المنظومة العسكرية الأردنية تشرح بعض التفاصيل للمواطنين.. لماذا؟



بسام البدارين

عمان ـ «القدس العربي»: تقديم شروحات فنية ومهنية من جهات الاختصاص العسكري في الأردن حول آلية التعاطي وقواعد الاشتباك مع الصواريخ والمسيرات، هو خطوة إضافية تعزز قناعة المؤسسة الرسمية في حاجة الرأي العام والشارع إلى رواية أو سردية محكمة لا تسمح بثغرات أو شائعات.
عملياً، لا أحد يسأل وسط الأردنيين، لا في إطار التشكيك ولا في سياق الاستفسار عن الآلية والتقنيات.
لكن الجهة السيادية هنا واضح أنها تراقب كل صغيرة وكبيرة وتخطط لإغلاق باب التكهنات والتأويلات من باب إظهار الاحترام للشارع وإغلاق الفجوات وتعويض «النواقص» التي يتسبب بها الإخفاق الواضح الملموس لدى أذرع الإعلام المحسوب على الحكومة.
هنا حصل الأردنيون مساء السبت على «وجبة» شروحات وتوضيحات طالت أنواع المسيرات والطائرات التي يتم إسقاطها و.. أين وكيف ومتى ولماذا؟
كما طالت الشروحات التفصيل في كيفية التعامل مع صواريخ إيرانية يتم إسقاطها وتفجيرها بعد محاولتها المساس بالسيادة الأردنية أو العبور، بما في ذلك كيفية ومكان الإسقاط، والفوارق بين الصواريخ المنخفضة والمرتفعة، خلافاً لما تقول المؤسسات عن صواريخ تستهدف الأراضي الأردنية.
ثمة أدلة وبراهين على أن الجهات الإيرانية التي تطلق الصواريخ تستهدف الأراضي الأردنية لأسباب طبعاً مفهومة سياسياً، ويتضمن ذلك استهداف ما وصفه بيان رسمي بمواقع حساسة تخضع للحماية.
كفاءة ومهنية الدفاع الجوي الأردني ليست مثاراً للنقاش، والدليل الملموس هو سلوك المواطنين الذين يتحشدون حول بقايا وشظايا الصواريخ في المناطق والأحياء وهم يهتفون للجيش والملك في الأثناء، ما يؤسس لقناعة راسخة وطنياً بأن تحريف الرواية التي تزعم التحدث باسم الدولة ناتج عن اجتهادات وأجندات شخصية أو سياسية من قبل بعض الإعلاميين والنشطاء الذين يحترفون التحريض.
التحريض هنا عبر الإيحاء بأن شرائح في المجتمع ترحب بالصواريخ الإيرانية أو تعارض الرواية السيادية لما يحصل.
وهو أمر غير دقيق وغير صحيح في الواقع، ويتجنى على الوقائع برأي السياسي محمد الحجوج؛ لأن الجزئية التي يؤيد فيها الأردنيون عموماً الموقف الإيراني تنحصر فقط في توجيه الصواريخ إلى الكيان الإسرائيلي صاحب السجل العريض في الجرائم.
لا يحتاج الأردنيون في الواقع لشروحات من مؤسساتهم العميقة والمختصة، خصوصاً في الجانب العملياتي الفني، ويكفيهم الاحتفال بالنتائج الأمنية الحريصة على أمن الوطن والمواطن.
وثمة من يحاجج بأن الثقة مطلقة بالجهات السيادية ونواياها وسلوكها الميداني، فيما التفاصيل الفنية ليست مطلوبة شعبوياً، لكنها تشكل إضافة نوعية تجيب عن أسئلة عالقة وبانضباطية مرصودة لا يمكن إنكارها، تعارض وتعاكس روايتين في المزاج الشعبوي كلتاهما تنطوي على مبالغة أو تزيد تهويل يمكن الاستغناء عنه.

