النظام أمام امتحان «البقاء الصعب»… والمنطقة تترنح


لعبت إيران طويلاً على حافة الهاوية، مستثمرةً في ضيق الوقت وحسابات التردد لدى خصومها، وحاولت حتى اللحظة الأخيرة في محادثات جنيف شراء مزيد من الوقت. ما طُرح في الجولة الثالثة، ولا سيما فكرة «صفر تخزين» لليورانيوم عالي التخصيب وفق ما كشفه وزير الخارجية العُماني، لم يكن في القراءة الأمريكية سوى «جزرة» تكتيكية هدفها إطالة المهلة التي كان قد أعلنها دونالد ترامب في 13 فبراير. فطهران تدرك أن مسار التفاوض مع إدارة ترامب يختلف جذرياً عن تجاربها السابقة، ولا سيما مع الإدارات الديموقراطية التي راهنت على الدبلوماسية طويلة النفس وتفكيك العقد بالتدرّج. في قاموس ترامب، المماطلة تُقرأ ضعفاً، والغموض يُقابل بإنذار صريح: إما اتفاق بشروط واضحة، أو انتقال إلى مرحلة أخرى.
منذ البداية، قدّم ترامب نفسه كصانع صفقات لا يُحرج من الجلوس مع خصوم قد يصبحون شركاء، لكنه في الوقت نفسه قصير الصبر. رسالته كانت مباشرة: إما الذهاب إلى اتفاق نووي شامل يتجاوز صيغة 2015، أو مواجهة «أمور سيئة». وعندما أعلن صباح السبت 28 شباط/فبراير انطلاق عملية عسكرية واسعة ومستمرة ضد إيران تحت مسمى عملية «الغضب الملمحي»، كان يترجم المهلة السياسية إلى فعل عسكري. حدّد أهداف العملية بثلاثية واضحة: حماية الأمريكيين، محو البرنامج الصاروخي الإيراني، وضمان ألا تمثل إيران تهديداً نووياً بعد الآن. ولم يتوقف عند هذا السقف، بل وجّه خطاباً مباشراً إلى الحرس الثوري داعياً إياه إلى إلقاء السلاح، وخاطب الشعب الإيراني بأن «ساعة حريتكم تقترب»، في محاولة لفصل النظام عن المجتمع وبناء سردية أن المعركة مع بنية السلطة وليست بالتأكيد مع الإيرانيين.
كانت طهران قد لوّحت مراراً باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة إذا تعرّضت لضربة. ومع بدء الضربات الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة على مواقع قيادية للنظام وللحرس الثوري والاستخبارات ومنشآت حساسة، جاء الرد سريعاً عبر صواريخ استهدفت قواعد ومصالح أمريكية في الخليج، شملت قواعد في قطر والبحرين والكويت والإمارات، إضافة إلى أربيل في كردستان العراق وإلى الأردن، ولم تقتصر على إسرائيل التي تكون على الدوام في قلب دائرة النار. هنا يتبدّى منطق «توازن الألم»: إيران لا تستطيع منع الضربات، لكنها تسعى إلى رفع كلفتها وتوسيع ساحتها لردع التصعيد أو فرض وقف مبكر لها. عملت دفاعات دول الخليج وكردستان العراق والأردن على اعتراض الصواريخ التي استهدفتها في موجات عدة.
ما لم يقله ترامب صراحةً، عبّر عنه بوضوح حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن أن الهدف يتجاوز الردع او إضعاف النظام إلى إسقاطه، مقدّماً العملية التي حملت اسم «زئير الأسد» بوصفها فرصة لتهيئة ظروف تمكّن الشعب الإيراني من التخلص من «النظام القاتل». هذا التباين في الصياغة بين واشنطن وتل أبيب لا يعني اختلافاً كاملاً في الأهداف، بل اختلافاً في إدارة السردية: الولايات المتحدة تفضّل عنوان «إزالة التهديد»، فيما تميل إسرائيل إلى عنوان «إزالة النظام» باعتباره الضمانة النهائية.
في العمق، كان طموح ترامب تسجيل إنجاز استراتيجي يُقفل الملف النووي الإيراني نهائياً، ومعه ملفات الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة وشبكة الأذرع الإقليمية، وأن ينجح، ولو مبدئياً، في إعادة تموضع إيران بعيداً عن الصين وروسيا ودمجها في النظام الدولي بشروط جديدة. قال في خطابه أنه حاول استمالة إيران وتفاوض معها لكنها رفضت. غير أن طموح سيد «البيت الأبيض» يعني عملياً تفكيك مرتكزات النسخة العقائدية من نظام «الولي الفقيه» الذي بُني على العداء للغرب وتصدير الثورة كآلية دفاع عن بقائه. أي إن الصفقة، بصيغتها القصوى، لا تمسّ برنامجاً تقنياً فحسب، بل تمسّ هوية دينية عقائدية وسياسية وأمنية كاملة. لم يحدّد الرئيس الأمريكي سقفاً زمنياً قصيراً للعملية، مستخدماً تعبير «مستمرة»، بينما تحدّثت تسريبات عن موجة ضربات مكثفة لأربعة أو خمسة أيام. إلا أن تصور حرب سريعة ساحقة يبقى إشكالياً ما لم نكن أمام سيناريو انهيار داخلي متسارع أو تفكك في بنية القيادة والسيطرة. فإيران، رغم ما خسرته من أوراق، ما زالت تملك أدوات رد غير متماثل: صواريخ، مسيّرات، شبكات إقليمية، وقدرة على تهديد الممرات الحيوية. رهانها الأساس كان، ويبقى، على امتصاص الضربة الأولى، ومنع الانهيار السريع، وتحويل الصمود بحد ذاته إلى رواية «انتصار»، حتى لو انتهى الأمر بصفقة مذلة أو استسلام مُغلّف بخطاب سيادي. ما أظهره اليوم الأول من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية انها استهدفت لائحة من قيادات النظام وعلى رأسها المرشد، من دون أن تتضح نتائج الاستهداف، في محاولة لشل قدرات النظام ومؤسساته بالتزامن مع تحييد منصات إطلاق الصواريخ والبنية الصاروخية والمواقع النووية.
تدرك طهران أن عنوان العملية المُعلن أمريكياً تلميحياً، وإسرائيلياً تصريحاً هو إسقاط النظام. لذلك يصبح الهدف الوجودي للنظام هو البقاء، ولو بثمن مرتفع. ففي منطق الأنظمة العقائدية، النجاة من محاولة إسقاط، حتى مع خسائر فادحة، يمكن تسويقها داخلياً كانتصار على «تحالف الأعداء». فبين رغبة واشنطن في حسم تاريخي، وطموح تل أبيب إلى خلق نافذة يتحرك فيها الإيرانيون أنفسهم لتغيير جذري من الداخل الإيراني، ورهان طهران على الصمود، تتحدد مسارات الصراع: إما صفقة مفروضة من تحت النار تعيد تغيير المعادلة في طهران، أو مواجهة مفتوحة تتسع ساحتها وتختبر حدود القوة والقدرة في خطة رسم الشرق الأوسط الجديد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *