بالأمس، زارنا في السودان الثامن من مارس/آذار، اليوم الذي قرره العالم عيدا للمرأة، يحتفل بها وتحتفي الأرض بالحياة. وللمرة الثالثة على التوالي منذ احتراق البلاد بنيران الكراهية في الخامس عشر من أبريل 2023، يجد زائرنا الأمر مختلفا، فيلاحظ أن الاحتفاء بعيد المرأة عند أي سوداني شريف يأخذ منحىً آخر، هو التأمل في هذا الكائن الاستثنائي، الذي حُوّل جسده إلى ساحة صراع وأرض معركة، وحَوّل هو روحه إلى أيقونة صمود ومقاومة. إنه امتداد لتاريخ نضال المرأة السودانية ضد كل محاولات طمس هويتها وتهميش دورها وحبسها في أقبية التخلف. ففي التاريخ القريب، هزمت المرأة السودانية بعزيمتها القوية وذكائها نظام الإنقاذ، وأثبتت أن مشروعه المتخلف كان مجرد أوهام. وفي ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، كانت المرأة السودانية في الصفوف الأمامية، تواجه جلاوزة نظام البشير بثبات وهي تهتف “ثورتنا أنثى”، وتحلم بدولة مدنية عادلة تساوي بين مواطنيها. تلك الأحلام، وإن غطّتها اليوم سحب الحرب، لم تنطفئ. فالنساء اللواتي خرجن يومئذٍ إلى الشوارع يطالبن بالكرامة والحرية والسلام والعدالة، هنّ أنفسهنّ اللواتي يرفضن اليوم عسكرة المجتمع ومصادرة السياسة، ويطالبن بوقف الحرب وبناء سلام حقيقي لا يختزل في تقاسم السلطة بين النخب، المسلحة أو المدنية، بل يؤسس لتحول ديمقراطي وعدالة انتقالية ومحاسبة وإنصاف للضحايا. وخروجها بذاك الكم وذاك البأس كان إعلاناً واضحاً منها بأنها ليست نصف المجتمع فقط، بل هي المجتمع كله حين يتمكن الإرهاق من النصف الآخر. واليوم، في خضم هذه الحرب الدامية التي تمزق خرائط الجسد والوجدان، وخضعت فيها حياة نساء السودان إلى اختبار قاسٍ للصبر والاحتمال، حيث يواجهن تهديداً وجودياً يومياً، تحولت المرأة السودانية بين عشية وضحاها من حارسة للبيت إلى حارسة للوجود كله، وتتولى جنبا إلى جنب مع رصفائها الشباب، تنظيم المبادرات المجتمعية، وتوسيع شبكة غرف الطوارئ، وتدير حملات الإغاثة الشعبية، وتوثّق الانتهاكات، وتصرّ على إبقاء جذوة الحياة متقدة.
في يوم المرأة العالمي، نقف إجلالاً للمرأة السودانية التي تواصل كتابة تاريخها لا بدموعها، بل بذاكرتها التي تتحدى النسيان، وبجسارتها وصمودها
نساء السودان دفعن الثمن الأفدح في هذه الحرب، وتحملن عبئاً مضاعفاً، عبء البقاء وعبء الكرامة، وهن تحت رحمة كل أشكال العنف، بما في ذلك العنف الجنسي الذي اُستخدم سلاحاً لكسر المجتمع وترهيبه. لكن انتهاك جسد المرأة السودانية لم يكن وليد اللحظة الراهنة، بل هو مشروع لا إنساني متكامل غذته عقود من التهميش والفقر والسياسات الذكورية الممعنة في التخلف، بما فيها السياسات التي دوما ما ترى الجسد الأنثوي أرضاً مباحة للتأديب والقهر السياسي والاجتماعي. فإبان عهد الإنقاذ، ونتيجة للقمع المؤسسي، تحول جسد المرأة إلى ساحة تطبيق لتفسيرات متطرفة، يدعمها قانون النظام العام كآلة قمع يومية، تُستخدم لجلد النساء بحجة الملابس غير المحتشمة أو الاختلاط، في مهزلة ومحاكاة ساخرة لدور الدولة في “حماية الأخلاق” وفي “إعادة صياغة