الرواية الأولى هي تلك التي توحي، خلافاً للوقائع، بأن الشعب يشكك في السردية الرسمية ويقف إلى جانب الصواريخ الإيرانية في توصيف غير دقيق وغير واقعي.
والرواية الثانية تلك التي تفترض ـ كما قال الناشط السياسي القومي الدكتور إبراهيم علوش ـ بأن من يؤيد إيران في الحرب ضد إسرائيل «يخالف الدولة أو يتحدى سرديتها» وبالنتيجة ـ كما يرى وزير الإعلام الأسبق سميح معايطة ـ «يهدد مصالحها» أو يجامل العدوان الإيراني.

بعيداً عن الفوارق هنا، يصبح الحوار بين بعض النخب والنشطاء أحياناً أقرب إلى نقاش الطرشان، فيما المعلومة الدقيقة تأتي من جهة السلطات السيادية ودوائر الاختصاص.
وهو ما اعتبره نائب رئيس الأركان الأسبق الفريق قاصد محمود، إشارة ما متقدمة على أن المنظومة العسكرية التي لا تتحدث بالعادة، وإن تحدثت تفعل ذلك باختصار، وتوجه عبر الإفصاحات والشروحات رسالة سياسية محدودة مضمونها أن الأردن يدافع عن نفسه وعن اختراقات صواريخ إيران لسيادته، فيما المملكة ليست طرفاً في هذه الحرب.
تحليل الجنرال محمود، يشير إلى أن طبيعة هذه الحرب وتداعياتها وجذورها تحفز فوضى روايات عبر السوشيال ميديا، وتكدس منشورات وأقوالاً ومعلومات قد تنطوي على تشويش.
لذلك، يتحدث الجيش لإحكام الرواية الشعبية أيضاً وحتى لا تحصل اختراقات، والسبب أن عناصر العدوان في السلوك الإيراني واضحة تماماً، فيما الأضرار ـ يشرح محمود ـ والحمد لله محدودة.
هذا النمط من الخطاب والشرح يمكن قبوله وتلمس فوائده.
لكن ما يبدد الجهد الرسمي والعملياتي والسيادي أحيانا هي تلك الروايات التي تعكس ـ بتقدير الدكتور علوش ـ انحرافاً غير مبرر، قوامه احتراف التشكيك عبر الذباب الإلكتروني بمن لهم رأي بالحرب برمتها.
الروايات السلبية تنتجها عملياً في الواقع العام الأردني بعض الاجتهادات التي تبالغ في ادعاء الولاء وتختار الحديث عن اختراقات داخلية لصالح الإيرانيين، أو وجود تيارات في الشعب والمجتمع تدعم طهران على حساب مصالح الدولة الأردنية، ما اقتضى في بعض الحالات دعوات متطرفة لسحب جنسيات مواطنين أردنيين بسب رأيهم في ملف الصراع ومحور المقاومة عموماً، أو اقتراحات بأن تيارات الإسلام السياسي تقف في الاتجاه المعاكس للدولة.
وهو استنتاج تفهم «القدس العربي» من عضو البرلمان الدكتورة ديمة طهبوب، أنه «مرفوض وعدواني، لا تصادق عليه الحقائق».
تلك آراء شاذة إلى حد ملموس حتى في مقايسات معاكستها للاتجاه المتوازن في سرد الحيثيات من جهة الدولة العميقة.
لكن هذا المشهد المنفلت إعلامياً هو جزء من انعكاسات هذه الحرب في كل حال.
الموقف المرجعي والسيادي ثم الدبلوماسي، لا يتبنى طروحات متشددة في التشكيك لا بالجمهور ولا حتى في إيران نفسها، بدلالة أن الأردن الرسمي يقف بصلابة وثبات خلف المنطق القائل بخفض التصعيد وحل الإشكال عبر الخيارات الدبلوماسية، خلافاً لإدانة طبيعية ومبررة لأي نمط فيه اعتداء مباشر على المملكة أو على الدول العربية الشقيقة جراء هذه الحرب الموصوفة حتى في عمان وبين نخبها بأنها عبثية وعدمية، وإنما تصاعدت لحماية اليمين الإسرائيلي المتطرف، ونتائجها وخيمَة على الجميع، وتهدد الأمن والاستقرار.
وهي الملامح التي يعتقد أن وزير الخارجية النشط أيمن الصفدي، يستعملها أو يشير إليها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *