما زالت الانتخابات البرلمانية المقبلة بعيدة، ومن المفروض ألا تحدث قبل 2029 ولكن قد تحدث قبل ذلك، إن خسر حزب العمال ثقة مجلس العموم، ولكن لا مؤشرات، لذلك حاليا، إلا أن هناك إمكانية للإطاحة بقائد الحزب ورئيس الوزراء كير ستارمر، بسبب استياء أعضاء الحزب في البرلمان من قيادته وعدد المرات التي أقر فيها سياسات، وواجه سخطا فتراجع عنها. وقد أثارت استطلاعات الرأي إمكانية تغييره، لأنها وجدت أنه أقل رؤساء الوزراء شعبية على الإطلاق. ومن المتوقع أنه في أي انتخابات مقبلة لن يربح حزب العمال الحاكم بسبب استياء الناخب من سياساته ومن قيادة ستارمر، ومن حزب المحافظين بسبب سياساته التي رفضها الناخب البريطاني مع نهاية حكمه عام 2024 وعدم شعبية قائدة الحزب الحالية كيمي بيدوناك وهي من أصول نيجيرية. هذا فسح المجال لأحزاب أخرى لإقناع الناخبين بأنهم يقدمون سياسات أفضل من الحزبين التقليديين، وأنهم إذا انتخبوا وحصلوا على أغلبية، سيفون بوعودهم، ويحققون تحسنا في الوضع الاقتصادي للشعب، الذي يواجه غلاء الأسعار وتقلصا في الخدمات، بالذات بعد بريكست، الذي يرى العديد من الخبراء أنه أثر سلبا على الاقتصاد البريطاني وجائحة كورونا التي كان التعامل معها مكلفا للغاية.
الأحزاب التي قد تستفيد من تراجع فكرة الحزبين الكبيرين هي ثلاثة، حزب الأحرار الديمقراطيين. حزب الإصلاح وحزب الخضر.
من الغريب أن حزب الأحرار الديمقراطيين، الذي فاجأ المحللين بالحصول على 72 مقعدا في البرلمان، وهو عدد مرتفع، ولم يأت أعلى منه بعد حزب العمال إلا حزب المحافظين بـ121 عضوا لا يتوقع المحللون أنه سيبني على ذلك لترسيخ وضعه في انتخابات مقبلة، مع أن قائده إد ديفي لديه على شعبية جيدة.
أما حزب الإصلاح فمع أنه حزب جدلي يقوده نايجل فراج، الذي وقف وراء دفع بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، فتظهر استطلاعات الرأي أنه مرشح للفوز بالانتخابات المقبلة، حيث تقدر نسبة دعمه بـ26% مقابل العمال 16% والمحافظين 17% ويليهم حزب الخضر 15%. ولكن شعبية حزب الإصلاح تتراجع لعدة أسباب منها أن العديد من أعضاء حزب المحافظين انتقلوا للحزب مع أنهم كانوا قد ساهموا بقيادة سياسات سيئة عندما كانوا وزراء لحكومة المحافظين في الهجرة والاقتصاد. كما أن الحزب ما زال يتهم بأن قائده نايجل فراج يتفرد بقيادة الحزب، وأن اهتمامه الوحيد هو موضوع الهجرة. كما أنه لا يمثل المنطقة التي انتخبته، كما هو مفترض، ولا يقضي وقتا كافيا فيها لمعالجة مشاكل من انتخبوه. ولكن من مزايا فراج، مهاراته الكلامية، التي يرى البريطانيون من البيض أنه يتفهم تخوفهم من الهجرة، وبالذات المسماة غير الشرعية وتأثيرها السلي على المجتمع والتكاليف الباهظة للعناية بالمهاجرين على حساب الشعب البريطاني. صعود التيار اليميني المتطرف قد يأتي بفراج إلى رئاسة الوزراء ولحزب الإصلاح للحكم. ولكن ما حصل خلال الستة أشهر الماضية، هو ظهور حزب الخضر على الساحة وتصاعد شعبيته بعد انتخاب زاك بولينسكي اليهودي المثلي وتمكنه من مخاطبة الناخب البريطاني بتفاعل، أقنع العديد أنه يفهم المشاكل التي يواجهها، وأن نجاح الحزب بالحصول على عدد أكبر من المقاعد سيساعد بالدفع لسياسات تلبي مطالب الفقراء والضعفاء، بالإضافة لسياساته المتعلقة بالبيئة.
ونجح حزب الخضر في أول اختبار له منذ مجيء بولينسكي لقيادته، عندما هزمت السباكة هانا سبينسر بمقعد غورتون ودانتن في مانشيستر في الانتخاب الفرعي الذي هزمت به كل الأحزاب الأخرى، من ضمنها العمال والإصلاح بأغلبية كبيرة. أحدث ذلك الفوز زلزالا سياسيا كبيرا لأن التوقعات كانت فوز حزب الإصلاح بالمقعد، ولكن لم يحصل ذلك. وقد أعطى ذلك الفوز دفعة كبيرة لحزب الخضر. كان عدد أعضائه قبل مجيء بولاسكي وفوز سبينسر 67.000 وصعد العدد إلى 215.000 واصبح ثاني أكبر حزب بعد الإصلاح.
بريطانيا مقبلة على انتخابات محلية في 7 مايو وإذا استمرت شعبية حزب الخضر بالصعود وزاد عدد أعضاء مجالس البلدية بطريقة كبيرة فقد يرسخ ذلك الحزب كجزء مهم من النظام السياسي البريطاني ويضعف الأحزاب اليمينية بقيادة حزب الإصلاح، التي تتهم بالدعوة للفرقة والكراهية بين فئات المجتمع البريطاني.
كاتب فلسطيني