المجتمع”!. والنساء كنّ الضحايا الأوائل لسياسات الإفقار، حيث دفعتهن الحاجة إلى العمل في الشارع، ليصبحن هدفاً سهلاً للتحرش والابتزاز، حتى من منفذي قانون النظام العام. وبعد حرب إبريل، انكشف الوجه الوحشي للصراع عندما أصبح جسد المرأة سلاح حرب بامتياز، وفق تقارير المنظمات الحقوقية التي وثّقت حالات اغتصاب جماعي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مناطق سيطرتها، كأداة لترويع المجتمعات وتهجيرها. هذا الاغتصاب ليس عابراً، بل هو “اغتصاب استراتيجي” يهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإثبات السيادة عبر إذلال الجميع، نساء ورجالا. والحرب حولت الملايين من النساء إلى نازحات في الداخل أو لاجئات في دول الجوار، حيث يُنتَهك الجسد مرة أخرى عبر الهشاشة: العيش في مراكز إيواء مكتظة، نقص الرعاية الصحية، والولادة في ظروف بدائية، مما يضاعف معاناة المرأة ويجعل جسدها رهناً للخطر اليومي. ورغم كل هذا الكم من الفظائع، أظهرت المرأة السودانية صموداً فذاً يستحق التأمل. هذا الصمود ليس مجرد قدرة على التحمل، بل هو نوع من “المقاومة اليومية” كما يصفها علماء الأنثروبولوجيا. والمرأة السودانية، على مر التاريخ، وفي كل الأزمان، لم تكن أبدا مجرد ضلع ناقص، ضعيف وهش، بل هي عقلٌ يُفكِّر، وفكرٌ يُبدع، وإرادةٌ تصنع الحدث، وشريك فاعل في بناء المجتمع وصناعة التاريخ. وفي زمن الحرب، كما هو الحال في بلادنا اليوم، تصبح المرأة السودانية أرضًا مقدسة يجب حمايتها. أما جسدها الذي تستهدفه وحشية وهمجية الحرب، فيتحول إلى قلعة مقاومة، مسلحة بالصمود والصبر وبقايا حلم. إنها التي تلد الحياة مرتين: مرة في زمن السلم، ومرة أخرى في زمن الحرب.
إن الاحتفاء بيوم المرأة العالمي في السياق السوداني الراهن، ينبغي أن يتجاوز العبارات الرنانة إلى مساءلة صريحة وواضحة حول كيف يمكن حماية النساء في زمن الحرب؟ وكيف يمكن إشراكهنّ بفاعلية في مسارات التفاوض وصنع القرار؟ إن تمكين النساء في ظروف النزاع ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان صمود المجتمعات وإعادة بنائها. والمرأة السودانية، بخبرتها في العمل المجتمعي والسياسي، ليست مجرد “ضحية” تحتاج إلى حماية، بل فاعل رئيسي في صناعة المستقبل. ولقد أثبتت التجارب العالمية أن أي عملية سلام لا تتضمن مشاركة حقيقية وفاعلة للنساء تظل ناقصة وقابلة للانتكاس. وأي تفاوض لوقف الحرب في السودان لن يكون ناجحاً بدون مشاركة النساء، لا كديكور، بل كطرف فاعل يملك أجندة واضحة في العودة الآمنة، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ولأنهن الأكثر تضرراً، فهن الأكثر حرصاً على إنهاء الحرب، وصوتهن في التفاوض هو صوت الحياة القادر على تفكيك خطاب الكراهية والحرب.
في يوم المرأة العالمي، نقف إجلالاً للمرأة السودانية التي تواصل كتابة تاريخها لا بدموعها، بل بذاكرتها التي تتحدى النسيان، وبجسارتها وصمودها، وبإجابتها الواضحة حين تسألها عن حلمها: أن تتوقف الحرب، وأن أعود لبيتي، وأن يرجع أولادي من المقابر، وأن تزهر شجرة “الكركدي” من جديد.
د. الشفيع خضر سعيد